ترى هل نظرت حولك يومًا وتأملت المباني والشوارع المحيطة بك وحاولت البحث عن أسباب الازدهار والانحدار الذي صاحب تاريخ مدينة عمرها أكثر من ألف عام كالقاهرة؟ هل سألت نفسك عن هذا التنوع في شكل العمارة وعن أسباب ما وصلت إليه من تدهور؟

تهدف هذه المقالة للبحث في خصائص مدننا الشرقية القديمة وظروف تحولها من شرقية الطابع إلى طراز العمارة الكولونيالية ثم ما وصلنا له اليوم. ثم نتساءل سويًا عن أسباب وصولها لهذا التدهور. وسوف يدفعنا هذا للرحيل غربًا إلى أوروبا حيث ستبدأ حكايتنا هناك!

منذ منتصف القرن التاسع عشر انتشرت المعارض العالمية في أوروبا وكان على رأسها وأشهرها “المَعرض الكبير” The Great Exhibition  الذي أقيم في لندن عام 1851 لعرض خلاصة ما وصلت له بريطانيا من صناعة وتطور. وقد دُعيت كذلك جميع الأمم لعرض صناعاتها ومنتجاتها أو ما تتميز به في المعرض، وكان ذلك محاولة لتشجيع التجارة الدولية غير المقيدة.

وقد كان الشرق حاضرًا في تلك المعارض حيث أظهر الحضور من الأوروبيين شغفـًا بمعرفة المزيد عن كل ما هو غير أوروبي وغريب حتى إن العارضين أنفسهم من الشرقيين أصبحوا جزءًا من هذا المعرض باختلافهم من حيث الشكل والزي واللغة مثلهم مثل غيرهم من الشعوب غير الأوروبية. دفع ذلك بعضهم إلى محاولة الكشف عن “الشرق نفسه” عبر رحلات سياحية لبلاد الشرق وذلك في منتصف القرن التاسع عشر ونصفه الثاني. وقد كتب أحد المصريين أنه “ما من سنة تمر إلا وترى ألوفـًا من أهل أوروبا تسيح في الأرض فلا يمرون بشيء إلا رسموه”.

لقد ظلت فكرة “المعرض” مسيطرة على الأوروبي وهو يحاول اكتشاف الشرق. وقد بدى لبعض منهم أن الشرق عصي على الفهم. فلم تكن واجهات المنازل مصفوفة بشكل يجعلها تبدو وكأنها معروضة للناظر من الخارج كما هو الحال في أوروبا.

فبالنسبة لمنازل القاهرة فإن لها خاصية فريدة، فهي تضع في الاعتبار وجهة العبادة (أي الاتجاه نحو القبلة بمكة)، ووجهة استقبال الضيوف، وطريق الشمس، وقوى دائرة البروج، وخصائص الرياح السائدة وبذلك تسمح للشمس والرياح بالدخول للمنزل. وكانت بيوتها الأوسع لها فناء داخلي (صحن) يتوسطها بحيث تعطى خصوصية لأهل البيت تبعدهم عن العالم الخارجي وتعطيهم قدرًا من الحرية والسكينة بعيدًا عن صخب الخارج.

كما كانت المساكن تطل على الأزقة والتي كانت تغلق أبوابها المُطلة على الشوارع ليلاً كنوع من أنواع الأمان. وكانت شوراع الأسواق متميزة عن مثل هذه الأزقة بوصفها أماكن عامة يمكن للغرباء عن المدينة دخولها والإتجار فيها.

وفي الليل كانت بوابات المدينة تُغلق أمام العالم الخارجي، وكانت بوابات الأزقة تُغلق دون الشوارع والحارات، وهكذا كي تعطى قيمة الأمان والخصوصية لساكنيها.

وبهذا نستطيع القول إن المنزل الشرقي قد ارتبط بتلك الاعتبارات سالفة الذكر بدلاً من اتحاده بالشارع أو المباني المجاورة له كما هو الحال في العمارة الأوروبية. ولهذا لم يكن هناك “خارج” يمثل “معرضًا” للناظر له بالنسبة للعمارة الشرقية، حيث كان للشرق معنى “أعمق” من مجرد فكرة الواجهة الخارجية  كما عبر عن ذلك الدكتور تيموثي ميتشل في كتابه “استعمار مصر” في محاولة لتفسير تلك الحالة المربكة في عدم فهم تلك العمارة الشرقية.

صورة لأحد منازل القاهرة القديمة- صحن المنزل

 

View of Cairo houses with masharabiyya (screen or grille of tined wood), Egypt. Islamic. Islamic. Cairo. (Photo by Werner Forman/Universal Images Group/Getty Images)

واجهة منزل قاهرى

وفي شتاء عام 1867 أتيحت لعلي باشا مبارك وهو أستاذ ومهندس مصري كبير فرصة السفر إلى باريس في مهمة لحساب الحكومة المصرية ولزيارة المعرض العالمي المقام في باريس والتي كان قد سافر لها من قبل كطالب في البعثة التعليمية عام 1849.

وقد بهره حجم التجديدات والإنجازات التي تمت في باريس وقضى هناك عدة أسابيع يدرس النظم الباريسية الجديدة في مجال التعليم والصرف الصحي والمباني المشيدة وسار مع الزوار الآخرين عبر الأنفاق الضخمة لشبكة الصرف الصحي المقامة حديثـًا والتي أقيمت تحت شوارع جديدة للمدينة.

وفي عمل روائي كتبه علي باشا مبارك قُصد به تعليم الناس والارتقاء بهم (رواية عَلَم الدين)، صور مبارك الصلة بين النظام المكاني والانضباط الشخصي من خلال المقارنة بين حالة الحياة في مصر وحالتها في باريس حيث رحل الأبطال في قصته من مصر إلى فرنسا حيث كانت ردة فعلهم الأولى تجاه المدينة هو العجب: “من حسن نظامها، وسعة شوارعها، ونظافتها وحسن بهجتها” ومن سير التعامل “دون اضطرار إلى اللفظ والمساومة والصياح”. ثم زاروا الحدائق العامة حيث كان لعب الأطفال نفسه نظيفـًا ومنظمًا ومتميزًا بالهدوء. ثم قران في الرواية بين هذا وحال شوارع القاهرة والإسكندرية حيث “لا تكاد تمر بالناس ساعة من الساعات إلا ويحصل فيها تشويش خاطر المارين وإزعاجهم من كثرة الصياح والصُراخ والسب وسماع الألفاظ الفظيعة”. وقد ختم مبارك روايته بوصول البطل إلى جذر المشكلة وهى: الانضباط والتعليم.

وفور عودته إلى مصر شرع مبارك في تنظيم أحوال التعليم (وقد تناولنا الحديث عن موضوع التعليم بإسهاب في مقالات سابقة)، وقد تلى ذلك أكبر فترةً للبناء وللهدم في المدينة منذ نمو القاهرة المملوكية في العقد الأول من القرن الرابع عشر الميلادي. وجرى مدُ بنية جديدة بين الطرفين الشمالي والغربي للمدينة وإتاحة قطع من الأرض لكل من يريد إنشاء مبنى ذي واجهة خارجية أوروبية!

كان الأمر يتطلب شغل الأرض الخراب وتسويتها حول المدينة وفتح طرق رئيسية وشرايين مواصلات جديدة وإنشاء ميادين وأماكن مفتوحة وزرع الأشجار وتمهيد الطرق وبناء المصارف، وكان هذا التنظيم المكاني بدوره يتطلب “إزالة بعض التجمعات العشوائية البشرية من الداخل” لأن الشوارع الجديدة لم تترك المدينة القائمة على حالها. وقد جرى شق شارع محمد علي على نحو مائل عبر المدينة العتيقة. وكان طوله كيلومترين وكان يعترض طريقه نحو أربعمائة بيت كبير وثلاثمائة بيت أصغر وعدد كبير من المساجد، والمطاحن، والمخابز، والحمامات. وقد هُدمت هذه كلها أو أزيلت أنصافُها وتُركت كبيوت دمى دون حائط خارجي بحيث إنه عند استكمال الطريق، كان المنظر يشبه “مدينة تعرضت مؤخرًا للقصف” كما عبر عن ذلك Edwin De Leon في كتابه The Khedive’s Egypt.

وقد تبدو مثل هذه التدابير عديمة الرحمة إلا أنه قد تم النظر لها حسب النظرة السائدة في تلك الفترة في أوروبا والتى اعتبرت اضطراب وضيق الشوارع سببًا رئيسيًا للأمراض البدنية وللجريمة وأن الشوارع الواسعة المفتوحة مفيدة ليس فقط للصحة وإنما لتعقب المجرمين ولحركة التجارة. وقد قيل وقتها إن تنظيم شبكة الصرف الصحي سيمكن المدينة “كمكان للاستهلاك من أن تعيد إلى الريف كمكان لانتاج المواد الاستهلاكية السماد اللازم عبر تلك العملية من التبادل”.

وقد شملت المناهج الجديدة “للتنظيم” والتحديث تلك أيضًا مدينة طنطا والتي انتشرت جاليات أوروبية ملحوظة بها خلال عهد إسماعيل، وقد أصبح “اضطراب” القاهرة والمدن الأخرى فجأة مرئيًا بحيث وجبت إزالته وتنظيمه.

 

 صورة لأحد المباني بالقاهرة بعد التوسع في الطراز الأوروبي بها:

كان مصدر إلهام تلك التنظيمات نابعًا مما شهدته باريس في فترة متقاربة. فعند منتصف القرن التاسع عشر، كان وسط باريس مزدحمًا ومظلمًا وخطرًا وغير صحي. وقد كتب المُصلح الاجتماعي وقتها Victor Considerant  قائلاً:

“باريس هي مكان هائل التعفن، حيث يعمل سويًا البؤس والوباء والمرض، حيث لا يخترقها شعاع الشمس والهواء إلا نادرًا. باريس هي مكان فظيع تنكمش فيه النباتات وتهلك، حيث بين كل سبعة أطفال صغار يموت منهم أربعة كل عام!”

Le Paris d’Haussmann

وفي عام 1849 وصف طبيب فرنسي أحد المباني في أحد الأحياء الباريسية حيث يقطن 23 شخص بغرفة واحدة مساحتها خمسة أمتار وشدد أن هذا مكان خصب لانتقال الأمراض، فلا غرابة بانتشار وباء الكوليرا في عامي 1832 و1848.

كذلك كانت باريس تعاني من مشكلة الزحام المروري فعرض أكبر شارع في بعض الأحياء لم يكن يتعدى الخمسة أمتار وأضيقها لم يكن يتعدى متر واحد أو اثنين ولهذا كانت العربات تسير بصعوبة، كذلك فقد مرت وسط المدينة ببعض الانتفاضات والثورات المسلحة بين عامي 1830 و1848 وأحيانًا ما كان يخلع ثوار بعض الأحياء الباريسية أحجار الطرق ويغلقون الشوارع الضيقة بالمتاريس فيقوم الجيش بإزاحتهم بالقوة.

Charles_Marville,_La_Bièvre,_ca._1865

الصورة توضح كيف كان الحال في أحد أحياء باريس القديمة قبل التجديدات فهذا هو نهر الBievre وكانت تلقى فيه مخلفات المدابغ

 

Charles_Marville,_Rue_des_Marmousets,_ca._1853–70 (1)

صورة لأحد الشوارع الضيقة لباريس عام 1850 قبل التحديث

 

ولكل تلك الأسباب، فكر الإمبراطور نابليون الثالث إمبراطور فرنسا في مشروع ضخم يهدف إلى هدم “أحياء القرون الوسطى المزدحمة غير الصحية” وبناء شوارع واسعة وميادين كبيرة وحدائق عامة وضم الضواحى المحيطة بباريس وتشييد شبكة للصرف الصحي وقنوات مائية لنقل المياة النظيفة للمنازل وكان ذلك في الفترة ما بين عام 1853 و1870. وقد كلف نابليون الثالث البارون هوسمان Haussmann لكي ينفذ هذا المشروع الضخم ومنح البرلمان الفرنسي 50 مليون فرانك وكذلك ساهم الأخوة Pereire وهم من أثرياء اليهود عبر بنك استثماري بمبلغ 23 مليون فرانك نظير منحهم حق تشييد عقارات بأحد الشوارع الجديدة.

Demolition Work In Paris, France To Make Way For The Construction Of L'hotel Dieu In 1865 Under The Haussmann's Renovation Of Paris Aka The Haussmann Plan. From L'univers Illustre Published 1866. (Photo by: Universal History Archive/UIG via Getty Images)

الصورة لباريس وتوضح كيف تم هدم مباني بأكملها لبناء مباني جديدة وتشييد شوارع واسعة

وقد تم تشييد أربع حدائق عامة ضخمة فضلاً عن تجديد الأربع حدائق التي كانت موجودة أصلاً وتطلب ذلك زراعة 600.000 شجرة خلال 17 عاماً وتم حفر بحيرات وعمل شلالات بحيث قيل وقتها إنه لم يحدث أن بنت مدينة من قبل هذا القدر من الحدائق في فترة قصيرة كتلك. وقد صممت الحدائق العامة على مسافات متقاربة من الأحياء السكنية بحيث لا يتعدى سير الفرد من حيه أكثر من عشر دقائق كي يصل إلى أقرب حديقة.

كما تم تصميم واجهات المبانى على يد مجموعة منتقاة من المعماريين بحيث تعطي الواجهات شكل أكثر تجانسًا مع الشوراع الجديدة وتم العمل بالمرسوم الصادر عام 1852 بضرورة صيانة واجهات المباني وإعادة دهنها وتنظيفها كأقصى حد كل عشر سنوات وإلا يتعرض صاحبها لغرامة مالية قدرها 100 فرانك.
وكان طراز المباني الذي تم اختيار تنفيذه يتراوح ما بين الطراز التقليدي والطراز المُتسم بالتجديد. وقد تم الاهتمام بأدق التفاصيل الصغيرة حتى سور الحدائق العامة. كذلك تم بناء الكنائس والمسارح والمدارس ودار الأوبرا ومد خطين سكك حديد.

ولم يقتصر الجهد على الشكل الخارجي بل امتد ليشمل نظام شبكات الصرف والقنوات التى تنقل المياه النظيفة لسكان المدينة. وكذلك شبكات صرف مياه الأمطار حيث كانت من قبل متهلهلة وضيقة.
كما تضمن المشروع تزويد أحياء باريس بالغاز ولهذا تم تسميتها بحق وقتها “مدينة النور”.
ورغم ذلك فقد تم انتقاد هوسمان لأسباب شتى كان من ضمنها ان التجديدات اسهمت في زيادة أسعار الإيجارات وهدمت ملامح المدينة القديمة وذاكرتها ورغم ذلك لا أحد يستطيع انكار حجم الإنجازات التي تمت أيضًا.

ولأن الأفكار دائمًا ما تنتقل، فمن الجدير بالذكر الإشارة هنا إلى أن مصدر الإلهام لتلك التجديدات في باريس التي فكر فيها الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث كان نابعًا من فترة إقامته في لندن منفيًا حيث أعجبه اتساع شوارعها وحديقتها الشهيرة Hyde Park وأحب أن تسير باريس على نفس النسق الجمالي.

ولكن في الحقيقة لندن هي الأخرى لم تكن على حال واحدة دائمة بل انتقلت كغيرها من المدن من حال إلى حال. فلندن القديمة في القرون الوسطى كانت شوارعها ملتوية وضيقة ومبانيها كانت قد بنيت بالأخشاب والقش مما جعل إمكانية حدوث حريق بها أمرًا محتملاً فضلاً عن أن شبكات المجاري الخاصة بها كانت فقيرة للغاية. وبعد حدوث الحريق الكبير بها The Great Fire of London  عام 1666 والذي التهم 60% من المدينة تم إعادة البناء بالأحجار والطوب  لتقليل مخطار الحرائق كذلك تم التخطيط لتشييد شوارع واسعة ومباني بارتفاع محدد ومقاييس معينة ومن هنا توالت أعمال التنظيم للمدينة مما سمح بنموها أكثر فأكثر. وقد ساهم في نمو لندن دورها المركزي في الإمبراطورية البريطانية والثورة الصناعية مما ساهم بدوره في نمو المدينة المستمر وتوسيعها.

 

 حريق لندن:

وبهذا نستطيع القول إن أفكار التجديد والتحديث قد انتقلت من عالم إلى آخر، ومن بلد إلى آخر.

كان ما تم إنجازه في عهد إسماعيل باشا في مصر -على يد علي باشا مبارك- هو البداية في عملية تحديث القاهرة كي تصبح كقطعة من أوروبا وقد عزز هذا: الزيادة الكبيرة في أعداد الأوروبيين في مصر. تلك الزيادة التي جلبت –فضلاً عن سياسة إسماعيل المالية غير الحكيمة- التدخل الأجنبي في شئون مصر الداخلية والذي خُتم باحتلال البلاد.

وقد تبع جهود علي باشا مبارك ما تم تشييده من عمارة على النسق الأوروبي نفسه بعد احتلال مصر عام 1882 حيث زادت أعداد الأوروبيين أكثر فأكثر وانتشرت بيوت المال والبنوك الأوروبية أكثر وأنشأت المشاريع الاستثمارية الضخمة على يد مستثمرين أوروبيين. كل تلك المجالات كان يعمل فيها ويستفيد منها الأوروبيون في الأساس وكان للاستعمار البريطاني دور رئيسي في زيادة أعدادهم في مصر وبالتالي الحاجة لتوسيع المدينة الجديدة (الكولونيالية) أكثر.

وقد حصل البارون البلجيكي امبان  في ديسمبر عام 1894على امتياز مد خط ترام في القاهرة وأعقبه بامتياز حق إنشاء حي هيليوبلس أو مصر الجديدة في مطلع القرن الجديد. وقد أحدث وصول الأوتوموبيل (السيارات) عام 1903 تطورًا في شوارع القاهرة الكولونيالية رغم أن بعض الشوارع كان قد سبق رصفها قبل عام 1882. لقد تم التمدد عبر إنشاء أحياء جديدة كحي جاردن سيتى عام 1906 وحي المعادي عام 1904 فضلاً عن التوسع فيما هو قائم وتم تشييد نادي الجزيرة كمكان خاص بالجيش البريطاني عام 1882.

ذلك في حين ظل الشق القديم من المدينة على حاله مهملاً ولم تقدم يد العون لتحديثه وتطويره ولم يكن له شريان للمواصلات باستثناء شارع الأزهر والخليج. وقد زاد سكان المدينة بنسبة سبعين بالمائة خلال الخمس والعشرين سنة الأولى للحكم الاستعمارى. ونَتَج أكثر من ثلثي هذه الزيادة بسبب الهجرة الداخية، بما في ذلك حركة الفقراء من بلدان وقرى الريف إلى القاهرة. كذلك كان هناك حركة للسكان داخل المدينة، حيث كان وصول المستوطنين الأوروبيين، وأوْرَبَة الأحياء التي يشترون فيها الممتلكات، وارتفاع الإيجارات، يدفع الفقراء أكثر فأكثر إلى “المدينة القديمة”، ومع ازدياد الفقر وسوء التغذية والبطالة، سرعان ما أصبحت هذه الأحياء “الشرقية” مكانًا حيث يجد الفقراء مكانًا للعيش، وقد أصبحت أكثر ضيقـًا وتهالكـًا وإهمالاً.

 

 صورة لتراس فندق شبرد ويتضح من الصورة أن كل من يجلسون فيه من الأوروبيين في حين أولاد البلد هم جزء مهمل في فضاء الشارع

لقد كان النظام الاستعماري يعتمد على خلق واستبعاد نقيضه في آن واحد. ومن خلال استبعاد وإهمال كل ما هو شرقي حيث تكتسب الذات الاستعمارية نظافتها الظاهرية ونقاءها وهويتها. لقد كانت الذات الاستعمارية في حاجة إلى الإبقاء على البلدة الشرقية محلية كما هي، كما يحلل إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”  فالحي الجديد الاستعماري “المتحضر”، “النظيف” الذي يمثل “العقل” و”السلطة” محتاج أن يُعرض في مقابل ما هو “غير منظم، وقذر، وهمجي، ومهدد”.

ولهذا كان من الضروري إهمال الحي القديم. والتوسع في الأحياء الكولونيالية والتي تمتعت بسُكَنَاها تلك الجاليات الأوروبية التى فاضت بها البلاد في تلك الفترة وبعض الشرائح من المجتمع المصري.

وبالتدريج اختفت ملامح الشرق إلا من تلك الأحياء المهملة والتي تحولت إلى مجرد متحف قديم يعرض بضاعته القديمة لجمهور الزائرين العاشقين لتاريخه العتيق. تلك الأحياء القديمة كانت كل المدينة من قبل وكانت في الأزمنة العتيقة سكن الأمراء والباشاوات قبل أن يُنتقص منها ويُهدَم جزء كبير منها وتمتد يد الإهمال على الباقي. تلك المدينة التى أسهب ابن بطوطة في وصف مدارسها وعمارتها ومستشفياتها وزواياها وأسواقها تحولت إلى متحف!

الصورة للقاهرة القديمة لعام 1801 في الساحة الكبرى الرئيسية التى يتوسطها قصر مراد بك، منشورة من قبل Robert Bowyer:

ولكنه وحتى قبل مرحلة الاستعمار وعند شروع علي باشا مبارك في عملية التحديث، لماذا لم يفكر وقتها في التوسع ببناء أحياء تستمد مما شاهده في باريس تنظيمها وتخطيطها ولكن في آن واحد لا تفقد طرازها الشرقي وهويتها؟

لقد كان هناك انتقال من فكرة “الابتكار” إلى فكرة “النقل” وربما كان ذلك غير مستهجن وقتها لأن قوانين الطبيعة تحتم على الأضعف أن يتأثر بالأقوى ويحاول محاكاته.

ولكننا اليوم ومع الأسف انتقلنا من مرحلة النقل إلى مرحلة “التشويه” وانحطاط الذوق العام. لم نعد نرى القبيح قبيحًا ولم نعد نميز بين الحسن والسيئ. حتى ما تركه لنا من جاءوا قبلنا نقوم بتشويهه. انظر إلى أي مبنى سكني حولك حتى في أرقى الأحياء السكنية لتجد الواجهات مشوهة: فهذا قرر أن يُقفل بلكونته وهذا قرر أن يدهن شرفة شقته بلون مخالف لباقى شرفات العمارة وهذا قرر تبديل الشيش بألوميتال. ارتفاعات المبانى متناقضة ومتباينة ولا يحكمها طراز معين، الشوارع غير نظيفة ولا توجد أرصفة وإن وجدت فالمحلات تلتهمها التهامًا، باختصار: فوضى عامة!

هذا في الأحياء التي كان من المفترض أنها مخططة. ولكن الحال كارثي أكثر في العشوائيات التي تلتهم الأرض وتخلق ثقافة عشوائية تلتهم قيم المجتمع المتحضر التهامًا!

ولا أجد إلا ما توصل له علي باشا مبارك حين وجد أن حل مشاكلنا لن يتحقق إلا بأمرين: الانضباط، والتعليم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العمارة

المصادر

كتاب (استعمار مصر) للدكتور تيموثي ميتشل
كتاب (القاهرة) لـAndré Raymond
عرض التعليقات
تحميل المزيد