أثارت سلسة مقالات للصحفي ومقدم البرامج بقناة الجزيرة الفضائية أحمد منصور، نشرت مؤخرًا عن فترة حكم الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مصري منتخب، كثيرًا من اللغط والجدل والتساؤلات، وكثير من الانتقادات لقوامها ومحتواها، ولا سيما توقيتها.
أحمد منصور وصف مرسي في مضمون مقالاته هذه بالفشل، والضعف، والتفريط، وعدم تحمل المسؤولية، ولا شك أن ما دعا أحمد منصور لتدبيج هذه المقالات في هذا الوقت بالذات هو نجاح أردوغان في وأد وإجهاض الانقلاب الذي قام ضده مؤخرًا بكل قوة وحزم، مسنودًا بالدعم الشعبي الكبير الذي وجده من معظم المواطنين الأتراك في نجاح يحسد عليه، بصراحة.
يبدو أن إفشال أردوغان لهذا الانقلاب قد خلف غصةً في حلوق كثير من المصريين، وأحمد منصور منهم بالطبع؛ فجعل الكثيرين يتحسرون على ديمقراطيتهم الضائعة، ورأى أحمد منصور أن يحمل مرسي ضمنيًّا كامل وزر التفريط في حلم الديمقراطية المصري. ووجدت مقالاته هذه صدى كبير بطبيعة الحال، فهو يملك صوتًا مسموعًا في وسائط الإعلام بتعدد ضروبها. ولكن أحمد منصور رغم احترامنا لوجهة نظره هذه إلا أنه قد تحامل على مرسي كثيرًا، وحمله وزرًا لا ينبغي أن يتحمله وحيدًا، ويبدو أن دافعه لكتابة المقالات كما ذكرنا آنفًا هو ما حدث في تركيا، ولكن مقارنة حالة مرسي بحالة أردوغان هي مقارنة لا تجوز ولا تستقيم بأي حال من الأحوال، لعدم توفر نفس الظروف، وعدم تساوي جميع العوامل؛ مما يجعل نتيجة المقارنة في النهاية غير صالحة، وغير عادلة بالمرة.

قبل البداية: سؤال: هل كان مرسي رئيسًا فاشلًا؟

حكم مرسي مصر سنة و3 أيام فقط، وخلال هذه المدة عرفت مصر استقرارًا غير مسبوق في الخدمات الأساسية التي تمس المواطن الفقير، الذي هو غالبية سكان مصر، حيث توفر الرغيف بأسعار في المتناول، وكذلك الغاز، واستقر إمداد الكهرباء، وشهد الشارع المصري أيضًا أمنًا نسبيًّا لا ينكر. الحكم على نجاح مرسي كحاكم رغم قصر مدته التي تقلد فيها الرئاسة أمر صعب نوعًا ما، ولكن يصير الحكم بنجاحه سهلًا جدًّا لو رأينا ما صارت عليه مصر حاليًا بعد انقلاب السيسي، وما آل إليه حال الاقتصاد المصري من تردي مريع ومزري، تمثل في زيادة التضخم والدين الخارجي، وإضعاف العملة، وانهيار السياحة، وزيادة أسعار السلع الأساسية بصورة مخيفة؛ مما يظهر فرقًا واضحًا بين الأوضاع في عهد مرسي، وما بعد عهد مرسي.

وفيما يلي دراسة مبسطة لحالتي «مرسي- مصر» و«أردوغان- تركيا» للتأكيد على أن المقارنة بينهما لا تستقيم على أي وجه لعدم تساوي العوامل المؤثرة، وعدم تطابق الظروف والملابسات بين الحالتين:

أولًا: عامل مدة الحكم:

مرسي حكم مصر لمدة قصيرة جدًّا كانت بالضبط عام وثلاثة أيام، وهو قد جاء إلى الحكم بعد فترة حكم ديكتاتوري عسكري، بدأ منذ الخمسينات حتى موعد الثورة المصرية، وهذا الحكم كان عبر مؤسسة واحدة تغلغلت في مفاصل الدولة المصرية، طوال هذه المدة الطويلة وغرزت جذورها عميقًا في تربة الدواوين، والمؤسسات الحكومية المصرية، بشكل يستحيل معه اقتلاع هذه الجذور كاملة، واستئصال شأفتها في فترة قصيرة جدًّا، كالتي حكم مرسي فيها مصر. رغم أن التاريخ يشهد للرجل شروعه في ذلك بقراراته التي تضمنت إعفاء الكثير من العسكر وضباط الداخلية وعناصر القضاء الذين يشك في ولائهم للثورة، ولكن هذا الزمن الوجيز لم يسعفه بطبيعة الحال.

وفي المقابل:

حكم أردوغان وحزبه تركيا مدة لا تقارن بأي منطق، ولا مسوغ مع مدة حكم مرسي القصيرة جدًّا.

فأردوغان الذي عانى كمرسي أيضًا من مؤسسة عسكرية قوية تستمد قوتها من الدستور التركي، الذي يعطيها سلطات بالغة الاستقلالية، ويخولها عمل كل ما تراه مناسبًا لحماية علمانية تركيا المهددة دائمًا بطبيعة الحال بالمرجعية الإسلامية لأردوغان وحزبه، الذي لولا ديمقراطية تركيا لما جلسوا يومًا واحدًا في الحكم. أردوغان هذا حكم تركيا في منصب رئيس الوزراء أكثر من أحد عشر عامًا، ابتداءً من مارس 2003 حتى أغسطس 2014، أعقبها بجلوسه على مكتب الرئيس منذ أغسطس 2014 حتى هذه اللحظة فيما يقارب العامين؛ مما يجعل فترة حكمه تركيا في مجموعها 13 عامًا.
13 عامًا قضاها أردوغان في سعي دائب لتقويض سلطة الجيش على الدولة التركية، لمعرفته بنواياه وقوة نفوذه، وقضاها أيضًا في تخطيط حثيث لزرع أتباعه ومن يوالونه في المناصب الحساسة في الجيش، كرئاسة الأركان، وقيادة القوات الجوية، وكذلك في الشرطة والمخابرات.
فترة طويلة جدًّا قضاها أردوغان في قمة الهرم، سواء كرئيس وزراء، أو كرئيس دولة يسرت له بسط يده على مفاتيح الدولة، وجعلت له نفوذًا نسبيًّا في الجيش.

وهو ما لم يتيسر لمرسي بسبب مدته القصيرة، وكلنا رأينا كيف أن أردوغان رغم هذه المدة الطويلة لم يستطع السيطرة الكاملة على الجيش، بدليل هذه المحاولة الانقلابية التي كادت أن تنجح، لولا لطف الله وعوامل مادية أخرى. ولكن في نهاية الأمر قام انقلاب حقيقي بعد كل هذا النفوذ والسلطة الطويلة لأردوغان وحزبه.
فلا يستقيم عقلًا ولا منطقًا أن ينجح مرسي في السيطرة في عام واحد فقط على مؤسسة عمرها بعمر الدولة المصرية، منذ استقلالها من الحكم الملكي، فهو لا يملك عصا موسى ولا جنود سليمان.

ثانيًا: عامل الشعب

الشعب التركي يختلف تمامًا من ناحية النضج والوعي الديمقراطي عن الشعب المصري، فالشعب التركي شعب متحضر يقدس الديمقراطية بطبيعة وجوده الجغرافي في أوروبا، ويدرك مآلات التفريط في الحكم الديمقراطي، أما الشعب المصري فهو شعب تربى خلال عقود على الديكتاتورية، وحكم الجيش ورموز العسكر، يظهر هذا جليًّا في كافة رؤساء الدولة المصرية منذ الاستقلال حتى قيام الثورة المصرية، الذين جاءوا جميعًا من رحم المؤسسة العسكرية.
لذلك فتصرف الشعب التركي حيال الانقلاب كان مختلفًا بطبيعة الحال عن تصرف الشعب المصري؛ حيث كان الرفض الشعبي للانقلاب واضحًا للعيان، ترجم بخروج جماعي، ومرابطة جسورة من الشعب ككل في شوارع العاصمة التركية، مما كان أحد الأسباب الرئيسة لفشل الانقلاب.
وفي المقابل كان ردة فعل الشعب المصري الرافضة للانقلاب مقتصرة على المنتمين للحزب الحاكم والمتعاطفين معهم، في حين تنوعت مواقف غالبية الشعب المصري بين مؤيد للانقلاب تشفيًا وكيدًا، وبين من آثر الصمت والسلامة في حماقة وسلبية على الترتيب تبينان الفرق بين الشعبين كعامل مهم ورئيسي في نجاح، أو فشل الانقلابين.

ثالثًا: عامل المعارضة

المعارضة التركية ضربت أروع الأمثلة في الحفاظ على المبادئ، وإظهار شرف الخصومة؛ حيث رفض جميع قادتها دون استثناء الانقلاب، ووصفوه بالسقطة والخطوة إلى الوراء. في حين كانت المعارضة المصرية في حالة تشفي وشماتة في مرسي، نتيجة الهزيمة التي نالوها من حزبه في الانتخابات، وكانت جميع مواقفهم من الانقلاب سلبية بل كيدية، ومؤيدة؛ مما جعل للانقلاب شرعية مضمنة، وحافزًا للاستمرار.

رابعًا: عامل الجيش الانقلابي

في مصر خرج من الشعب من أرادوا أن يدافعوا عن شرعية مرسي، وعن مشروع مصر الديمقراطي فسحقهم الجيش دون هوادة، ودون أن يطرف له جفن، وقتل الألوف منهم في مذبحة ميدان رابعة، وتواطأ معه إعلامه والمعارضة الكيدية في تسويغ ذلك وتهوينه. وهذا أخاف من تبقي من الشعب ممن كان في الحياد، فانحاز خوفًا وقسرًا إلى الانقلاب.
وفي تركيا كان الجزء المنقلب من الجيش أكثر أخلاقية نوعًا ما بالمقارنة بجيش مصر، فهو لم يرتكب مذبحة ليخيف الشعب ولو فعلها، ربما كان سينجح وكلنا شاهدنا كيف رقد الأتراك تحت الدبابات، ولم يجرؤ أحد على سحقهم، وكلنا شاهدنا كيف اعتقل الشعب بعض العساكر، بل وضربهم وأدماهم.
إذًا فهذا عامل آخر تختلف فيه حالة انقلاب مصر عن انقلاب تركيا.

الخلاصة:

من الظلم الحكم بفشل مرسي وضعفه نتيجة لمقارنة غير عادلة بينه وبين حالة أردوغان، اعتمادًا على العوامل أعلاه المقارنة بين تركيا ومصر، مرسي وأروغان لا تجوز ولا تستقيم، وهي مقارنة غير صالحة قطعًا.

خاتمة:

رغم حنكة أردوغان، وفترة حكمه الطويلة، وتنفذه في الجيش والمخابرات، إلا أن انقلابًا قام ولم يعلم به أردوغان إلا بعد وقوعه، ولولا لطف الله وعوامل مادية أخرى لنجح الانقلاب. ولو حدث ذلك لكنا قرأنا مقالات من نوع آخر عن أردوغان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد