مع بزوغ شمس العالم الرقمي وذيوع الإنترنت، بدأت الكثير من مجريات الأمور يطالها التغيير، سواء على صعيد الاتصالات ومصادر المعلومات وحركات التجارة المحلية والعالمية، بل حتى عالم الجريمة. بدأنا نسمع عن تكنولوجيا المعلومات والموسوعات الرقمية والكتب الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي و«الهاكرز» والقرصنة الإلكترونية وعولمة الجريمة. ولم يسلم الإعلام من موجة التغيير، فمع السماء الإعلامية المفتوحة التي تجول بها مئات الأقمار الصناعية الإخبارية، تواجد وبكثافة العالم الرقمي المتمثل في الإنترنت، وما أضافته من تغيير جذري في عمل وطريقة عرض المنظومة الإعلامية.

الصحافة تخضع للتغيير

على صعيد الصحافة – ومنذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي – أخذت طبيعة المنافسة بين الصحف الورقية منحىً إضافي، حيث ظهرت المنافسة مع الصحف الإلكترونية، وتعبر صحيفة (هيلزنبورج دجبلاد) السويدية أول صحيفة إلكترونية في العالم، والتي نشرت في عام 1990م، وفي عام 1993م أطلقت صحيفة «سان جوزيه ميركوري» الأمريكية نسختها الإلكترونية، تلاها تدشين صحيفتي «ديلي تليجراف، والتايمز» البريطانيتين لنُسختهما الإلكترونية عام 1994م، وفي عام 1994 أيضًا أنشات «شيكاغوا أونلاين» أول صحيفة إلكترونية على شبكه «أمريكا أونلاين»، أما عربيًا فكانت صحيفة «الشرق الأوسط» أول صحيفة إلكترونية عام 1995 ثم صحيفة «النهار» اللبنانية في عام 1996، وتُعد صحيفة (إيلاف) التي صدرت في لندن عام 2001م أول صحيفة إلكترونية عربية.

وتوالت الإصدارات الصحفية الإلكترونية تباعًا، ومع تزايد أعداد مستخدمي الإنترنت بدأ يضمحل عدد قراء الصحف الورقية، حتى بات الأمر مؤخرًا يمثل تهديدًا جسيما لمستقبل الصحافة الورقية، خاصة مع التميز الإضافي للصحيفة الإلكترونية عن مثيلاتها الورقية، بما تحويه من تقنيات عرض النصوص والرسوم والفيديوهات الحية، وبعض الميزات التفاعلية.

بل لقد تجاوز غزو الصحف الإلكترونية كافة الخطوط الحمراء، وصار بالفعل غزوًا يهدد صرح الصحافة الورقية العتيق، حيث أعلنت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» عن إيقاف نسختها الورقية نهائيًّا، بعد انخفاضها إلى 200 ألف نسخة، والاكتفاء بنسختها الإلكترونية التي يتجاوز زوَّارها المليون قارئ، أما صحيفة «اللوموند الفرنسية» فوصلت إلى حافَة الإفلاس؛ حيث وصلت ديونها إلى 150 مليون يورو العام الماضي، في حين تحقق نسختها الإلكترونية نجاحات متواصلة بين الشعوب الناطقة بالفرنسية، ولولا دخل الإعلانات المرتفع لبعض الصحف الورقية لتوقفت بدورها.

وطالت الخسائر الماليّة عشرين من أصل خمسين صحيفة أمريكية رائدة. وبسبب الخسائر اضطرّت صحيفة «نيوزويك» الأسبوعيّة إلى إيقاف نسختها الورقيّة في ديسمبر (كانون الأول) 2012م، بعد ثمانين عامًا من تأسيسها، وتراجعت مستويات انتشار الصحيفة من 4 ملايين نسخة في 2003م إلى 1.5 مليون نسخة في 2010م، في حين شهدت عائداتها الإعلانيّة انهيارًا أكبر، ما حثّ «واشنطن بوست» على بيع الصحيفة الأسبوعيّة لرجل الأعمال الأمريكي «سيدني هارمان» في عام 2010م، مقابل مبلغًا رمزيًّا قدره دولار واحد، فدمجها هذا الأخير في إصداره الإلكتروني «ديلي بيست».

مستقبل واعد

يرى المراقبون أن مستقبل الصحافة الإلكترونية واعد، وتيارها جارف، خاصة مع قلة التكلفة التي يتحملها القراء؛ إذ تمكنهم الإنترنت من جولات مجانية في كافة الصحف المفضلة في حرية وسهولة تامة لا تتوفر في الصحف الورقية، فضلًا عن التحديث المستمر كل ساعة للصحف الإلكترونية؛ مما يجعلها مواكبة للحدث، ومتميزة، فيما يعرف بـ «السبق الصحفي»، وتلك ميزة لا تتوفر في نظيرتها الورقية التي تعتمد على التحديث اليومي مع صدور كل عدد، بل إن هذا التحديث الإلكتروني المتجدد على مدار الساعة، يمكن القائمين على تحرير الجريدة من تعديل خطأ ما أو تصحيح معلومة أو إضافة توضيح أو غيره من لوازم المواكبة الإخبارية.

لقد صار المصطلح الإعلامي «حصاد اليوم الإخباري» مصطلحًا قاتمًا عتيقًا في ظل التحديث الآني للخبر، حتى إن المتصفح قد يطالع للخبر الواحد أكثر من عنوان متسلسل خلال بضعة دقائق؛ الأمر الذي يمكنه من تقييم الحدث ومواكبة تطوره ومعايشته له لحظة بلحظة.

ومما يضيف من فاعلية وحيوية الصحف الإلكترونية مساحة الحرية الفضفاضة المتاحة لها، والذي يشمل المادة التحريرية وتعليقات القراء أيضًا الأمر الذي يزيد من جاذبيتها وتفاعل القراء معها، على عكس الصحف الورقية التي تبدو وكأنها آلة صماء صممت لتلقي القارئ فحسب دون أي مردود شخصي منه، سوى آراء يحتفظ بها لنفسه.

والثراء الذي تتمتع به الصحافة الإلكترونية مبهر، وجاذب للقارئ، بشكل لافت لإمكانية تضمين الخبر صور عديدة أو مقاطع صوتية أو لقطات فيديو مصورة؛ مما يجعل التغطية أكثر تفاعلية للقارئ وتعايشًا مع الحدث.

أما سهولة التصفح واسترجاع الأخبار، فيوفرها أرشيف صحفي ضخم يُتيح الحصول على المعلومات بسهولة ويُسر من خلال محركات البحث، هذا فضلًا عن عدم حاجة المؤسسات الصحفية الإلكترونية إلى تكاليف الطباعة والورق والتراخيص الرسمية والمقر الموحد والثابت الذي يحوي كل الكوادر العاملة؛ فالصحف الإلكترونية اليوم يعمل أغلبها عن طريق المراسلة الإلكترونية من منتسبيها، سواء فريق التحرير أو الهواة أو حتى القراء أنفسهم من مختلف أرجاء المعمورة مع تنوع جنسياتهم وثقافتهم.

تحديات جسام

ليس طريق الصحافة الإلكترونية مفروشًا بالورود، بل يكتنفه تحديات جسيمة، تتمثل في ضعف موارد التمويل، لكن مستقبل الإعلان على النت يبشر بكثير من الخير، وربما يمثل مستقبلًا ورافدًا هامًا لتدعيم مسيرة تلك الصحافة الواعدة.

أيضًا غياب الرقابة على هذه الصحف يطعن في مصداقيتها بعض الشيء، حيث بات العديد من هذه الصحف مصدر للشائعات والأخبار الجذابة العارية من الصحة، كذلك تفتقر أغلب هذه الصحف إلى المهنية الرصينة وهيئة التحرير المدربة وشبكة المراسلين الجيدة، وصار عملها مجرد استنساخ من الصحف المحلية والعالمية ووكالات الأنباء، لذلك يمثل ضحالة المحتوى ضربة موجعة للصحافة الإلكترونية، خاصة مع غياب التشريعات والقوانين واللوائح المنظمة لعملها.

إن الصحافة الورقية تواجه بالفعل أزمة في مواجهة طوفان إلكتروني هادر، في ظاهرة يصفها أحد المحللين بأنها حالة مضطربة متنازعة بين «قديم» لم يمت بَعد و«جديد» لم يبصر النور. لذلك سعي أساطين الصحافة وخبرائها إلى محاولات لبث الروح من جديد في الصحافة الورقية وإنعاش دورها، ولكن بتخصصية أكثر ومهنية أعمق، حيث يرون أنه لا مجال للمنافسة في وتيرة تسارع الأخبار، وإحالة المواكبة الخبرية إلى الموقع الالكتروني للصحيفة الورقية، واقتصار الصحف الورقية على ميزات شديدة الخصوصية كالتحليلات العميقة لكبار الكتاب، والمقالات الرصينة لجهابذة المختصين، والحوارات والتحقيقات الشيقة لفريق التحرير المدرب.

لا أمل في انعاش الصحف الورقية إلا بفريق عمل عالي التخصص في مجالات مختلفة يستبق وقوع الحادثة برصد المؤشرات إليها وترجيح مآلات الحوادث، سواء كانت اجتماعية أو انفعالية أو اقتصادية أو ثقافية أو سياسية. وأثرها البالغ الذي يؤذن بتغيير أو منعطف أو بقاء الأمور على حالها.

وعلى خلاف متصفحي الإنترنت الذين ينتقلون من عنوان لآخر، توجه الصحيفة القارئ وتجنبه تضييع الوقت وتحفزه على الاطلاع المعمق على موضوع قد يبدو لأول وهلة في عصر السرعة الرقمية أنه غير هام.

كما ينبغي أن تتحرر الصحيفة الورقية من سلطة المال ورجال الأعمال «الصحافة الموجهة»؛ لأن بعض الصحف الورقية وقعت في هذا المستنقع وفقدت مصداقيتها؛ حين كرست سياستها لتدعيم توجهات فئة معينة ومصالح شخصية، الأمر الذي طال شفافيتها وحياديتها ومصداقيتها؛ وبالتالي فقدت عشاق الحرية الفكرية الذين وجدوا ضالتهم في الصحف الإلكترونية بما تتمتع به من مساحة حرية كبيرة وتفاعليه جيدة مع القراء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصحافة
عرض التعليقات
تحميل المزيد