ما بين رغباتنا ورهباتنا تنحصر آمالنا، تتواجد أحلامنا وتتوارى آلامنا، تحلق مخاوفنا مصطدمة بجدار الرهبة؛ لتثنينا عما نريد، تنجرف شجاعتنا في اتجاه رغبتنا. كل هذا في آن واحد في صمت خارجي مؤنس وعالم داخلي مغمور بالتفكير والمجازفات وضوضاء شديدة الإزعاج، إلحاح بالنجاح وتهديدٌ بالفشل، بساطة في بداية الأمر وتعقيد يخلو من أي سهولة في نهاية المطاف.

 

صراع الوقـت والنـفس

 تنقضي الأيام وتمر السنون تلو السنين ونتقدم في العمر بمقدار “س”، وسرعان ما نبدأ – بالتزامن مع بداية كل عام – بتحضير الأُمنيات، ونأمل بزف البشريات لتحقيق ما تمنينا تحقيقه، ونُقدِّم المَشيئة لسعادة السنوات ولكن، هل يتحقق ما نريد؟! هل هذا ما تمنيناه العام الماضي؟! هل حققناه؟!

 بالتغلغل إلى طيات الأماني والرغبات الساكنة بقلوبنا، نجدها قد تراكمت وازدادت فوق بعضها، أو ربما نقصت أو ظلّت كما هي، لم يشأ لها أن تخرج إلى النور؛ فالحقيقة إما أننا نصنع أُمنيات غير واقعية أو أننا لا نستمر بالدعم للأماني، أو أن الزمن يسخر منا فليس هناك تقدم يُذكر إما بـ”ص” أو بـ”س” فالتقدم ليس بالسنين ولكن بمقدار “س”.

“وأن ليس للإنسان إلا ما سعى” فالسعي هو ما يُعترف به – لا العمر أو الحلم – ليس بما حلمنا به بل بما حققناه من حلم، ما أردناه وحصلنا عليه، ما رغبنا به ورهبنا أو نأينا عنه، ما رغبنا في عمله ورهبنا عن تغييره، التّمَني دائما موجود يُحدثه الملل أو يصنعه الواقع، يُرغمنا عليه الزمن أو حتى النفس ولكن يصحبه الرغبة أو تصحبه الرهبة.

 

الرهــبة المؤلمة

الرهبة من الممكن أن يفرضها علينا المجتمع أو الشارع أو العادات والتقاليد، رهبة قد ابتدعها فكرنا نفسه   – وحينها تكون في ذروتها – أو رهبة تجمع بين كل ذلك مترتبا على بعضه البعض، رهبة تكونت نتيجة تجربة أو نتيجة عدم تجربة أو نتيجة عدم راحة نفسية أو حُبٌ أو بُغض، رهبة مما ينتظرنا من مستقبل غامض، من مبالغة البعض في هامش الأمان للحاضر كي نتمتع بمستقبل زاهر.

ويباغتنا السؤال المُلح على هامش الرهبة؛ ممَ الرهبة؟ أو لمَ؟ أو لماذا؟ إن شئت فقل متى وأين وكيف ولمَ؟ أنرهب من مستقبل على حساب حاضر أم حاضر على حساب ماض، أم نندم على ماض فنرهب المستقبل؟ أأرهب من ترك عمل نكره أم من وظيفة لا تمُت لشخصي بصلة أو ترك دراسة فرضتها درجاتي؟ أو مجازفة التجربة؟ أو تأسيس شركة؟ أم نرهب من احتمال الخسارة؟

إن الحياة قصيرة، أقصر من أن نخشى المستقبل، أقصر من أن ننسى إنسانيتنا ومشاعرنا، أثمن من أن نكرس جهودنا لشيء لا يدخل قلوبنا، أرقى من أن نكرِّس جهودنا لمجريات الأحداث، من جعل الزمن والعمر يتحكم بنا فهو محض أرقام وهمية كُتبت على بعض الأوراق التقليدية للدلالة على انتمائك لزمان ومكان ربما يسيء معاملتك كإنسان.

 

الرغـــبة المُلـحّة وصدقنا مع النفس

بمقابل الرهبة تأتي رغبة، صدق رغباتنا في هذه الحياة وتحديدها هو ما ينبني عليهما تحقيقها، تركيز قوانا على ما نريد، إيماننا بما نفعل وعلى قدر الإيمان يأتي الثواب والأهم هو ثقتنا بأنفسنا.

يقول الشهيد سيد قطب – رحمه الله – “آمن أنت أولًا بفكرتك، آمن بها إلى حد الاعتقاد الحار، عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون، وإلا ستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة”.

لكن الرغبة ليست تلك الدفعة التي تحرك السيارة عندما تتلف بطاريتها، ليست تلك التي تعطي الأمر للروبوت أو الطيار الآلي لكنها معادلة من الدرجة الأولى، معادلة موزونة وخطواتها مدروسة للحصول على الغاية المرغوبة.

دوراً  “The secret” المبني عليها كتاب “The law of attraction theory”ربما تكون لنظرية سواء اتفقنا مع المؤلفة أو اختلفنا في مدى تحقيق النظرية في حالات قضائية كانت أو قدرية، لكن من ينكر دور الشغف في حيثيات النجاح.

لكنها معادلة مُدخَلاتها هي بداية الطريق يضاف إليها الوسائل الممزوجة مع الصبر والمثابرة مع اشتراط  وجودها في درجة الشفافية والصدق مع النفس، وتوضع على موقد الأمل وبين طيات الكتمان، مع وجود المحفزات وإظهارها للنفس وإغرائها لكي تنتج —-> الغاااااااااية.

وحينها تكون الرغبة قد تحققت وتملأ التنهيدة الرئتين ويكأنهما لم يعملا من قبل وينتفض القلب بدقاته كما ولو أنه قد خُلق من جديد، وسرعان ما يلتقط القلب رغبة أخرى مملوءة بالمغامرة وارتفاع مؤشر الثقة وانخفاض المقاومة وازدياد السرعة.

 

الندم وعدم المجازفة

وأخيرًا، كما قال “مارك توين” (كاتب أميريكي):

“ستندم بعد عشرين عاما وتشعر بخيبة أمل كبيرة ندمًا على ما لم تفعله وليس على ما فعلته، وهذا يعني أن عليك التحرر من القيود التي تعرقلك، أبحر بعيدًا عن الميناء الآمن وألق نفسك في مواجهة الرياح العاتية؛ استكشف واحلم واستطلع”.

إن العظماء لم يولدوا عظماء ولكن رغبتهم في النجاح أوصلتهم، مجازفتهم للتغيير ساعدتهم، تقبل الخسائر زادهم إصرارًا، تحقيق رغباتهم مجَّدهم والأهم كبح رهبتهم مع إطلاق رغبتهم حتى لا يحدث أي ندم، ومؤشر الحياة في النجاح ليس سوى تجارب أو تحقيقات بارزة ملموسة سواء باءت بالفشل أو نجحت متداركًا النجاح بنجاح والفشل بمحاولات.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد