يعيش شبابنا اليوم في استبداد فكري وجسدي من الحاكم والنفس، فهل نتحرر؟ ففهم الدين والعلم وسيلتان قويتان راجحتان لمحو نور الاستبداد في المجتمعات المظلمة، ومن هنا نبدأ.

أفكار الاستبداد

ترسخ في عقل الحاكم المستبد مبدأ نمرود وفكرة فرعون، بمنهجهما واختلاف الزمان والمكان والعرف والزي والوسيلة التي يجد فيها العوام معبودهم وطاغوتهم وجبارهم وملكهم مشتركين في كثير من الحالات والصفات والأسماء الإلهية.

قال الله عز وجل: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 258» «البقرة»

نرى مجادلة نمرود إبراهيم -عليه السلام- بألوهيته واستطاعته قتل من يريد من رعيته متى شاء وبدون أسباب وتكلف، وبذلك له القدرة على القتل والإحياء، فلما أحرجه وأبهته بإتيان الشمس من المغرب لأن مطلب إبراهيم -عليه السلام – فوق القدرة النمرودية الناقصة، وأخرى.

قال الله عز وجل: «وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ38». «القصص»

وفرعون إله آخر في زمن آخر، استعبد الناس عن طريق نبلائه من السحرة الذين يرهبون الناس بما يفعلون، فوجهوا له كمال الطاعة والحمد والثناء والدعاء والتصديق، فلما حاجهُ موسى بالعصا والثعبان المأمورين من صاحب القدرة الكاملة للتغلب على قدرة فرعون الناقصة يوم الزينة أمام عبيده الذين يشهدون إلههم خاسر باهت.

وقال عز وجل: «قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى» فآمن البعض بإله موسى والبقية خائفة من التقتيل والتقطيع والصلب. وقال «فألقى السحرة سجدًا قالوا آمنا برب هارون وموسى».

العقل والدين:

في روما القديمة طائفة سرية يتعبدون في الكهوف والمغارات ويتصلون بعضهم ببعض بشكل خفي لا يفهمه أحد، ومن اكتشف أمره يصبح فريسة للتنكيل والبطش والتعذيب. إلى أن تحول قسطنطين روما إلى المسيحية الخفية التي أصبحت معلنة وصريحة وشرف كبير لمن يعتنقها. والصلاة والشعائر في الكنائس التي زادت ونمت سلطتها بصورة فائقة، وخرجت من الدائرة الإيمانية الشعائرية لتشمل جميع أمور الحياة الإنسانية وأصبح كل شيء تحت شجرة الإيمان المزروعة داخل الكنيسة، وزارعوها وحاصدوها البابوات والقساوسة بائعو صكوك الغفران والمحبة يستطيعون إدخال الناس الجنة وإخراجهم من النار، وانتهى وصودر العلم والفلسفة اليونانية، وأحرق العلماء والمؤلفون مع كتبهم، والتراث الإسلامي والمعرفي السابق والحالي المتمثل في الكنيسة، وهي المجمع الإيماني والتشريعي الذي يصدر القوانين والصحي الذي يعالج الناس، والمعرفي الذي يعلم الناس بالقوة الدينية الاستبدادية التعصبية التي ظلت تحكم أوروبا بأكملها حتى الانتهاء من عصورها الوسطى.

وجاء دور العلم لينتقم من الكنيسة ويقصيها من الحياة وينفي كل ما كانت تمثله من دين وقيم وأمور تحكم الحياة، وصار العقل هو الإله المعبود، والعلم هو الدين الجديد، والحقيقة أن المعلم هو العقل والمعبود هو الله، والدين هو الاسلام الذي جاء مهذبًا لليهودية والنصرانية أو الثيوقراطية بمفهومها السياسي محكمًا قواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الإفراط والتفريط، فأسس التوحيد ونزع كل سلطة دينية تتحكم في النفوس والأجساد ووضع شريعة حاكمة لكل زمان ومكان، وأوجد حكومة مثالية كحكومة محمد «صلى الله عليه وسلم» ومن بعده خلفائه الراشدين.

فالعقل والدين الاستبدادي لا يلتقيان معًا في وقت واحد. بل لهما علاقة تشابه «المرء على دين خليله» بين اضطهاد الكنيسة للعقل وانتقام العقل من الكنيسة وسلب كل حقوقها.

جاء الإسلام فجعل العقل واحدًا من إحدى مقاصده الخمس؛ فمكانة العقل الرفيعة في الشريعة معرفة الله عز وجل وتوحيده عن طريق النظر في النفس وفيما حولها، معددًا آيات الله في الكون التي لا تصح أن تكون موجودة بلا واجد لها، أو مخلوقة بلا خالق لها، ولا تكليف بغير عقل.

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم يسومونكم سوء العذاب» رواه الترمذي.

والاجتهاد العقلي أهم مصادر التشريع بعد القرآن والسنة النبوية والعقل سبيلنا لمعرفة الصواب من الخطأ، وطريقنا إلى تنفيذ الأمر الإلهي في التعرف على سنة الله في خلقه، ونجد مطابقة كتاب الله -عز وجل- بكتاب الكون من علوم طبيعية وكيميائية وفلك ونبات وحيوان وماء وتاريخ وجغرافيا وجيولوجيا وغير ذلك، دين عقلي وسطي بين مسيحية متعصبة ويهودية محرفة. فاستخدام العقل لفهم الدين شيء ضروري ومهم، كما أن استخدام الدين لخدمة المستبد في بقائه وتجبره وطغيانه على رعيته بافتاء شرعي من شيخ أو دار فتوى أو مؤسسة دينية وحفظ ماء وجهه وإرضاء ضميره وزيادة ظلمه لرعيته المطيعة.

وبلدان الفكر الشيوعي مثال صريح وواضح للاستبداد يتناوله المؤرخون. روسيا وثورتها على قيصرها الحاكم الذي يبيع ويسخر طبقات الشعب الكادحة «البروليتاريا» من الفلاحين والعمال لخدمته هو ونبلائه. فقامت الثورة بفكرة حقوقهم المسخرة لغيرهم. فأصبحت في أربعينات القرن الماضي في العهد الستاليني دولة ديكتاتورية تقمع العمال والفلاحين والمعارضين وكما ذكر «جورج أورويل» في روايته «مزرعة الحيوان»

والثورة على الحاكم الجمهوري الآسيوي بقيادة «ماو» متخذًا فكرة الحقوق والكرامة ذاتها للفلاحين والفقراء، وكاسترو راعي الفكرة في كوبا.

والأمثلة كثيرة والسيناريوهات متشابهة في تقييد الحريات وطرد المعارضة ونفيها ومنع العلوم والفكر المناهض لفكرة الحاكم ونظامه وحجب الإعلام وقطع التواصل الاجتماعي وثقافات وأفكار. فالفكرة موجودة وراسخة داخل أنظمة شعوب العالم الثاني، الذي يرعى الاستبداد، ولكن بطريقة أخرى قد تتشابه نسبيًا مع العالم الأول.

فيتصادق ويتكاتف ويتماشى الاستبداد السياسي مع الجهل، ويتجاذب ويتنافر ويتفكك مع العلم في أي نظام مجتمعي سليم، فإذا صلح وانتشر العلم والعلماء فيه فسد وقل الاستبداد والعكس صحيح تناسبيًا، لأن من أبسط العلوم معرفة الإنسان أنه خلق حرًا كريمًا له حقوق وواجبات ولا حق لمخلوق مثله في تقييد حريته وإهانة كرامته وسلب حقوقه وسرقتها باسم الدين أو الحكم، وله كامل الحرية في اختيار ملته وثقافته وتوجهه وحاكمه.

بينما الجهل هو أكبر خدمة يقدمها الرعية للحاكم المستبد، الذي يحاول إبقاء تلك الخدمة التي تقدم له وتنميتها بسبل ووسائل شتى، بدس أخلاق وعادات وأعراف وتشريع قوانين وأحكام وزرع أفكار ومعتقدات، وتقديم كل ذلك في وجبة مخدرة شهية مخدرة لعقول الرعية ونفوسهم، ويغيبون عن الوعي عشر سنوات في أحلام الشهوات والرغبات والأفكار الفاسدة في عقولهم التي تستميت دفاعًا عن المستبد في بقائه واستعباده لهم.

ففهم الدين والعلم وسيلتان قويتان راجحتان لمحو نور الاستبداد في المجتمعات المظلمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عبد الرحمن الكوكبي ف كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الإستعباد
عرض التعليقات
تحميل المزيد