كلمة السحر تعني في اللغة اليونانية (ماجيا) والتي تُشير إلى المراسم والطقوس التي يؤديها (الماجو) أو المجوس، الذين هم كهنة سحرة من الشرق، من (كلدو) وهي مملكة بابلية تقع جنوبي العراق. وقد وصفهم سوفوكليس بأنهم (كهنة متسولون محتالون)، وتصفهم المصادر بأنهم كانوا يشرفون على تقديم تضحيات من البشر والحيوانات ويسيطرون على أرواح الموتى ويشفون المرضى. وقد اتهموا فيما بعد بأنهم مسؤلون عن نقل عدوى السحر لليونان القديمة، كما انتشرت شائعات في العالم الروماني تروج بأن بعض كبار مفكري اليونان قد شدوا الرحال شرقًا كي يأخذوا العلم عن الماجوي.

وقد اشتقت كلمة المجوس بالأساس من الكلمة الفارسية (ماكوز)، وفي بلاد الإغريق كان لديهم مفردات أخرى لوصف السحر، فقد كان لفظ نيكومانتيشا (إستحضار الأرواح) مثلًا يعني التواصل مع الموتى لأغراض تنبُئية، ولفظ فارماكا يُستخدم «للتعاويذ وتحضير العقاقير والسموم التي يستخدمها المشعوذون أو الساحرات»، ولفظ جويتس تعني (المشعوذين) الذين كانوا خبراء في الخداع وإلقاء التعاويذ. فالساحر في لغة الإغريق واليونان هو: «كل من كان يظهر لهم موهوباً بالقدرة، خارج الطقوس الرسمية لدياناتهم القومية، على إحداث ظواهر تخرج على المجرى العادي للطبيعة: مفاتن، عرافة، قيافة، كهانة، تنبؤات».

أما هوبير ومارسيل موس فقد عرفا السحر في دراستهما المنشورة في مجلة (الحوليات السوسيولوجية) بعنوان: مقالة في النظرية العامة للسحر. بأن السحر هو «جملة من الطقوس السرية الخاصة الممنوعة، تمتاز عن الطقوس الدينية بكون الذبيحة ليست من شروطها الأساسية»، أو هو «كنظام استقراءات مسبقة يتم التوصل إليها تحت ضغط الحاجة». وبحسب هذا التعريف الأخير فإن السحر هو عبارة عن مجموعة من المعتقدات والممارسات تتولد عن حاجة التأثير على قوى غامضة ومجهولة ملازمة للطبيعة، يتم العمل على الإمساك بها وتسخيرها.

   وانطلاقًا من فرضية هيجل التي تقول بأن عصرًا ساد فيه السحر قد سبق عصر الدين في تاريخ الحضارة الإنسانية، قام السير جيمس فريزر بصياغة نظريته المعروفة حول أصل الدين وعلاقته بالسحر مفترضاً أنه قد مر على الإنسان عهد ظن فيه أن بمقدوره التحكم في الطبيعة من خلال طقوس وتعاويذ سحرية، وعندما اكتشف بعد فترة طويلة أن هذه الوسائل لا تجدي نفعاً في تحقيق غاياتها، تصور أن الطبيعة خاضعة تحت سلطان شخصيات روحانية فائقة القوة فتحول إلى عبادة هذه الشخصيات واستعطافها واسترضائها بالأضاحي والقرابين لتساعده في تلبية حاجاته، وبذلك ظهر الدين مكان السحر وحل كاهن المعبد محل ساحر القبيلة.

ويقول فريزر في كتابه (الغصن الذهبي): «إذا كان عصر السحر قد سبق عصر الدين في كل مكان، كما أغامر في الحدس، من الطبيعي أن نسأل عن الأسباب التي قادت الإنسانية جمعاء وليس جزءاً منها إلى نقل مبدأي الإيمان والممارسة من السحر إلى الدين. وعندما نفكر مليًا بتنوع وتعقيد الحقائق المطلوب شرحها وضآلة المعلومات التي تخدم ذلك الشرح نصبح شبه يائسين من إيجاد حل مقنع لهذه المسألة العويصة وأن كل ما يمكن أن نفعله في حدود معرفتنا في الوقت الحاضر هو وضع تخمين معقول»، « هنا أقترح (…) أن الإدراك البطيء للزيف والعقم الموروثين للسحر جعلا المفكرين من الناس يبحثون عن نظرية أصح للطبيعة ومنهجًا أكثر نفعًا يأخذ موارده بالحسبان (…) لابد من وجود كائنات – مثله، لكنها أقوى بكثير وغير مرئية- تدير مسلسل الأحداث الذي كان يعتمد يومًا على سحره الخاص»، «تلك القوى إذن هي التي كانت تنشئ الرياح العاتية وتجعل البرق يومض والرعد يهدر وتجعل للأرض رواسي وللبحر حدودًا كي لا تهرب مياهه، وهي التي تجعل تلك المصابيح البهية تشع في السماء، وتمنح طيور السماء لحماً تأكله وتقدم لوحوش البرية فريستها (…) وهي التي تنفخ في أنف الإنسان فتجعله يحيا، أو ربما تؤدي به إلى الهلاك من المجاعة والوباء والحروب»، «لتلك القوى الجبارة التي رسمت الطبيعة البهية والأخاذة قدم الإنسان اعترافًا متواضعًا يعلن فيه اتكاله على قوتها غير المرئية ويتوسل إليها الرحمة أن تفرش طريقه بكل ما يحتاجه، وأن تحميه من أخطار الحياة الزائلة والمسيرة بكل ما فيها، وأخيرًا أن ترسل روحه الأبدية محررةً من أثقال جسدها إلى عالم أكثر سعادة خاليًا من الألم والأسى حيث يمكنه أن يرتاح مع أرواح الطيبين بسعادة وهناء أبديين».

إن الفرضية التي وضعها فريزر حول أصل الدين هي نابعة لفهمه الخاص لما هو ديني، فلقد أوضح منذ البداية أنه لا يرى دينًا إلا عندما يرى طقوسًا تتوسل إلى كائنات روحية فوق طبيعانية تتحكم في مظاهر الطبيعة، وقد قاد ذلك بـمارسيل موس، ومن بعده فراس السواح، إلى القول بأن الدين لم ينشأ عن السحر «لأنه لا فرق بين السحر والدين عند منابت وجذور الثقافة الإنسانية، وليس الذي يدعوه فريزر سحرًا إلا شكلًا أصلياً وأوليًا من أشكال الدين، سابقًا على ظهور الشخصيات الإلهية في المعتقدات الدينية للإنسان». وعليه لا يمكن عمل فاصل حاسم بين الدين والسحر في المجتمعات البدائية، فكلاهما يعتمد على الاعتقاد في وجود قوى علوية وما السحر إلا شكل أولي من أشكال الدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- أوين ديفيز: السحر: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة: رحاب صلاح الدين، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة- القاهرة، 2014م.
2- أندريه لالاند: موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الثاني، تعريب: خليل أحمد خليل، ط2، منشورات عويدات- بيروت، 2001م.
3- بيار بونت و ميشال أيزار: معجم الأثنولوجيا والأنتربولوجيا، ترجمة: د. مصباح الصمد، ط2، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- بيروت، 2011م.
4- باور أحمد: فلسفة الدين (دراسة حول المفهوم)، دار الشروق للنشر والتوزيع- عمان، 2017م.
5- فريدريك هيجل: الأعمال الكاملة (محاضرات فلسفة الدين)، ح3، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، مكتبة دار الكلمة- القاهرة، 2001م.
6- سير جيمس فريزر: الغصن الذهبي (دراسة في السحر والدين)، ترجمة: نايف الخوص، دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع- دمشق، 2014م.
7- فراس السواح: دين الإنسان (بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني)، ط4، دار علاء الدين- دمشق، 2002م.
عرض التعليقات
تحميل المزيد