الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

في الأول من مارس (آذار) أصدر جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني الذي يرأسه السيد صلاح قوش بيانًا شديد اللهجة يستنكر فيه بث قناة الجزيرة خبرًا عن لقاء سري تم بين مدير جهاز الأمن والمخابرات صلاح قوش مع نظيره الإسرائيلي يوسي كوهين على هامش مؤتمر ميونخ للأمن الذي انعقد شهر فبراير المنصرم، وأكد أن الخبر عار تمامًا من الصحة ويفتقد للمهنية والموضوعية ولا يخدم القيم الصحفية التي تدّعي القناة الالتزام بها والعمل لأجلها.

كما ذكر البيان أنه كان بإمكان القناة أن تتحرى وتستوثق قبل أن تبث وهي تعلم ويعلم غيرها الموقف الراسخ للسودان حكومةً وشعبًا من الكيان الصهيوني المغتصب والتزام السودان المبدئي بموقف ثابت تجاه القضية الفلسطينية، وراح يسترسل في نقد قناة الجزيرة والحديث عن الحملة ضد البلاد والتأكيد على استقامة الجهاز وبعده عن الشبهات.

وأحسب أنه أصبح معلومًا للجميع أن الخبر الذي بثته قناة الجزيرة ليس لقاء قوش برئيس جهاز الموساد، بل هو نشر موقع ميدل إيست آي Middle East Eye لتقرير يتحدث عن لقاء قوش برئيس جهاز الموساد.

أعد التقرير الصحفي ديفيد هيرست وكذلك سايمون هوبر ومصطفى أبو سنينة، ومشاركة صحفي كديفيد هيرست في هذا التقرير تعطيه رصيد كبير من المصداقية نظرًا لقيمة ووزن الصحفي البريطاني في عالم الصحافة، تحدث التقرير عن لقاء تم بين قوش وكوهين على هامش مؤتمر ميونخ للأمن وبترتيب من وسطاء مصريين ودعم من السعودية والإمارات، وأضاف أن السعودية والإمارات ترى أن قوش هو رجلهم الذي يؤدي دورًا خلف الأضواء في لعبة الصراع على السلطة الدائرة اليوم، وبحسب مصدر خبر هذا اللقاء فالبشير لا يعلم شيئًا عن هذا اللقاء.

هذه المادة في محتواها ليست الأولى من نوعها إذ أن المراسل باراك رافيد نشر قبل أشهر تقرير من مصادره عن لقاء تم عام 2017 بين مدير جهاز الأمن السابق والسفير الحالي للسودان بأمريكا محمد عطا بوفد من الخارجية الإسرائيلية في منزل أحد رجال الأعمال الأتراك المقربين من البشير في إسطنبول، وقال أن ملف السودان تم تكليف مسؤول دبلوماسي كان المسؤول عن العلاقات مع الدول التي لا تربطها علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، وكانت المباحثات بين الطرفين عن كيفية إقامة العلاقات بين البلدين وإرسال بعض المساعدات من إسرائيل في مجالات الطب والزراعة وغيرها.

وكذلك نشر موقع أفريكا إنتيليجنس Africa Intelligence تقريرًا تحدث عن تفضيل السي آي إيه لرجلها صلاح قوش أن يصعد إلى السلطة في حال لم يتمكن البشير من السيطرة على الوضع، وتحدثت البي بي سي BBC  عن زيارة المبعوث الأمريكي للسودان والتي عرض فيها على البشير التنحي مقابل التحصين ضد مذكرة المحكمة الجنائية.

الخبر بطبيعة الحال لاقى استنكار واستهجان من صحفيين سودانيين، منهم الصادق الرزيقي في لقائه على شاشة الجزيرة نفسها يرى أن هذا هو استهداف للسودان ومحاولة لتشويه صورته وأنه كان على الجزيرة أن تتحرى الدقة والموثوقية في تقرير كهذا حتى ولو كانت ناقلة له من جهة أخرى، أما الصحفي الهندي عز الدين فقد تحول رسميًا إلى نسخة سودانية من المصري مصطفى بكري، فهو يهاجم قطر صراحة ويقول أن مساحتها تساوي نصف مساحة منطقة أمبدة في غرب أمدرمان ويستنكر كيف لهذه «الدويلة» عبر «خنزيرتها» أن تستهدف الفريق صلاح قوش وتسعى للوقيعة بينه وبين المشير عمر البشير وطالب بوقف استثمارات قطر في السودان وأولها عقد تطوير ميناء سواكن.

مشكلتي الحقيقية ليست في الآراء بقدر ما هي أن مؤسسة كهذه يمكنها أن تعلن الاستنفار والتعبئة ضد قناة مثل الجزيرة وتجد الاستجابة من عدد كبير من الصحفيين والإعلاميين، هذا لأن جهاز الأمن الذي يقوم بطرد موفد التلفزيون العربي هو نفسه الذي يقرر بأن مراسلي قنوات الجزيرة والعربية قد خالفوا أصول العمل الصحفي النزيه وبالتالي يجب سحب تراخيص العمل منهم، وجهاز الأمن الذي يعتقل عشرات الصحفيين بدون أي وجه حق وأبرزهم الصحفي عثمان ميرغني الذي يدخل أسبوعه الثاني في الحبس هو نفسه الذي يقرر أن الجزيرة تصرفت بدون مهنية وبدون موضوعية.

جهاز الأمن اعتاد ممارسة الوصاية على كل من يمتهن العمل الصحفي والإعلامي في السودان، ولكن عند المواجهة مع قناة لا تأتمر بأمره وتنتهي بنواهيه لجأ لهذا الأسلوب الرخيص الذي يدخل في إطار مساعيه للتعتيم الكامل على كل ما يحدث في السودان، وهم في ذلك يمارسون نوعًا من التغول على القناة إذ ما أدراهم أن الجزيرة تعلم ما أسموه «موقف السودان الراسخ حكومة وشعبًا».

هناك أيضًا قناة العربية ومعها (الحدث) واللتان تقومان بتغطية أكبر من تغطية الجزيرة وتنشر أخبار كل تحركات تجمع المهنيين وخطابات المعارضين وأول من نشرت تقريرًا عن تجمع المهنيين ومكوناته وبداياته، وتم اتهام مراسلها في السودان سعد الدين حسن بتهمة نشر أخبار كاذبة وغير ذلك من أسباب استحقاق الاتهام بزرع الفتن وإثارة الفوضى، لم أسمع عن أحد من الصحفيين ينتقد القناة ويقول أنها تريد بث السموم واستهداف السودان ونظامه وغير ذلك، من ناحيتها فقد استثمرت قناة العربية في حالة الغضب ضد قناة الجزيرة هذه نشرت تكذيب جهاز الأمن لما في الخبر وراحت تتكلم من خلال تقاريرها عن تعمد الإعلام القطري نشر الأخبار الكاذبة وخلط الأوراق في الأزمة السودانية من خلال «ترويج شائعات» عن لقاء بين صلاح قوش ومسؤولين من الموساد.

بطبيعة الحال فليس لأحد من المتابعين أن يؤكد أو ينفي ما ورد في التقرير ما لم يكن يعلم شيئًا وستظل العهدة على الراوي أو الكاتب، ولكن تظل حقيقة أن جهاز الأمن يستحمر المتلقي كما هي عادته وكما هي عادة النظام التي تعود عليها الشعب، فالبشير يعلن حالة الطوارئ ليتم تفعيلها على الأرض على شكل قوانين تتعلق بقيود على التجمهر والكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي والحق في اقتحام المنشآت وغيرها ثم يأتينا أحدهم ليقول أن هذه القوانين ليست لمنع التظاهر أو أنها لن تسبب تضييقًا على الحريات وأنها فقط لمحاربة المضاربين بالعملات في السوق، وبعد أسبوعين تقريبًا نجد أن الدولار الأمريكي الذي زعموا أنهم بحالة الطوارئ يحاربون زيادته قد ارتفعت قيمته من 50 جنيهًا إلى 70 جنيهًا.

برأيي لم تكن لتتوفر بيئة أفضل وأكثر استقرارًا للكيان الصهيوني ما لم يكن في محيطها الإقليمي أنظمة كنظام البشير، أنظمة تعمل على توسيع سلطتها ونفوذها وإطالة عمرها في السلطة لأطول وقت ممكن، أنظمة تقتات على ثروات الشعوب ومقدراتها ولا تتورع عن سفك دماء أبنائه أو ترويع الكبير والصغير وانتهاك حرمات الناس وأعراضهم، وولذلك عندما قال نتنياهو من قبل أن التحدي الآن هو الشعوب نفسها وهل القضية الفلسطينية ما وزالت حية في قلوبهم لأنه يعلم أن الأنظمة التي لا هم لها سوى البقاء في السلطة لا تملك أي منظومة قيمية أو أخلاقية ستفعل أي شيء لاستقرار هذا البقاء في السلطة ولو كان العمل مع المسيح الدجال.

هؤلاء يكفي مجرد وجودهم على السلطة لعمل أكبر مؤامرات العصر ضد الشعوب وضد الوعي الذي ما زال حيًا في القلوب حتى اللحظة وأكبر خدمة للكيان الصهيوني لاستمرار وجوده وزيادة بطشه وصرف الشعوب عن الفلسطينيين ونكبتهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد