تفاجاء العالم بنتائج الانتخابات الأمريكية وفوز اكثر المرشحين إثارة للجدل واقل المرشحين حظا حسب استطلاعات الرأي المبكرة. ولكن علينا ان ننظر إلى الحدث على انه استمرار لثورة هادئة في الرأي العام الأمريكي والتي بداءت مع انتخاب باراك أوباما أول رئيس اسود من أصول افريقية وأب مسلم. وهذا بعد مرور عقود قبع تحتا الشعب الأمريكي في حرب مستمرة مع، «الإرهاب الإسلامي”» كان انتخاب باراك أوباما في 2008 صرخة الشارع الأمريكي في وجه التقاليد السياسية والأعراف، وموقف شعبي يتحدى المسلمات السياسية في ذلك الوقت. ومن البديهي ان تنجرف أصوات الناخبين نحو المرشح الذي يحمل كل دلالات، «التغيير» المرتقب في الأوساط الشعبية ويردده في مظهره ورسالته وحتى في كتيب حملته الانتخابية الذي حمل عنوان، «مخططات من أجل التغيير» ولكن إذا كان إنتخاب باراك أوباما في 2008 هي بادرة اعلان انطلاق الثورة الهادئة في الشارع الأمريكي فما هي مطالبها؟

«التغيير»

رغم تشعب المطالب الشعبية خلال الانتخابات الأمريكي في 2008 كان من الواضح ان سواد عظيم من الناخبين لا يطمحون إلى اكثر من، «التغيير» ولمجرد التغيير. وهو موقف يفهم في ظل الأحداث التي زلزت صميم المواطن الأمريكي مع مطلع القرن الواحد والعشرين من احداث 11 سبتمبر وانتهاء بالأزمة المالية العالمية. كما لا نستهين بالهجوم الثقافي والإعلامي الحاد على السياسة الأمريكي الخارجية من المجتمع الدولي في تغيير أولويات الشارع الأمريكي. والهجوم الداخلي في الإعلام ومن مؤسسات المجتمع المدني ضد سلوك إدارة الرئيس جورج بوش والإدارات السابقة فيما يتعلق بملف السياسة الخارجية والدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في العالم. وعند مواجهة فضائح سجن أبو غريب وملف السجون السرية للمخابرات الأمريكية حول العالم، استطاع الشارع الأمريكي الربط بين هذه السياسات الخارجية وتدهور صورة الهوية الأمريكية. لذلك كانت المسألة لكثير من الناخبين مسألة هوية وصورة. وكان انتخاب رئيس يعكس التعددية العرقية في المجتمع ويحمل توجهات بعيدة عن اعراف الليبرالية الكلاسيكية، التي عهدها الناخب من المشرعين طيلة القرن الماضي، هو تعبير عن الرغبة في تغيير ملامح هذه الهوية.

تحول في مسار السياسة الخارجية

كان من الواضح التحول الجذري في مسار السياسة الخارجية الأمريكية منذ تولي الرئيس باراك أوباما الرئاسة ليس فقد في التزامه إلى حد ما بالدبلوماسية الدولية، بل في تغيير خارطة التحالفات الدولية. تجلت هذه العملية في إقرار الإتقاف النووي الإيراني والهجوم المكثف من قبل الإدارة السياسية والإعلام على حلفاء الأمس كالمملكة العربية السعودية. أما في الشارع الأمريكي فكانت دلائل هذا التحول في التأييد الشعبي الذي حصل عليه دونالد ترامب. وهو المرشح الذي تكالبت عليه التقارير والقرائن وحامت حوله الشكوك في علاقته بالقيادة الروسية، العدو التقليدي للولايات المتحده. والتأييد الشعبي الذي حصل عليه دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكي لا يدل على عدم تصديق الناخب لهذه التقارير بقدر ما يدل على عدم اهتمام الناخب لها كما لم يبالي بتصريحاته العنصرية والمعادية للنساء وتأييده لأساليب التحقيقات الهمجية كالإغراق.

إعادة ترتيب الأولويات

أراد الناخب إعادة تعريف للمصالح العامة والأوليات، بما فيها نبذ الدور المكلف للشرطي العالمي والتركيز على الداخل الأمريكي. وبالرغم من لجوء الرئيس أوباما إلى الدبلوماسية والحلول السياسية في مواجهة القضايا الخارجية على حساب الحل العسكري وترسيخ الهيمنة الأمريكية، لم تواجه إدارته خلال الثمانية أعوام السابقة هجوما في الشؤون الخارجية، بإستثناء حادثة بنغازي، كالهجوم الذي واجهته على الصعيد الداخلي سواء في قانون الرعاية الصحية او فضيحة التصنت. يعود السبب في ذلك إلى تحول جذري في أولويات الشارع الأمريكي من قضايا الشأن الخارجي وشؤن الدفاع العسكري إلى القضايا الداخلية. وبمقارنة حملة المرشحة هيلاري كلنتون والمرشح دونالد ترامب نجد عملية إعادة ترتيب الأولويات هذه تتجلى في خطاباتهم. هيلاري مرشحة الوضع القائم والمؤسسة السياسية العتيقة والتي تخاطب نفس الشرائح الشعبية التي اعتاد السياسيون مخاطبتهم، جيل الألفية، الأقليات العرقية، والجامعيين. بينما خاطب ترامب الشرائح المنسية من العمال ومحدودي الدخل في ظل انشغال الإدارات السياسية في واشنطن بترسيخ الهيمنة الأمريكية. فرغم مهاتراته الإعلامية وضربة للباقة السياسية عرض الحائط وتعدية على النساء والأعراق بكل فضاعة، إلى انه حصل على أصوات الناخبين لسبب مهم. فبعكس ما كان يتردد عن ان مؤيدي دونالد ترامب عنصريين جهلة، لم يكنوا كذلك. في تقرير قامت به الواشنطن بوست بعد الانتخابات سألت مجموعة من النساء الاتي صوتن لصالح دونالد ترامب إن كن يقرون ترامب على تصريحاته الهمجية. الحقيقة انهم لم يقروها واستنكروها، ولكن صوتن له لأن العنصرية، وقضايا الحساسية الاجتماعية، لم تعد أولوية عند الناخب الأمريكي. ولكن خطابات دونالد ترامب عن التجارة العادلة (بعكس التجارة الحره)، وجلب الوضائف إلى الولايات الوسطى من جديد، وعدم الزج بالجيش الأمريكي في نزاعات إقليمية مالم يكن للولايات المتحدة مردود مادي للدعم العسكري الذي تقدمه، كل هذه تماشت تماما مع أولويات الشارع الأمريكي الجديدة.

رسالة الناخب الأمريكي للسعودية

الرسالة التي يجب على المملكة استشفافها من احداث الانتخابات الأمريكية الأخيرة هي أن العلاقة التاريخية بين البلدين قد انتهت والتي بداءت على متن يو اس اس كوينسي في لقاء جمع الملك عبدالعزيز رحمه الله مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روسفلت وتجددت في 2005، والتي تقوم على توفير الولايات المتحده الدعم العسكري والسياسي للسعودية في مقابل توفير احتياجات الولايات المتحده من البترول. والمتابع للقرار السعودية يلاحظ ان جل السياسات الخارجية تقوم على محور هذه العلاقة وهذا التحالف. كما ان محاولات استمالة الرأي العام الأمريكي وبذل الأموال لشركات العلاقات العامة في سبيل تحسين صورة المملكة العربية السعودية في الشارع الأمريكي هي محاولات بائسة واموال تهدر لن تغير من الواقع في شيء فالمواطن الأمريكي لم يعد يبالي بالسياسة الخارجية او العلاقات الدولية وإلا لما انتخب دونالد ترامب أكثر المرشحين نقدا وسخرية في العالم وبعدا عن الدبلوماسية

فمالم تعيد المملكة تقييم سياساتها الخارجية وخارطة التحالفات الدولية، سوف تستيقظ في القريب العاجل على حليف اصبح عدو وعلى واقع كان للعالم فيه قوة عظمى واصبح من الماضي. على المملكة العربية السعودية بناء تحالفات جديدة بمتانة العلاقة التاريخية الأمريكية مع دول كالصين والهند وروسيا لتسمتمر في دور القيادة الإقليمية وتتجاوز، بسلام، هذه المرحلة التاريخية في إعادة رسم خارطة القوى في العالم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد