رحم الله من قدم الفهم على الإخلاص، ومن قدمهما على العمل وجعله ثمرة لهما، فلا عمل بدون فهم، ولا قبول بدون إخلاص.

ومن يدرك عظم التبعة، ويحيط بحجم المكائد التي تكاد لها يوقن أنه لا يستطيع أن يقوم بها وحده، وأنه بحاجة -بل يجب عليه- أن يضم جهده إلى جهود المخلصين المؤمنين بفكرته المتحمسين لها المستعدين للتضحية والبذل من أجل تحقيقها، وأن جهده مهما قل فسيعظم بالجماعة، ومهما عظم فلن يكون مؤثرًا بعيدًا عن الجماعة، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، ولأن فكرتنا إسلامية بحتة على قواعد الإسلام ترتكز، ومنه تستمد، وفي سبيل إعلاء كلمته تجاهد، فلقد آمنا أن العمل لهذه الفكرة العظيمة من خلال جماعة ليس ضرورة بشرية فحسب؛ بل هو فريضة شرعية.

ومما لا شك فيه أنه يسع الفرد ما لا يسع الجماعة، وأن الفرد داخل الجماعة محكوم بلوائحها، وأنه حين يتحرك باسمها فلا بد وأن يكون معبرًا عن فهمها وتصوراتها، عاملًا على تحقيق أهدافها، ملتزمًا بآدابها العامة، والتي من أوجبها السمع والطاعة لقيادته في غير معصية الله، والاحترام والتقدير المتبادل بينهما، وحفظ أمانة المجالس، وحسن الظن بإخوانه، والبعد عن كل ما يفرق الشمل ويشتت الجهود، ومتابعة الأخبار عبر قنواتها الشرعية، وبذل النصيحة في مكانها وعلى أتم وجه، وقبولها على أي وجه، والاحتكام إلى اللوائح عند احتدام الخلاف، ويجملها التحقق بأركان البيعة التي بايعنا الله عليها قبل جماعتنا.

قد يفسد الأخ من حيث يريد أن يصلح إن غابت عنه هذه المعاني، إن لم يلازم إخلاصه الفهم، فالذي أؤمن به أن كل من يسلك هذا الطريق من المخلصين، وخاصةً أنه طريق كله مغارم وليس فيه مغانم، ولكنه الفهم الذي قد يغيب فيضل الأخ الطريق الصحيحة الموصلة للهدف.

تحضرني الآن صورة النظام الخاص الذي أنشأه الإمام الشهيد حسن البنا عام 1936، إذ كانت البلاد واقعة تحت الاحتلال الإنجليزي، وكان اليهود يبذلون وسعهم لإحكام سيطرتهم على فلسطين، وكان الإنجليز وعملاؤهم يقفون بالمرصاد لكل حركة وطنية تسعى للتحرر، فتعرض الإمام الشهيد حسن البنا لسبع محاولات اغتيال نجحت الأخيرة منها في 12 فبراير 1949!

لكل هذا كلف الإمام الشهيد لجنة برئاسة الأستاذ محمود عبد الحليم لتكوين النظام الخاص، وكلفهم بمهام محددة وهي مقاومة المحتل، وحماية الدعوة ورجالاتها، والتصدي للمخطط الإسرائيلي لاحتلال فلسطين.

وخلف الأستاذ الفاضل عبد الرحمن السندي الأستاذ محمود عبد الحليم في رئاسة النظام الخاص عام 1941، وأبلى الرجل بلاءً حسنًا، وأوقع النظام الخاص الرعب في صفوف الإنجليز، وأبلى بلاءً حسنًا على أرض فلسطين عام 1948، وكانت له أعمال عظيمة لقي بها رضا الجماعة وقادتها، إلا أن الظروف التي كانت تمر بها الجماعة والبلاد قد أنست الأخ عبد الرحمن السندي وإخوانه في قيادة التنظيم أنه جزء من الجماعة، وأن له قيادة عليا اسمها مكتب الإرشاد، وأنه يجب ألا يقدم على عمل يخالف السياسة العامة للجماعة، وأنه يجب عليه أن يستأذن القيادة في كل عمل يقدم عليه، ولسوء فهمه ولشعوره بعظم دوره تسرب إليه الشعور بأنه هو الجماعة، وأنه ند لمرشدها، وعظم عنده ذلك الشعور عندما توفي الإمام الشهيد وحل محله الإمام حسن الهضيبي، وبدأ يعمل أعمالًا دون الرجوع للقيادة، مخالفًا السياسة العامة للجماعة، مما اضطر مرشد الجماعة بعد التحقيق إلى فصله من قيادة التنظيم، وأثار ذلك حفيظته وحفيظة مجموعة ممن التبس عليهم الأمر، فقرروا الخروج على المرشد وقسموا أنفسهم فريقين، فريق من الشباب يذهب إلى بيت المرشد ويجبره على الاستقالة، وفريق من الكبار يحتل المركز العام، ويعلن استقالة المرشد، والدعوة إلى انتخابات لتعيين مرشد جديد على قدر المرحلة ومتطلباتها! وكان بين هؤلاء الكبار فضيلة الشيخ محمد الغزالي والأستاذ صالح عشماوي والأستاذ عبد العزيز جلال، إلا أن الفريق الأول رغم إهانتهم للمرشد واقتحامهم بيته لم يفلحوا في استكتابه الاستقالة، وبعد التحقيق تم فصل السندي والثلاثة الكبار وغيرهم ممن أدانتهم التحقيقات من عضوية الجماعة!

كل هؤلاء الأفاضل أبلوا بلاءً حسنًا لخدمة دعوتهم، ولا يشك أحد في إخلاصهم، ولكنه الفهم، رحم الله من قدمه على الإخلاص، والثقة النابعة من الأخوة الصادقة، والتي لا قيام لجماعة إلا بها، والله أسأل أن يجمع كلمتنا، ويوحد صفنا، ويوفق قادتنا، ويؤلف بين قلوبنا، وألا يجعل للشيطان مكانًا بيننا إنه سميع قريب مجيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد