محمد علي باشا الملقب بـ”عزيز مصر” يطلق عليه المؤرخون لقب “مؤسس مصر الحديثة” التي حكمها لأكثر من أربعين سنة (1805 – 1848)، وميجي تينٌو إمبراطور اليابان رقم 122 حسب ترتيب الحكم التقليدي هو المؤسس الحقيقي لنهضة اليابان التي حكمها خمسا وأربعين سنة (1867 – 1912)، عاش الرجلان في حقبتين متقاربتين خلال القرن التاسع عشر واستلما زمام الحكم في بلدين شرقيين من بلدان العالم الثالث المتخلف في ذلك الوقت.

 

ومن أجل إنجاز مشروع نهضوي شامل اتبع الرجلان نموذج “المستبد العادل” أو الحاكم المستنير عن طريق الاستلهام من الحضارة الغربية، فأسس كل منهما لمرحلة جديدة في بلده حيث قام محمد علي باشا بإنهاء حكم المماليك في مصر وتدشين أسس دولة عصرية، بينما قام الإمبراطور ميجي بإنهاء نفوذ “الشوغون” أو أسرة توكوغاوا القوية وتسريع وتيرة لحاق اليابان بركب الدول الصناعية.

 

تجربة النهضة في مصر إبان حكم محمد علي باشا اكتسبت أهمية خاصة لأنها سبقت تجربة النهضة في اليابان بنحو نصف قرن، وتبدو التحديات الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية متشابهة في كلا البلدين، فكلاهما انخرط في مقاومة هيمنة الدول الغربية والتحديث الاجتماعي القسري ومعالجة إشكالية غلبة القطاع الزراعي على الإنتاج الصناعي،

 

ولكن اختلاف أسلوب تفكير القيادة السياسية لكل من البلدين في معالجة تلك التحديات تركت أثرها في النتائج، وسوف أحاول هنا إبراز أهم ملامح هذا “الاختلاف الفكري” مستعينا بكتاب ممتع للدكتور مسعود ضاهر – من أبرز المختصين في الشأن الياباني – عنوانه (النهضة العربية والنهضة اليابانية، تشابه المقدمات واختلاف النتائج)

 

 

أساليب مواجهة التحدي الغربي

كانت كل من اليابان ومصر – التي كانت تابعة شكليا للإمبراطورية العثمانية – تعيش هاجس الخوف من هجوم استعماري وشيك يشنه الغرب في أي وقت منذ بداية القرن التاسع عشر، فاختارت اليابان العزلة الطوعية كوسيلة للحماية حتى تم إجبارها على فتح موانئها بالقوة أمام التجارة الدولية وتوقيع اتفاقيات مجحفة مع الغرب، أغضبت تلك الاتفاقيات عموم اليابانيين وفجرت النقمة الشعبية ضد السلطة المركزية، واشتعلت عشرات الانتفاضات في طول البلاد وعرضها طوال الفترة (1858 – 1867) حتى وصل النزاع الدموي إلى مقر عرش الإمبراطور في كيوتو – عاصمة اليابان القديمة.

 

وبعد أن أدرك اليابانيون صعوبة انتصار طرف على آخر وأن الاستمرار في النزاع لا يفيد سوى القوى الاستعمارية؛ تمت المصالحة الوطنية وقرر الشوغون التنازل سلميا عن الحكم لصالح الإمبراطور ميجي “الذي بات رمزا لوحدة اليابان الداخلية”، وتعاهد الجميع على العمل من أجل إلغاء الاتفاقيات التجارية الظالمة والوقوف صفا واحدا خلف الدولة، وقطع الطريق على التدخل الأجنبي عن طريق الانخراط في عملية تحديث واسعة وسريعة وشاملة تنقل اليابان من دولة شرقية متأخرة إلى دولة حديثة متقدمة.

 

بينما دخلت مصر والإمبراطورية العثمانية – التي كانت في خط تماس مباشر مع أوروبا نظرا لموقعها الجغرافي – في تحديث إجباري للقوات العسكرية في المقام الأول، لكنها سرعان ما تآكلت وتحولت إلى سلبيات قاتلة نتيجة الصدام بين مصر والسلطنة العثمانية، وكانت القوى الاستعمارية – مدفوعة برغبتها في إضعاف الإمبراطورية العثمانية – تشجع هذا الصدام وتحرض عليه عن طريق تقديم الأسلحة الحديثة والمتطورة لإنهاك طرفي النزاع، ولم يدرك محمد علي باشا خطورة حروبه ضد العثمانيين التي أفضت إلى إضعاف السلطنة العثمانية وإجبارها على تقديم التنازلات التي مهدت الطريق لغزو الجيوش الأوروبية للولايات العربية في ذلك الوقت، بما في ذلك مصر التي خضعت في النهاية للاحتلال الانجليزي سنة 1882م.

 

أساليب التنمية الاقتصادية

في عهد الإمبراطور ميجي كان 80% من اليابانيين يعملون في الزراعة، وهذا جعل الإمبراطور يعمل على تطوير المناطق الزراعية التي تستلزم وجود أدوات تقنية خاصة تستدعي بدورها قيام “قرى صناعية” لسد حاجة المزارعين.

 

وقد ساهم تزايد الإنتاج الزراعي والحرفي في تنشيط التجارة فاتسعت معها رقعة التبادل الاقتصادي في جميع المقاطعات اليابانية، وتبلور نوع من الاقتصاد الوطني الياباني المتطور نسبيا في الفترة الـتـي سـبـقـت مرحلة الاحتكاك بالغرب، هذا التبادل التجاري تولد عنه تراكم مالي مهد الطريق لولادة الرأسمال التجاري الاحتكاري العملاق المعروف بـ”زايباتسو” وهو العمود الفقري للنهضة اليابانية في المجال الاقتصادي.

 

نقص الموارد الطبيعيـة فـي الـيـابـان كـان لـه الفضل الأكبر في توجه الإدارة أو البيروقراطية اليابانية إلى التوظيف في الإنسان الياباني كقاعدة صلبة ومتجددة لكل إصلاح وتغيير إيجابـي عـلـى مختلف الصعد، وساعدها في هذا الخيار تجانس المجتمع اليـابـانـي عـلـى الصعيد الاجتماعي والسكاني وخلوه إلـى حـد بـعـيـد مـن عـنـاصـر الـتـوتـر الداخلي التي تقطع الطريق على التغيير الدائم بوتيرة متصاعدة.

 

وعلى الرغم من حذر محمد علي باشا الشديد من سياسة القروض التي جعلته يرفض تنفيذ مشروع قناة السويس بخبرات علمية أجنبية ورؤوس أموال أوروبية لا تخضع لرقابة مصرية كاملة؛ إلا أنه كان يقتبس عناصر القوة والتقدم من الغرب على قاعدة “دولة احتكارية” تذمر منها مواطنوه من الفلاحين والصناع والتجار، فأصبحت حركة التحديث الاقتصادي – رغما عنه – أسيرة التدخل الأوروبي المباشر.

 

وصف بيتر غران تجربة محمد علي بقوله: «تميزت إصلاحاته بإدخال تبدلات اقتصادية واجتماعية عميقة، لكنها بقيت أسيـرة دولـة احـتـكـاريـة تعبر عن مرحلة انتقالية نحو نمط إنتاج رأسمالي طرفي مرتبط بشكل وثيق بالسوق الرأسمالي العالمي».

 

والأسوأ أن سياسة رفض القروض الأجنبية وحماية الاقتصاد الوطني لم يلتزم بها أبناؤه من بعده، فالخديوي سعيد (1854 – 1863) الذي اشتهر بوطنيته وكرمه – حيث ألغى الديون المتأخرة على الفلاحين التي لا يستطيعون سدادها – سمح للأجانب بالتعامل مباشرة مع التجار والعمال دون أية وساطة من الدولة، وتوسع في الاقتراض الأجنبي بفوائد هائلة أدت إلى إفلاس مصر خلال عقدين من الزمان، وقد عرف عنه تبذير النقود، وكثرة الإنفاق على الحفلات والقصور وحياة البذخ والترف، ولذا طمع المرابون في تقديم الأموال له مقابل فوائد فاحشة!

 

أساليب معالجة مشكلات السيادة الوطنية

الانفتاح الاقتصادي غير المنضبط في عهد محمد علي باشا – الذي ازدادت وتيرته من بعده – ساهم في اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية وتغلغلها السريع في مرافق مصر الحيوية، ضخامة المال الأجنبي استدعى إنشاء محاكم مختلطة ذات نظام قضائي مزدوج بهدف فصل المنازعات بين المصريين والتجار الأجانب،  وكانت هذه المحاكم تتخذ الإجراءات اللازمـة لـنـزع ملكية المواطنين، وإعلان البيوع الجبرية، واكتسب النظام القضائي المختلط المزيد من الصلاحيات الشرعية لتكبيل مصر بالديون ثم إعلان إفلاسها.

 

لقد أصبحت هذه المحاكم أداة يستخدمها الأوروبيون لاستغلال مصر، لأنها نشأت أساسا تحت ضغط منهم فكانت بمثابة محاكم أجنبية؛ تعتمد لغة وقوانين أجنبية وتصدر أحكامها لصالح الأجانب، ولم يستفد منها المصريون – حكومة وشعبا – ولذا اعتبر تطبيقها على أرض مصر “نقضا لسيادتها، وأداة لاستعبادها ماليا واقتصاديا”.

 

وعندما تداول اليابانيون أمر هذه المحاكم وناقشوا خيار تطبيقها في بلدهم نشأت أزمة خطيرة شاركت فيها مختلف أطياف المجتمع الياباني، انتهت برفض الفكرة رفضا كاملا بعد صراع سياسي استمر بضع سنوات.

 

التلاحم والانسجام بين الشعب والحكومة

بذل محمد علي باشا جهودا هائلة حتى يحقق حلمه في تحويل مصر “إلى قطعة من أوروبا”، لكنه لم يبذل جهدا مماثلا في أن يكون “مصريا” بشكل حقيقي! فلم يحاول هو وعائلته الاندماج في الشعب المصري، ونادرا ما تعلم أحد من أفراد هذه الأسرة اللغة العربية وآدابها، ولم يتولد لديهم شعور الاعتزاز بالانتساب إلى تاريخ مصر وتراثها الحضاري العظيم، وكان لهذا تأثيره السلبي في وجدان المصريين الذين شعروا بغربة حكامهم عنهم، مما أدى إلى بقاء شرائح واسعة من أفراد المجتمع المصري دون تغيير يذكر بعد إصلاحات محمد علي باشا وخلفائه.

 

اضطراب العلاقة بين أفراد الأسرة الخديوية بعد وفاة محمد علي باشا ساهم بدوره في فساد الجهاز الإداري الحاكم، فانتشرت الرشوة وتم إهمال المصالح العليا للبلد وتعاظم استنزاف الطبقات الشعبية الكادحة، واستمر الأعيان عـلى امـتـداد الأرياف المصرية يمارسون دورهم التقليدي كطبقة استغلالية طفيليـة تـعـيـش عـلـى حـسـاب الفلاحين التعساء.

 

بينما بذل الإمبراطور ميجي جهودا مضنية في سبيل تحقيق شعاره “اليابان أولا”، استقطب هذا الشعار جميع أطياف الشعب الياباني (الساموراي، التجار البرجوازيون، الصناعيون والحرفيون، المزارعون، العمال…. إلخ) ولم يلق معارضة تذكر.

 

وساهمت مجموعة من المقولات التقليدية في ترسيخ هذا الشعار وتعميق التلاحم بين الإمبراطور وكافة طبقات المجتمع الياباني مثل: اليابان أرض الآلهة، الإمبراطور شخصية جليلة ورمز لجميع اليابانيين، التضحية بالنفس في سبيل اليابان فضيلة، حماية الإمبراطور كرامة…. إلخ.

 

وتعتبر نظرية الكوكوتاي أي “قدسية الأرض والإمبراطور” حجر الزاوية في الفكر السياسي الياباني المعاصر، وكانت الأساس الذي انطلق منه الإمبراطور ميجي لبناء إمبراطورية عسكرية ذات نفس شوفيني في غاية القسوة، أضف إلى ذلك التجانس القومي واللغوي والإثني المتميز ومسارعة اليابانيين إلى الاستجابة لنداء الواجب، كل هذا أظهر اليابان في صورة مجتمع على درجة عالية من التماسك.

 

مأزق التحديث في العالم العربي

يشير المؤرخ والمفكر الاقتصادي شارل عيساوي (1916 – 2000) في كتابه (تأملات في التاريخ العربي الحديث) إلى أن مصر في عهد محمد علي باشا كانت أكثر قابلية للتحديث من اليابان؛ “لو كان قدر لمصر أن تحكم في ذلك الوقت على يد حكومة وطنية ومستنيرة لكانت قد بزغت في القرن العشرين كصورة مصغرة لليابان”، وكثير من الباحثين – استنادا إلى ظروف الواقع الموضوعي حينها – كانوا يتوقعون أن اليابان لن تصبح غنية نظرا لعوامل الجغرافيا والطبيعة وتقديس التقاليد “فاليابانيون جنس سعيد، وبما أنهم يقنعون بالقليل فإنه ليس من المرجح أن يحققوا الكثير”!

 

وذكر عيساوي خمسة عوامل افتقرت إليها مصر وتسببت في فشل مشروع محمد علي باشا التحديثي وهي:

 

” مصر تقع في قـلـب العالم القديم بينما تقع اليابان في طرف العالم، مما ساهم في الحد من خطر التدخل الخارجي فيها، والتماسك الاجتماعي في اليابان لا مثيل له في العالم، وتم التوجه مبكرا نحو الـنمو الاقتصادي، إضافة إلى قدر أعلى من حب الاستطلاع، وقيادة حكيمة على نحو غير عادي يبدو أنها كانت ذات براعة خارقة للعادة في اتخاذ الإجراءات الاقتصادية السليمة”

 

من الواضح أن تداعيات فشل حركة التحديث في مصر قد ألقت بظلالها على كل تجارب التحديث في العالم العربي، ومع أن الدول العربية كانت تشكل فيما مضى معظم ولايات الإمبراطورية العثمانية التي انهارت في بدايات القرن العشرين إلا أن المفارقة هي أن مركز الإمبراطورية – جمهورية تركيا حاليا – قد استفاد كثيرا من المشاريع الإصلاحية والتنظيمات لإنجاز حركة التحديث التي قادها مصطفى كمال أتاتورك.

 

فأصحاب القرار السياسي في الآستانة اعتمدوا القوانين الوضعية اقتناعا منهم أنها لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، وأن تطبيقها سيساعد على تطوير الفكر السياسي والأداء الاقتصادي والثقافة الاجتماعية وصولا إلى إنشاء دولة عصرية تقيم تمييزا واضحا بين شئون الدين والدولة.

 

هذا النوع من الإصلاحات الفكرية غالبا ما ينظر له كثير من المفكرين العرب بشك وارتياب، مما جعل الفكر السياسي العربي يتخبط – حتى الآن – في “مأزق إقامة التوازن أو التطابق ما بين الشريعة الإسلامية وكل قانون وضعي حديث، ونتج عن ذلك هيمنة الفكر السلفي والأصولي في كثير من الأقطار العربية”، وبالتالي أصبحت الحداثة العربية مشروعا متعثرا في مرحلة تاريخية أنجزت فيها دول كثيرة حول العالم حداثتها الخاصة، وربما دخلت في مرحلة ما بعد الحداثة!

 

” أفكار المقال مقتبسة بالكامل من كتاب (النهضة العربية والنهضة اليابانية.. تشابه المقدمات واختلاف النتائج) للدكتور مسعود ضاهر من كبار المختصين في الشأن الياباني وحاصل على وسام الشمس المشرقة من إمبراطور اليابان الحالي سنة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد