في حياةِ كل واحدٍ مِنا ممرات، شِئنا أم أبينا سنمُر عليها، لكلِ فترة شدتُها ولينُها، وطأتُها على النفسِ تتناسب مع رغبة الواحد مِنا أو نفوره، ربما أقساهُن وأكثرهُن شتاتًا على الإطلاق مرحلة البَين بين، تلك التي تكون فيها كبُندولٍ صغير يتراوحُ بين الأمل ولحظة الانفجار، لا تستكين ولا تنتصر، ربما وهِنت ولكن هُناك أملاً يراوغُنا، يذوب فينا ونتيه فيه. بين أنفُسنا نُدرك أنه هُنا، يسكُننا، يُداعبُنا من طرفٍ خفي، لا سبيل لهروبٍ أو تغافُل، ربما فطريٌ فينا أن ننتظر شيئًا قد يُعيد للروحِ جُزءًا مما فُقِد منها، نُدرك ذلك ونؤمن به، ولكن أمام الجمعِ نُجاهر بالكفر به كأنه عيبٌ فينا، رُبما تتفلتُ عباراتُنا الحالمة سهوًا فنُمسِكها على هونٍ أو ندُسها في أغوار القلبِ كندبةٍ غائرة، خشية الخُذلان !

حين ندُس أحلامَنا وربما نتجاهل وجودها، تكون خشية الخُذلان هي السبب، فتتابُعه يقتُلنا، يُفقد الروح بهجتُها، فتُصابُ بالوَهن، ربما تتنحى جانبًا، تلوذ بنفسك وتحتمي هي بك، تري في الانكفاء عليها حِصنًا منيعًا من الخوض في مُعترك حياةٍ تُكلل الخيبة مسعاه، ولكنك تعلم، كما أعلم أنا أيضًا، أن انتظارَ أشياءٍ ليست بالحُسبان والغوصَ في غياباتِ جمالٍ – نستحقه ونُريده- ولو كان حُلمًا هو ما يُبقينا على قيد الحياة، مُوازنةٌ صعبة، تأبى النفس أن تميل لإحداهُن فتجور على الأخرى، ربما ترى في الشد بين الضفتين – كي تُوازن بين ما تطلبه الروح كي تبقى وما يفرضه الواقِعُ من سوئه- ركنًا رشيدًا فتأوي إليه.

تقول دكتورة هبة رؤوف عزت: صفر اليدين قد عاد قلبي من ملاحِمه الطويلة، راغمًا، لا النصرُ حاز ولا الهزيمة قد أَقَر، أمرُ القلوبِ مع المعارك بَين بَين! خالي الوِفاض والدمعُ فاض لا القرب كان ولا استكان لغربةٍ كالقارب المشدود بين الضفتين، فأن تكون مُنقسمًا لا أنت في أوجِ طاقتك الروحية، ولا في درجة القانطين من بريقِ سرابٍ يحسبُه الظمآنُ ماء، مُنهِك، وإنهاكُ الروحِ يجعلُ الألوان في عينك تتمازج، ربما تميلُ إلى السوادِ قليلاً فتستُحيل حيرتُك سُخطًا على القدر، تُدندنُ بأن دعوت ولم يُستجب لي، وإن بدا لسانُك راضيًا؛ فالقلب قانِط! لِمَ يا رب تتعثرُ خُطاي؟ ربما لم أكُن بالصدق الذى يكفي كي تُجيب رجائي ولا بالطُهر الذي تُجدي معه مُناجاتي ولكني خُذِلتُ، أيا رب أنتظرُ فرجًا قريبًا يُنقذ يقيني فلا فيك أُفتن ولا عن طريقك أحيد! تتعَجلُ يا رفيقي أملاً ربما تقتضي حكمته أن يُحالَ سرابًا هُنا، فتتمازج الألوانُ أكثر ويعلوها السواد، تسيرُ بين الناسِ باذرًا ألمُك، في كلِ مكانٍ تضع بذرة إلا بين يديه، تنأى بقلبِك جانبًا، وكأن الله وعدنا حياة بلا أذى – فأخلف وعده- سُبحانه !

إن عدم الفهم لأقدار الله واختلاط الأسبابِ يقتُلنا، كثرة التفكير والتساؤل فيما يُفعلُ بنا وما لا يُفعل تُنهك القلب، تُعييه، تُحيل نوره ظُلمةً وربما كمدًا وضجرًا، فاحذر يا رفيقي كي لا يُبحر بك بعيدًا فتغوص في غيابات الغفلة والقنوط. واعلم أنك لست مُطالبًا سوى بالصبر الجميل – صبرٌ بلا شكوى ولا ضجر– وانتظار جزاءٍ ربما آتيك هُنا، أو هُناك عند علام الغيوب.

فهناك، في الجنة، سنجلس بين يديه لنسأل عن كل ما خُفي عنا، ستسألُ عن قدرٍ حال بينك وبين ما تشتهي وأنت في أمس الحاجة إليه، وكيف لقدرٍ أصابك بالحيرة وفُقدان الدليل بينما كُنت بالجوار فزَلت قدمُك بعد ثبوتها، بين يديه ستبوح بكل شيء، ستُخبره كم عانيت كثيرًا حين اشتد البلاء، وكم قضيت ليلك باكيًا بينما من حولك يضحكون! وسيُفهِمنا- سبحانه- أيضًا لمَ اقتضت حكمتُه أن يُحال أملُك إلى سراب!

فهناك وهناك فقط، سيُطفِئ لهيب السؤال، أما هُنا فاعلم أن الدنيا دارُ بلاءٍ وكدر، فلا تبتأس بما تلقى، وجاهد ما استعطت، وخُذ من الأيام كما تأخذ منك، ولا تسأل، فربما الصبر على ما لم تُحِط به خُبرًا أقل ألمًا من مرارة السؤال، وربما أخفُ وطأةً من الحيرة بين الأملِ ولحظة الانفجار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد