ليست مقارنة بين حدثين بارزين في السيرة النبوية الشريفة، وأيضًا ليست محاولة لوضع نقاط التلاقي أو الاختلاف بين هذين الحدثين، فكلٌ منهما جاء في سياقٍ متراكم من الأحداث مختلفٍ عن الآخر، وسبقته أحداثٌ كثيرة دفعت باتجاههما، ولكن هذا المقال محاولة لوضع هتين الرحلتين في سياقات عامة، لإيضاح الدلالات الكبرى لهما، فهي ليست تسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأولى – أي الإسراء – فقط، مع أهميتها، وليست كذلك انتقالًا أو سفرًا قام به عليه الصلاة والسلام – أي الهجرة – من مكة إلى المدينة المنورة، بل هما حدثان جليلان عظيمان، ارتبطا جغرافيًا بمكانين ومحطتين، وشكلا جزءًا كبيرًا من شعورنا الوجداني، وارتباطنا القلبي، ولحقهما العديد من النتائج التي ما زلنا نعيش بعضها حتى يومنا هذا.

الهجرة إطلاق العملاق الإسلامي

أذكر أنني قرأت قديمًا عبارة لأحد المستشرقين تصف الهجرة النبوية، بأنها الحادثة التي أخرجت المارد الإسلامي من محبسه، وأنها استطاعت أن تُطلق أحداثًا عظيمة، لم تكن نهايتها إلا على ضفة نهر السين أو أمام أسوار فينا، وفي سياق هذا الخروج الإسلامي للعالم يصف العالم الكبير مصطفى السباعي رحمه الله تعالى الهجرة أنها سبب الانطلاقة الحضارية الإسلامية، وأن عواصم الإسلام وحواضره الرئيسة مدينة لهذا الحدث بشيء كثير، فيقول في كتابه المميز هكذا علمتني الحياة: «لولا الهجرة لما كانت دمشق وبغداد، وقرطبة والزهراء، ولولا الهجرة لما كان خلود العرب في التاريخ، ولولا الهجرة لما استيقظ الغرب بعد سباتٍ عميق»، فالهجرة هي المحور في كلّ ما بعدها.

هذه الصورة الرائعة لا تُظهر أهمية الهجرة النبوية فقط، بل تؤكد على ضرورة وجود الآليات والنظم القادرة على رفع الطاقة الإسلامية ورفدها بالمكونات التي تسمح لها بالنهضة لتحقيق قيامة المجتمع قبل الفرد، لذلك نجد أن حدث الهجرة، لم يكن حدثًا خارقًا للعادة، فما كان فيها من الخوارق ما جرى في ليلة الإسراء، من حيث الدابة التي نقلت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، أو الوقت التي استغرقته الرحلة من مكة إلى المدينة، أو لحاق المشركين به وبصاحبه الصديق رضي الله عنه.. فجميع تفاصيل هذه الرحلة تؤكد على ضرورة عدم التواكل وانتظار النصر السماوي من دون العمل، فهي نموذج للمضي قدمًا في سياق نهضوي متتابع.

الإسراء ورفع معيار القداسة

وفي مقابلها نجد أن الرحلة النبوية إلى القُدس كانت صورةً على الجانب الآخر، بما احتوته من الخوارق، فقد أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم على دابة البراق، وجمع رب العزة الأنبياء لرسولنا صلى الله عليه وسلم في المسجد الأقصى، ومن ثم عُرج به إلى السموات العلى، ما يدفعنا لمقارنة هذه الجزئيات في حدث الهجرة. ففي الإسراء كان النبي عليه الصلاة والسلام يمر في تطوافٍ يسلب الألباب ويرى ما لم يره غيره، وفيها من العظات والعبر الكثير، في مقابل الرحلة الأخرى التي تطلبت إعدادًا دءوبًا، لم تقف عند الانتقال المكاني من مكة المكرمة إلى طيبة، بل هو انتقال الدعوة قاطبة، والدخول في مرحلة أخرى من العمل والبناء، وبداية تأسيس الدولة، وبلورة الوجود الإسلامي كقوةٍ على الساحة الإقليمية للجزيرة العربية، ومن ثم استلام زمام الحضارة في العالم القديم.

لذلك نجد أن رحلة الإسراء إلى جانب كونها تسرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد ما لاقاه من كفار الطائف، وما كان في الإسراء من مشاهد جليلة، جاءت لرفد قدسية المكان ألا وهي مدينة القدس، وتعبئتها بالمعاني الإسلامية، لا أقول إن قدسيتها جاءت من الإسراء فقط، بل دفعت هذه الرحلة إلى تحقيق المزيد من القدسية والمكانة الوجدانية لها، فقد ازداد ارتباط المسلمين بها وجدانيًا، وبمسجدها الأقصى المبارك، فكان لزامًا أن تكون هذه الرحلة مليئة بصور الإعجاز والخوارق، لتكون قدسية المدينة ومكانة مسجدها جزءًا من الإيمان بغيبٍ لم نره.

وعودة إلى حدث الهجرة، وفي مقارنة الهجرة مع الإسراء والمعراج، نجد أن الأولى أُسس فيها المسجد كأول إطارٍ ديني يجمع تحت سقفه السياسة والإدارة والحكم وغيرها من متطلبات الحياة، عدا عن جمع الناس للصلاة وتلقي الأوامر النبوية العامة. أما في الإسراء، فكان موضع المسجد معروفًا، استلم فيه النبي صلى الله عليه وسلم زمام قيادة البشرية، وكان إمامًا لإخوانه من الأنبياء، ففي الحالتين شكل المسجد نقطة أساسية، الأولى لتكوين الإطار الجامع للأمة، بعيدًا عن القبيلة والعائلة وغيرها من العصبيات الجاهلية، وفي الثانية تم فيها تثبيت القداسة التي يتمتع بها الأقصى والقدس، وجعل هذه القداسة مثبتة بحضور حشدٍ من الأنبياء والرسل، وكأنها لعمري في إسقاط على الفهم الحديث، كأنه تسلم سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لزمام البشرية، ومقاليد الأمم السالفة من الأنبياء والرسل الذين التقاهم.

هذا الاستلام النبوي، ما كان له أن يُستكمل إلا بأمرين اثنين:

الأول: تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، وإطلاق العمل على توسعة رقعتها، وبداية إدخال الأقوام والأعراق الأخرى في الإسلام.

الثاني: ضمّ القُدس وفي القلب منها المسجد الأقصى إلى إطار هذه الدولة العظيمة، وهو ما جرى في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعد تمهيدٍ نبوي دقيق، لتنضم المدينة المقدسة الثالثة إلى أختيها مكة والمدينة المنورة، ويعود المسجد الثالث إلى الإسلام بعد إهمالٍ طويل.

أخيرًا، تظل أحداث الهجرة النبوية مليئة بالمعاني التي يُمكن للمرء أن يقتبس منها، وتظلّ إسقاطات السيرة على حياتنا كثيرة النفع، غزيرة الفوائد، ويظل للإسراء والهجرة عمقٌ وكنهٌ سيفتح لنا فيه في قادم الأيام معاني أخرى، ولكن هذين الحدثين، يؤكدان على ضرورة تكاتف هذه المدن الثلاث فيما بينها، كما أكدت حوادث التاريخ ضرورة تعاضد الشام ومصر لحماية فلسطين والقدس، وما هي إلا ذكرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد