فالدر وهو أجل شيء يقتنى *** ما حط قيمته هوان الغائص

إنه يعاقر الخمر، يمارس الخلاعة، بل إنه يدمن المخدرات. إن أمسكت أنا عن الحديث وتركت لك سيدي القارئ استنباط الشخصية التي يمكنها فعل ذلك، فماذا سيدور في خلدك؟ من يقترف هذه الموبقات الاجتماعية هو الغني ذو المال أو الجاه. اعذرني سيدي القارئ فليس الأمر كما رسمته قوتك المتخيلة. هل فكرت كون المقارف لهذه المخازي فقيرًا لا يملك مالًا لا يملك جاهًا؟

بما سبق فنحن ندفع لسبر غور النفس البشرية. هذا الجسد بهذه الروح قد يشكلان معًا ملاكًا طيب القلب عالي الهمة وقد يرسمان حيوانًا أعجم. النفس البشرية أصلها واحد فهي بطبيعتها ميالة نحو الشهوات ميالة دائمًا نحو ما فيه هلكتها! لا تميز النفس البشرية كونها في حالة غنى أو فقر. فمعاقر المخدرات لا يعرف واقعه، هو فقط يهوى المخدرات وعليه فهو يفعل أي شيء للحصول على مخدراته.

الفساد الأخلاقي لا يعرف طبقة اجتماعية دون أخرى كذا فهو لا ينتشر باتساع في واحدة وبمحدودية في أخرى فانتشار النهم الجنسي في الطبقات العليا كحاله في الطبقات الدنيا لكن كلًّا يؤديه بطريقته. خلق الإنسان وبين جنبيه عدو لدود يستهوي إهلاكه، كما خلق بين جنبيه عزيمة وإرادة لإلجام هذا العدو وإلزامه حده والناس تتفاوت في عزائمها قوة وضعفًا، تتفاوت في قدرتها على إعلاء صوت الفطرة أو إسكاته، وإذكاء نور الفطرة أو إخماده.

لعلك تتساءل الآن سيدي القارئ ما علاقة هذا بعنوان المقالة «بين الأسياد والعبيد»؟ سأتركك تتساءل ثم أسألك من الأسياد ومن العبيد؟ قديمًا عند آبائنا وأجدادنا هاتان الصفتان. فعبد المطلب بن هاشم كان سيدًا من السادات كذا كان عبد الرحمن بن عوف في الوقت ذاته الذي كان فيه بلال بن رباح عبدًا من العبيد.

كان السيد سيدًا بنسبه وماله وهمته وعزمه وأما العبد فهو عبد لتناول الأيدي إياه بالبيع والشراء. وجاء الإسلام فاستحدث فلسفة وجودية لهذا العالم ولزم استحداث معنى للسيادة والعبودية. نجحت الفلسفة الجديدة في القضاء على المعنى الجاهلي لكلا المصطلحين وإن لم يتم لها ذلك بين عشية وضحاها نما استمر ذلك حتى أواخر دولة بني عثمان. لكن على كل فإن المعنى الجديد المستحدث صار جنبًا إلى جنب مع المعنى الجاهلي. ولعلك تتساءل ما هو المعنى الجديد لكلا المصطلحين؟!

كن ابن شئت واكتسب أدبًا *** تعش مرفوعًا به عن النسب

تمعن البيت وروّ النظر فيه لتستشف المعنى الجديد. يحكى أن رجلًا تكلم بين يدي الخليفة المأمون: فأحسن. فقال له المأمون: ابن من أنت؟ فقال: ابن الأدب يا أمير المؤمنين، فقال المأمون: نعم النسب. البيت السابق صنع في عهد استتباب وتمكن الفلسفة الجديدة من عقول وقلوب أتباعها ولك أن تنظر هذا البيت أيضًا:

ليس الفتى من يقول كان أبي *** إنما الفتى من يقول ها أنا ذا

فانقلبت المفاهيم الجاهلية إلى مفاهيم جديدة تغذي روح الحضارة التي يصبو إليها المجتمع قيادة وشعبًا. الحقيقة أن لهذا المعنى أصلًا جاهليًا فقديمًا انتشر على لسان العرب قولتهم «إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه». بمرور الزمن استقر في وجدان المجتمع أن المرء من حيث يثبت لا من حيث ينبت وعليه فاخرت حضارتهم حضارات الأرض وتغلبت عليها وأصبح لسان حالها فاخرت حتى لم أجد من أفاخر.

انقضت حضارة العرب إثر جمود بنيها عن الإتيان بجديد وبدأت في الظهور حضارة الغرب والتي نشأت في جو مشابه لحضارة العرب. حيث نشأت بين البارونات وما أسموهم بالغوغائيين ومر الزمن وظهرت حركات التحرر وتجديد روح المجتمع حتى غدا حالهم كحال العرب في أوج حضارتهم ووجودهم. لكن هل اختفت السيادة والعبودية ونحن في القرن الحادي والعشرين؟! إن العبودية بمعناها القديم المظلم انمحت ولم تعد أسواق النخاسة قائمة كحالها قديمًا مجاورةً أسواق البضائع (الأطعمة، الأشربة، المنسوجات… إلخ). نكرر تساؤلنا: هل اختفت السيادة والعبودية؟!

إن السيادة والعبودية عرضان ملازمان للمجتمع البشري لا اختفاء لهما إلا باختفاء البشر. ففي العصر الحديث يتوراى الكثير من العبيد خلف ما يسمى الوظيفة. من أين نشأ أو ينشأ التمايز؟ هذا ما سنتابعه في المقالة القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد