مشروع-سياسي-القوة-الثوابت-المتغيرات

في مُداولة سياسية إزاء التعامل مع انتخابات التجديد النصفي لمجلس الأمة الجزائري رأى أحد المنتخبين المحليّين الممثلين لحركة إسلامية في ولايته؛ رأى تزكية مرشح حزب السلطة الحاكم بدعوى الانحياز للأقوى، وهو في حالته – مرشح السلطة – قوي مُستغن عن هذه التزكية بحساب عددي مُريح، أي أنه غير معنيّ بتقديم تنازلات سياسية، ومن ثم، فإن تبرير «الانحياز للأقوى» هو غاية هذا الرأي بذاتها.

تعكس هذه المقاربة السياسية منطقًا تفكيريًّا رابضًا في مقام نحو زاوية نظر واحدة لا يُراد التحوّل عنها، إذ هذا المنطق مُخرج تربوي تراكمي عجنته عوامل تاريخية موضوعية عملت في العقل الإسلامي لتكون أولويته الإجابة عن السؤال: كيف أتكيّف مع العوامل المحيطة القاهرة؟، بدل أن تكون الأولوية الإجابة عن السؤال: كيف أكيّف العوامل المحيط القاهرة إلى عوامل قابلة؟، فهو منطق يقيم رؤيته على ردات أفعاله أكثر مما يُقيمها على أفعاله، وتحتل بنية الآخر وحركته المساحة الأشسع من البنية الذاتية وحركتها في المقدمات التي يبني عليها، ومن ثم هو يولي الأهمية القصوى للمتغير الذي يتمثل هنا في العامل الخارجي عوض الثابت الذي يتمثل في العامل الداخلي.

في علم الاستراتيجيا والتخطيط كلما احتلت الثوابت المساحة الأوسع من عوامل الفعل والتأثير؛ كانت الرؤى الاستراتيجية أصدق وأسدد، وكلما توسعت المتغيرات في الفواعل؛ كانت تلك الرؤى متعثرة متهافته، وليس الثوابت إلا ما نملك صناعته، وليس المتغيرات إلا ما يملكه غيرنا، وليس الفصل والوصل إلا للعقل الاستراتيجي الذي يتسلح بالثوابت التي يمتلكها، وما العقل التكتيكي إلا رافعة لاستراتيجيته.

والمنطق القرآني استراتيجي بالأساس؛ يولي الأهمية للثوابت التي يُمكننا فعلها والفعل بها وفيها، فيرشدنا ويوجهنا إلى مصيرية البناء الذاتي ابتداءً لأن النتائج تنبني عليه وتقوّم به إجمالا، ففي مُصاب أحد نبه القرآن إلى العامل الداخلي «قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ” آل عمران 165، ويقدم أنموذج يونس عليه السلام الذي حمّل نفسه المسؤولية «أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» الأنبياء87، وفي مقابل هذه المصيرية فإن العامل الخارجي وإن كان له مكره وقهره إلا أن القرآن يصفه من قبيل «لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى» آل عمران 111، «وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ» آل عمران 121.

إن نجاح أي مشروع سياسي هو في مدى امتلاكه لعوامل القوة والتأثير التي هي ذاتية أولًا، فمهما كانت قوة الآخر ومكره؛ فإن للمشروع من القوة ما يجعله قادرًا على امتصاص الصدمات والتعامل معها، ولا يُغني الاكتفاء بقوة المناورة وقدرة التّكيف سوى بالتقليل من الأضرار والخسائر في الغالب، هذا الذي يجب أن تنتبه إليه الأحزاب السياسية الإسلامية خاصة، فالتعويل فقط على المستجدات المحيطة ومآلها دون امتلاك أدوات التعامل معها لن يُحدث المطلوب والمأمول.

كانت هبة الشعوب العربية مطلع العشرية الثانية من هذا القرن بمثابة إعلان صريح للحركات الإسلامية استعدادها للانتقال بمشروعها من الوجود القوي في المجتمع إلى قيادة الدولة، وقد اصطدمت هذه النية بمشاريع مضادة لا ترى فيها إلا التهديد الاستراتيجي لها، ومن ثم انحسرت الغاية من الوجود القوي إلى مجرد القبول بها.

كانت كل المراجعات النقدية لا تبحث في غير قوة الآخر ومكره وقوته، وحتى المراجعات الذاتية فإنها خاضت في فشل التكتيكات والمناورات وتواكف قراءات الخصوم والأعداء، ولم أسمع أحدًا شخّص هذا الفشل والتراجع كما فعل المفكر التونسي راشد الغنوشي الذي تحدث بلغة صريحة عن أن الإسلاميين ما زالوا بعيدين عن قيادة الدولة ما لم يمتلكوا القوة الصلبة، والمراد هنا: الإعلام المؤثر، المال الكافي، النخب المؤيدة، والنفوذ على مستوى أجهزة الأمن عند التواجد في السلطة على الأقل.

يُصَدّق هذه القراءة تجربتان فاشلتان وأخريان ناجحتان:

فعلى مستوى الفشل كانت تجربة إخوان مصر في السلطة أكثر وضوحًا من نظيرتها في تجربة حركة النهضة التونسية، إذ بدت الأولى معزولة إعلاميًا ونخبويًا وأمنيًا، فكانوا في السلطة وهم ليسوا فيها، فلوا بادر الرئيس مرسي مثلًا بتشكيل قوات أمنية موازية للداخلية أو أجرى تعديلات جوهرية جذرية على الداخلية بشرعية الدستور والشعب في الميادين، لكان ربما أنقذ التجربة وحمى الثورة، ولا أحسب – كما يعتقد الكثيرون – أن حركة النهضة استطاعت إنقاذ تجربتها بانحناءة ظرفية أمام الظروف، إذ لا أعتبر الانسلاخ عن الخلفية والمبدأ انحناءً، وما تشخيص أبيها الروحي الغنوشي إلا اعتراف ضمني بالانحسار والفشل.

أما على مستوى النجاح والصمود – وإن ما زال الأنموذج مهددًا – فإن التجربة التركية بقيادة العدالة والتنمية لم تكن لتصمد لولا المال والنخب ابتداءً، والإعلام والنفوذ في أجهزة الأمن التحاقًا. ولم أكن لأتجاوز تجربة حركة المقاومة الإسلامية حماس، باعتبارها حركة تحرر لا سلطة حاكمة، إذْ نقوّمها بأصلها لا بظرفها الذي ما هو إلا أداة للوصول إلى غاية التحرير، فلولا قوّتاها العسكرية ممثلة في كتائب القسام، والدعائية بصوت قناة الأقصى لقبرت التجربة في مهدها، ولست من الذين يروْا عدم صوابية الجمع بين السلطة والمقاومة، فبالقوة حمت حماس سلطتها، وبالسلطة عزّزت قوّتها، وأما معاناة أهلنا في القطاع فإن أصلها في الاحتلال الذي ستبقى المعاناة ببقائه، وشعب الضفة يعاني بلا حماس.

السؤال المركب الاستراتيجي المصيري الواجب الإجابة عنه من منظري وقادة الحركات الإسلامية هو: ماذا تمتلك مشاريعها من مظاهر القوة الصلبة؟ وكيف يمكن تحقيق ما يحمي وجودها في المجتمع والدولة؟

أعتقد أن الإجابة تمثل ورقات استراتيجية بخطط زمنية معينة، لكن محدداتها معنونة بـ: النخب والإعلام والمال والنفوذ على مستوى أجهزة الأمن.

فإن كانت وسائط التواصل الاجتماعي قد كسرت احتكار الأنظمة للمنظومة الدعائية إلا أن التصالح مع النخب بخطابٍ إنساني وطني تشاركي يمثل تعاهدًا مقبولًا وقويًا قادرًا على إنضاج وعي جمعي كافٍ وحراسته، إذ تمثل النخب وسيطًا مؤثرًا مسموعًا بين هاته المشاريع والرأي العام.

ومع أن إقامة علاقات اقتصادية مع دول بعينها يمثل مقاربة اقتصادية ذكية للمشاريع السياسية الإسلامية، إلا أن النظام الدولي الاقتصادي صار متحررًا من القطرية عابرًا لها، كما هو شأن الشركات الأممية، ما يتيح مساحة آمنة لحركة اقتصادية موازية بعيدة عن الرقابة والترصد.

المفارقة المقاربيّة في رؤية ومشروع الحركات الإسلامية أنها في الوقت الذي تستنزف طاقاتها البشرية والمادية للتواجد في مؤسسات الدولة، ما زالت تتوجّس وتتخلف عن التواجد في المؤسسات الأمنية، صحيح أن التحري والتدقيق في الانتساب عائق صريح، لكن هذا لم يمنع الكثير من المتعاطفين معها أو أفراد من عائلات محافظة من الالتحاق بهذه المؤسسات.

سيجد قادة هذه المشاريع الإمكان الواسع في اجتراح خطط عملية واقعية قادرة على صناعة عوامل قوة ذاتية غير ناضبة، طالما أن العقل الإسلامي انتقل من أهمية القدرة على التّكيّف إلى أولوية القدرة على التّكييف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد