تشتد الخطوب والمصائب بالجماعات الإصلاحية، فيحتار أتباعها بخاصة الذين قدموا الغالي والنفيس في سبيل ازدهار أوطانهم، وعودة شمس الحضارة العربية الإسلامية لتنير فراغ أرواح العالم، يحتار الشرفاء المخلصون على امتداد الأمة العربية الإسلامية إلا مَنْ رحم ربي، وهم يرون جهودهم مبعثرة، وهم على الحق؛ فيما عدوهم مجتمع رغم باطله.

وبعض المُصلحين في مثل هذه المواقف ينقسمون؛ فمنهم من يتماهى ويذوب دفاعًا عن حركة إسلامية انتمى إليها وأثبتت الأيام أنها لم تُحسن الأخذ بالسنن الكونية، وهناك طرف آخر يصيبه اليأس والألم حتى أنه ليُقصر في أداء أمانة عمارة الأرض التي عهد الله تعالى إلى أبي البشر آدم، عليه السلام،  وأتباعه المُخلصين.

وفي مثل هذه الظروف والملابسات البالغة القسوة على كل محب لنهضة أمته، وبالتالي سلام واستقرار العالم بعيدًا عن قبضة يد وسخافات أغلب حكام اليوم ونخبهم؛ على كل راغب في خدمة كل معنى جميل من أجل ازدهار الحياة، وانتشار الجمال والعدل، على كل صاحب رسالة يرجو بها وجه الحق أن يتمّ تحرره الحذر كخطوة أولى.

التحرر، بحسب رأي صاحب الكلمات، من أسر التبعية لكل معوق عن الاستمرار في أداء الرسالة واجب الوقت اليوم بحسب كثير من العقلاء، فلم تكن هذه الحركات الإسلامية على سبيل المثال إلا وسيلة تسعى نحو وجه الأسمى من غاية جلب الخير لمجتمعاتها، والتغلب على انتشار المادية وفلسفة خدمة الجسد وإماتة الروح وفق منظومة الحضارة المادية الغربية الحالية. فإن صارت حركة هنا أو هناك عبئًا على أصحابها، فإن التحرر الحذر من الوسيلة ومواصلة السير نحو الغاية أولى من مواصلة السير داخل حيز داخلي مُحكم لا يؤدي إلى نتيجة، وإنما قد يُسرب الأمل في النفوس من جراء المحاولة دون الوصول إلى نتيجة.

إتمام التحرر بحذر، إذًا، وكُون صاحب الموقف اليوم إنسانًا يحرص على جوهر الدين، ويتخذ منه غاية سامية، بعيدًا عن الرسميات المُنتمية لجماعة تمثل سُلمًا وتنسى السقف الذي تريد الوصول إليه في نفس الوقت، متمسكة بالدرجات الصاعد؛ لكن من خلال الجري في المكان ليس إلا، وتتوقف عن الصعود متحملة آلام الدوران في المكان، والخلافات العميقة مع أقران الدرب، رفقاء المسير المُضارين أيضًا، إتمام التحرر بمقدار واجب اليوم.

والتحرر إذا وصل حال الجماعة إلى هذا الحد، ولو بمجرد التمايز الفكري والغربة الشعورية أفضل وأولى، وكفى ما جره على الأمة التمسك بالأسماء دون الحرص على المُسميات؛ بل يكفي ما جرته على الأمة الانحيازات الضيقة.

إن الداعية الحقيقي الذي يطلبه هذا الدين في جوهره، هو المتفوق في عمله ومجاله وتخصصه، وهو عبر تفوقه في مثل هذا الوقت البالغ القسوة من حياة الأمة يجب أن يستشعر الإخلاص في أقصى عمق من قلبه، وأن ما يقدمه هو لرغبته في رضوان الله وحده، ثم لصلاح أمته، وهذه الغاية وذاك العمل لا دخل لهما بالمظاهر إلا بحساب. فما دام المخلص لدينه يراعي ربه، ويحرص على مظهره، وفق ما يرضي خالقه ثم متطلبات بيئته فإن التوازن الإيجابي المطلوب لا ينبغي أن يستحضر، في المقام الأول، أدوات أو طقوس خاصة بقطع القماش أو ماكينات الحلاقة. ويكفي -أيضًا- ما جرته علينا وعلى الأمة المعارك الجانبية عديمة النفع، وما أسفرت عنه من ثقة متناهية في البعض من الحريصين على المظاهر، سواء أكانوا يستحقون ثقة الملايين أم خذلوهم. فما بالمظاهر وحدها ترقى الأمم، أو تصعد سلم الحضارة، وإنما يعلو حديث المظاهر حينما يخفت صوت الجوهر والغايات في الأرواح والقلوب. أما إذا وافق المظهر المضمون فإنه لباب من أبواب رضا الله على بعض عباده يفتحه لمن يشاء، ولكم تمنينا لو كثروا!

إن جوهر معنى الحضارة في نفس المسلم يهبه راحة وطمانينة لا يستشعرها غيره، بخاصة وهو يُعمر الأرض فينال أيضًا من المنافع الحضارية الدنيوية، وماهية المسلم تهبه روحًا شفافة لا تقاربها المناصب ولا السلطة بحال من الأحوال.

وفي أوقات المحن على كل راغب في ازدهار نفسه وبلدته، وبالتالي أمته وانبعاث حضارته أن يدرب نفسه على أن يكون هو لا أحد غيره، وألا يسمح للآخرين سواء أكانوا من الأعداء أو القرناء أن يحددوا مسالك حياته بالتخويف مرة، أو بالحرص على استمراره في الاندماج الكامل في صف يريدونه متماثلًا لا يراعي القدرات الخاصة مرة أخرى؛ فإنما تقوم الحضارات على التنوع والاتزان والاختلاف، ولا تقوم بالحرص والمساواة المُفرطة بين جميع أتباعها.

بالإضافة إلى أنه ليس مطلوبًا من ساعٍ لنهضة أمته ورفعتها أن يخوض معارك غيره ويتمادى فيها، وليس ينصلح حال مجتمعاتنا بالاقتتال المادي والمعنوي بين أطيافها وفصائلها وقدراتها البشرية؛ بل إنه طريق أقرب ما يكون إلى النهاية للفرد قبل البلاد.

أما سُبل احتفاظ بعض الحركات بأفرادها، عبر التمسك بهم وتذكيرهم حينما يريدون الانسحاب، ولو حتى حين، بأعمارهم التي قضوها في رحاب الجماعة؛ وعدم صحة التراجع عنها، فهو ما يحتاج إلى مزيد من التفكير والتدقيق بخاصة إذا ما واكبته منظومة تجعل الفرد المُراد التمسك به يغفر خطايا أتباعه من أفراد الجماعة، مع تعميق الأخيرة بداخل كوادرها كراهية الآخرين من أصحاب الخطايا أيضًا، وإن زادوا فيها، دون أن تكون روح الرحمة في القلوب حاضرة للجميع، مع الرغبة في سلوك النهج الذي يكف أذاهم لا الذي يتشاجر معهم من أجل الحياة الدنيا.

فإذا انساق قوم نحو البغض والكراهية، ولو لأهل الباطل، ولم يبذلوا في المقابل جهدًا للعمل والبناء؛ فإنما هو وقت «المشروعات الفردية»، وحفظ المسافات الذي لا يقتضي الابتعاد الكامل والخصام عن الجماعة، وإنما التلاقي بمقدار وحساب. وتذكر أن إضاءة شمعة في الظلام خير من لعنه، وماذا سيفيد بانٍ أو ناهض بحضارة التشفي بصورة شخصية بخاصة في مُتوفى، بلا نقد لفكره أو إنتاجه على أسس علمية وإبداعية، فما التشفي إلا أول دركات الانزلاق نحو تكاثر المشاعر السلبية، وما تكاثر الأخيرة ببان لحضارة أو حتى مضيء لبصيص ضوء في طريقها.

ليكن كلٌّ منا إنسانًا ليأتيه الوجود والإسلام، ويأخذ من خيري الدارين بمقدار؛ ولكن لا يتماهى ولا يسمح باختلاط نفسه حتى الثمالة أو الذوبان في أحد، فإنه إن افتقد الإنسانية وافتقدها الجمع فلا وجد ولا وجدوا شيئًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجماعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد