في عالم اليوم نظم عدة تدّعي أنها نظم إسلامية تحكم بالإسلام، ومعظمها يدّعي أن ما يطبقه وحده هو الإسلام الحق، وأن غيره من النظم باطلة، حتى لو كانت تدّعي أيضًا الحكم بالإسلام، وأنهم وحدهم دون سواهم هم أهل الحق والفرقة الناجية، وأن نظامهم في الحكم هو الذي أمر الله به، ولما كان نظامهم من عند الله كما يدّعون، فإن أي معارضة سياسية لهم هي معارضة لحكم الله، ولشرع الله.

وهناك نماذج متعارضة لأنظمة زعمت جميعها أنها تحكم باسم الله وبالشريعة الإسلامية، ومن هذه الأنظمة نظام «الحكم السعودي»، وربما هو أقدمها الذي ما زال يحكم، وهناك نظام «طالبان» في أفغانستان، ونظام «جعفر نميري» في السودان، الذي ثار الشعب عليه، ثم نظام «البشير»، والذي خلعه الشعب أيضًا مؤخرًا، وهناك نظام «الدولة الإسلامية» الذي أسسه تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، وهناك «النظام الإيراني الشيعي الإمامي»، وغيرها من النظم التي تدّعي أنها نظم إسلامية.

وأكبر مظهر في نظم الحكم السابقة، من مظاهر الحكم بالإسلام في نظرهم هو تطبيق القصاص، والحدود من قطع للرؤوس والأطراف، وإجبار المرأة على زي معين، ومنع الخمور.

فمثلًا النظام السعودي يلتزم ويطبق المذهب الوهابي، وكان هناك منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى عقد غير مكتوب، ولكن متعارف عليه بين «آل سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب وذريته (آل الشيخ)»؛ وبمقتضى ذلك العقد تكون أمور الدين والإفتاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للشيخ «محمد بن عبد الوهاب» وذريته، وتكون أمور الحكم والسياسة والدفاع والخارجية بيد «آل سعود»، على ألا يتدخل «آل الشيخ» في أي أمر من أمور السياسة إلا إذا كان ذلك يتعلق بزيادة تمكين «آل سعود» من الحكم مثل تحريم معارضتهم، أو التظاهر ضدهم، أو حتى تحريم نصحهم إلا بشروط مستحيلة.

ويطبق «آل سعود» بعضًا من مظاهر الشريعة الظاهرة مثل قطع رأس القاتل، وقطع يد السارق، ويكون ذلك في ميادين عامة، وفي احتفالات بروتوكولية، والتضييق على النساء في الملبس وغير ذلك.

وتجربة «طالبان وداعش» متقاربة، فكلاهما وُجد نتيجة لرد فعل على أحوال سياسية متردية، وتدخلات أجنبية عسكرية وسياسية، وانقسام مجتمعي وطائفي، وفي كلا النظامين يعلن رأس النظام نفسه أميرًا للمؤمنين، وبعد ذلك تجب له الطاعة، وتحرم معارضته، ويلتزمون مثل النظام السعودي ببعض أحكام القصاص والحدود، وينظرون للمرأة نظرة دونية، ويلزمون المرأة مثل النظام السعودي بلباس معين، وتعاقب المرأة التي ترتدي ما يخالف ما رأوه، وفي بعض الأحيان قد يتطرف بعضهم فيحرم تعليم المرأة، إلا في مراحل التعليم الابتدائي.

وفي حالة النظام السوداني سواء «النميري أم البشير» فكلاهما أعلن تطبيق الشريعة؛ بحثًا عن دعم شعبي من الشعب السوداني المتدين في مواجهة حالات انفصال في الجنوب، أو الغرب، أو لإسكات معارضة يسارية، أو ليبرالية، وأيضًا هذا النظام لم ير من الحكم الإسلامي سوى قطع الرؤوس أو الأيدي.

أما النظام الإيراني فقد أعلن تطبيق الإسلام من وجهة نظره، حسب المذهب الشيعي الاثنيّ عشري، وفرض ذلك على كل الشعب الإيراني، بما في ذلك الإيرانيين السنة.

ولما كان مذهب الاثنا عشرية في السياسة يعتقد بوجود إمام غائب منذ عدة قرون، ويدعون الله أن يعجل بإخراجه من السرداب الذي دخل فيه، ولما رأى أئمتهم وعلى رأسهم «الخميني» أنه لا يمكن قيام نظام حكم إسلامي إلا بعودة الإمام الغائب، فكان المخرج هو ولاية الفقيه، الذي يحكم نيابة عن الإمام الغائب حتى عودته.

ورغم التعارض الكبير جدًّا بين النظام السعودي الوهابي والنظام الإيراني الشيعي، إلا أن كليهما فرض قيودًا مشددة على المرأة بإلزامها زيًّا معينًا، ومعاقبة من تخالف ذلك.

وبالطبع معظم نظم الحكم في الدول العربية والإسلامية تنص في دساتيرها بأن الإسلام هو دين الدولة، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر أو مصدر من مصادر التشريع، وتطبق معظم الدول النظم الإسلامية في الشئون الشخصية مثل الزواج، والميراث، وكثير من المعاملات.

والسؤال الآن: أي من النظم السابقة يمكن أن نطلق عليه نظام حكم إسلامي؟

أعتقد أن معظم هذه النظم بعيدة عن الحكم الإسلامي، وإن وصفت نفسها به تمامًا مثل مسلم أطلق لحية طويلة، ولبس جلبابًا قصيرًا أبيض، وحرص على معظم العبادات الظاهرة، ولكنه في تطبيقه الإسلام في معاملاته وتعاملاته، أبعد ما يكون عن الإسلام.

ودون الدخول في تفاصيل أي نظم الحكم، يمكن أن يطلق عليها إسلامية، سأحاول أن أضع تصوري للحكومة الإسلامية وشروطها، ثم نبحث مدى تطابق هذه الشروط على النظم التي تدّعي أنها نظم حكم إسلامية.

أول هذه الشروط في مجال الحكم الإسلامي هو الشورى؛ والشورى هي الأصل الأول في الحكم، ومنزلتها في السياسة تعدل الشهادتين في العقيدة؛ بمعني إذا أردنا تأسيس حكم إسلامي فالشرط الأول هو الشورى، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38]، ولاحظ أنه تبارك وتعالى قرن الشورى بالاستجابة لله، والصلاة، والزكاة، وهي أول ثلاثة أركان من أركان الإسلام الخمسة.

وفي غزوة أحد شاور الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، وأنفذ رأي الأغلبية، رغم عدم رضائه، ولما انهزم المسلمون، كان يمكن العصف بمبدأ الشورى، وخاصة أن قائد الدولة الإسلامية هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يوحى إليه (وهي خاصية لن توجد في أحد من البشر من بعده)، ولكن الله –تعالى- أنزل قرآنًا يُتلى إلى يوم الدين، يأمره بالشورى والأمر هنا للإيجاب لا للاستحباب كما ذهب البعض يقول تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].

وإذا سرنا على هَدي الخلافة الراشدة، التي أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- باتباع سنة الخلفاء الراشدين لوجدنا أن الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم- تم اختيارهم بعد شورى، ثم مبايعة جموع المسلمين لهم مبايعة حرة لا إكراه فيها، وإن اختلفت طريقة اختيار كل خليفة، ولكن بقيت الشورى والبيعة الحرة، وليست الشكلية والجبرية هي الأصل في اختيار الخلفاء الأربعة.

والإسلام لا يعرف التغلب والاستبداد، إن كان هناك من العلماء من أجاز إمامة المتغلب، فلم يكن ذلك عن نص من قرآن أو سنة، وإنما عن رأي ارتأه، ورأى فيه أن المفاسد من رفض هذا المتغلب قد تكون أكبر من المصالح، وحسب وقته وأحوال الأمة فهي فتاوى خاصة بوقتها، ولظروفها الخاصة الاستثنائية، ولا يمكن لهذا الاستثناء أن يلغي الأصل المنصوص عليه في القرآن والسنة، تمامًا كما لو أفتى عالم بجواز أكل الميتة والخنزير، أو شرب الخمر لضرورة طارئة، فلا يمكن الاستدلال برأيه بجواز أكل الميتة خلافًا للنص، والشورى يتبعها البيعة لا يمكن تصور وجودهما دون وجود حرية كاملة للرأي، حتي لو كان مخالفًا لولي الأمر .

والشرط الثاني ليكون الحكم إسلاميًّا هو العدل؛ فلا يتصور قيام نظام ظالم، وينتسب للإسلام في نفس الوقت، يقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا] [النساء: 58] وهذه الآية توضح حقوق الأمة على ولاة الأمر، فإن أدى ولاة الأمر هذه الحقوق وحكموا بالعدل، فالآية التي تليها توضح حقوق ولاة الأمر على الأمة، إذا التزموا بحقوق الأمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء59 :].

وهناك شروط أخرى مثل المساواة، وكفالة الحريات، ولكن لا يتصور قيام نظام حكم على رأي الأمة (الشورى) والعدل، ثم لا يكون هناك مساواة مثلًا فالعدل سيكفل المساوة ولا شك، كما لا يتصور قيام نظام على الشورى، ورأي الأمة والعدل ثم يصادر حرية مواطنيه سواء حرية القول أو التنقل أو العمل، أو حتى حرية الالتزام بشعائر الدين نفسها التي ينبغي أن يكون الالتزام بها التزامًا نابعًا من الحرية الكاملة، ما دام هناك حساب يوم القيامة، وبالطبع هذه الحريات المكفولة والتي يحميها نظام عادل، ستكون في حدود عدم التعدي على حريات الآخرين، ومحدودة من ناحية أخرى بنظام المجتمع، ونصوص الإسلام القطعية.

ثم نأتي أخيرًا ونعرض نظم الحكم التي تم ذكرها في بداية المقال، ونبحث مدى التزامها بالشورى والبيعة الحرة في اختيار الحكام، ومدى حكمهم بالعدل، ومدى اطمئنان مواطنيها، وعدم خوفهم من تنكيل الحكام.

وكل الأمثلة التي ذكرتها لحكومات إسلامية هي نظم تم فرضها على الأمة، فهي لم تأت بالشورى والبيعة الحرة التي لا جبر فيها، ابتداء عند اختيار حكامها؛ وحكامها ما بين وارث غير مستحق، ومتغلب بالدبابة والمدفع، ثم هذه الأنظمة لم تحكم بالشورى بعد ذلك في ممارستها للحكم.

وأيضًا هذه النظم لم تحكم بالعدل فكلها لا تساوي بين المواطنين، أما القانون وهناك محاباة لطبقة الأمراء، أو قادة العسكر، أو النخب المحيطة بهذه النظم والمستفيدة منها.

وبالتالي كل هذه النظم ليست إسلامية على الإطلاق، وإن أخذت من الإسلام اسمه، وبعض المظاهر مثل قطع يد السارق، ولكن يمكن وصفها بنظم متأسلمة تستغل الدين والإسلام لتوطيد أركان حكمها، وإجبار الأمة على طاعتها، ولكنها أبعد ما تكون عن جوهر الإسلام، والحكم بالإسلام.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد