تحل علينا من آن لآخر تفسيرات وإجابات جديدة للسؤال الوجودي الأبرز في حياتنا كمسلمين: هل الإنسان مُسير أم مُخير؟ وهل يمكن أن يكون كليهما؟ ربما يصبح هذا السؤال الأصعب في المناظرات المختلفة. ولا يزال المسلمون حتى وقتنا هذا يتفننون في إيجاد تفسير أو إجابة لمثل هذه الأسئلة. فتارة يتفلسفون وتارة يؤولون، وكل هذه الأطروحات تمثل في الواقع اجتهادات وعناء كبيرين بُذلا على مر عصور عدة لأجل حل هذا اللغز.

يقف كل منا على أرض صلبة عندما يتعلق الأمر بالسؤال عن إرادته الشخصية. فالإنسان يعتقد بأن عقله وأعضاءه المسئولة عن التفكير واتخاذ القرارات موجودة بداخل جسده، وبالتالي عندما لا يتعرض لأي نوع من التهديدات أو الإجبار أو ما شابه، كيف له أن يتصور أنه بالرغم من الحرية التامة لاختيار خيار ما من بين اختيارات متاحة أنه أيضًا مسير لاختيار خيار معين. هذا التعارض أو التضاد ما بين أن الإنسان مسير أو مخير يمثل مسألة عقائدية بحتة قد يذهب فيها العامة للإيمان أكثر بأنهم مخيرون فقط كون أنهم لا يستشعرون بأي نوع من الضغوط غير المنطقية لتوجيههم صوب مبدأ أو اختيار معين.

يهتم علم النفس الإدراكي بدراسة تأثير أجزاء الجهاز العصبي والمخ على الحالة النفسية للإنسان، ومن ثم سلوكه وأفعاله. فهي تهدف إلى تفسير العلاقة التبادلية بين النفس الإنسانية في سلوكها وأفعالها وبين ما يحدث بداخل جسم الإنسان نفسه.

في منتصف القرن الماضي، قدم العالم الشهير د.هربرت سيمون (1916-2001) للبشرية ما يُعرف باسم bounded rationality. يمتلك الإنسان مساحة دماغية محدودة جدًا لا تؤهله لتحليل قدر كبيرمن المعلومات معًا في آن واحد كما أن العقل البشري يميل لعمل اختصارات shortcuts لتفادي تطويل وقت التفكير والخروج بأسرع وسيلة من معالجة المعلومات في الدماغ بأي استنتاج ممكن. هذه الاختصارات قد لا تؤهله في بعض الأحيان إلى اختيار خيارات منطقية. مثلت هذه الأطروحة تحليل منطقي للتعارض ما بين الواقع العملي وما كانت تنص عليه النظريات الكلاسيكية لاتخاذ القرارات آنذاك، والتي كانت تنص على أن الإنسان عندما يتقدم لاختيار خيار معين من بين اختيارات عدة، فإنه يقوم بالمقارنة بينهم، ومن ثم ينتخب الاختيار الذي يحقق أعلى منفعة أو عائد ممكن. وانتفت هذه النظريات إلى حد كبير مع تقديم د. هربرت أبحاثه الشهيرة التي فسرت ميول الإنسان لاختيار خيارات لا تحقق المنفعة القصوى له.

وفقًا لأبحاث د.هربرت، فإن العقل البشري يتبع خوارزمية أو قواعد معينة لمعالجة البيانات بداخله تسمى heuristics. وتشكل هذه القواعد التسلسل الذي يتبعه المخ في إيجاد اختصارات، والخروج باستنتاج أو قرارات. هذه القواعد لا تكفل دائمًا نهاية واستنتاج منطقي كون أن الاختصارات التي يحاول العقل اتباعها قد لا تكفل له اختيارات منطقية دائمًا، فعادة تميل هذه الاختصارات لإحداث انحرافات غير منطقية، فمعالجة الإنسان لأفكاره، ومن ثم تؤثر على قراراته وسلوكه ككل. على سبيل المثال عادة ما يتبع الإنسان ما يُعرف باسم Availability Heuristics للحكم على نسبة حدوث الأشياء أو الظواهر المختلفة من خلال مدى حدوثها بالقرب منه بدلًا من الاعتماد على إحصاءات حقيقية، فعلى سبيل المثال قد يذهب المرء للاعتقاد بأن نسبة الطلاق في مصر في ازدياد مستمر بناء على تكرار حالات الطلاق في محيط معارفه الشخصية فقط، وهي بالطبع استنتاج خاطئ؛ كون أن معارفك الشخصية لا تمثل عينة عشوائية يمكن من خلالها إصدار بيانات أو أحكام بهذا الشكل. مثل هذه الأحكام تدخل في الحيز الدماغي المحدود، وتتسبب في توجيهك لاختيار خيارات معينة بمحض إرادتك الكاملة!

هناك مثال آخر للأخطاء التي يقع فيها العقل البشري أثناء معالجة البيانات، وهو ما يعرف باسم Simulation Heuristics،  وهي اتجاه العقل للتعامل مع جزء من المعلومات التي يستطيع تخيلها وفهمها فقط وإهمال الجزء الأخر. في هذه اللحظة يحاول العقل تجاهل المعلومات التي لا يستوعبها ولا يستطيع تخيلها ويحاول إيجاد shortcut أو اختصار خلال المعلومات السهلة نسبيًا، وهو ما قد يؤدي به في النهاية إلى انحرافات منطقية كأن يذهب أحدهم إلى العمل في مجال لا خبرة له به كالعمل السياسي مثلًا، وهناك قد لا يتعامل مع الاستشارات المختلفة من ذويه بموضوعية كون أن إدراك خبايا العمل الجديد شيء صعب على ذوي الخبرة القليلة في هذا العمل، وحينها قد يحكم بالسجية أو بالمعلومات السهلة بدون عمق.

مثل هذه الأخطاء تعرف باسم cognitive bias وهي انحرافات عن الخيارات أو الأحكام المنطقية التي يفترض للإنسان اتخاذها أو الإيمان والاعتقاد بها. يمكنك عزيزي القارئ الاطلاع على جميع الـ heuristics التي وصل إليها الباحثون حتى الوقت الراهن. جل هذه القواعد في إصدار الأحكام، وبالتالي اتخاذ القرارت تخضع للبيئة التي تحيط بالإنسان نفسه أي أن ميول الإنسان لاختيار خيار معين من بين الاختيارات المتاحة يعتمد في الأساس على heuristics معينة، وكذلك خبرات من تجارب سابقة ساهمت فيها الـheuristics ذاتها أيضًا. ويمثل هذا السيل الممتد للخبرات والتجارب المتعاقبة تأثير واضح على الإنسان في إصدار أحكام جديدة، وبالتالي اتخاذ قرارات مختلفة. ومن هنا وبالرغم من امتلاك الإنسان لحرية كاملة في اختيار أي من الخيارات المتاحة أمامه، إلا أنه في الأساس يمكن تسييره لاختيار خيار معين عن طريق التحكم في خبراته السابقة وكيفية تعرضه لمؤثر معين في الوقت الحالي، فيتحرك بشكل إرادي بحت لاختيار خيار ما مقصود. ربما هذا ما لا تستطيع القيام به إلى المشيئة الإلهية وحسب.

الرضا بالقدر والنطق بقدر الله وما شاء فعل، والرضا بها قولًا وفعلًا، هي واحدة من أبرز نتائج الرضا بتسيير الله لنا في أمورنا المختلفة كي نتعرض لتجارب معينة لحكمة يعلمها. فعلى المرء أن يحاول دائمًا التعلم من الأخطاء والسقطات المختلفة، لكنه في نفس الوقت ينبغي عليه ألا يندم على أخطائه؛ كونه قد سييُر لها بتدبير إلهي بحت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد