«فهل ستسترد مصر (الوعي الحر) يومًا؟» هكذا ختم «توفيق الحكيم» مذكراته التى شاء القدر أن تبصر النور، وتطبع كتابًا، بعنوا ن «عودة الوعي»، ليفاجأ القارئ بحجم الزيف الذي حُشيت به عقولنا، ودرس لنا في المناهج الدراسية عن «ثورة 23 من يوليو المجيدة» وعن الحرية والإصلاح، وإلى ما هنالك من الترهات والشعارات البالية، ليس لأن الحرية والإصلاح رجس من عمل الشيطان، بل لأن ما ألبسوه تلك المسميات، والشعارات البراقة، كان هو الرجس بعينه.

يحكي «الحكيم» في كتابه عن ثورة، لم يكتب لها ما كان  الشعب منتظرًا، ذلك الشعب الذي كبر وهلل لها منذ قيامها، وصار يغني باسمها، ويسبح بحمدها إلى يومنا هذا، مع أنها هي ذات الثورة التي وعدته وأخلفت، كتب الحكيم مذكراته عنها، بعد عشرين عامًا من تلك الثورة، واصفًا موقفه منها بغياب الوعي عما كان يحدث، أو بتغييب العاطفة العمياء للعقل، وما يبصره النظر، ويراه رؤيا عين يكذبه القلب، ويأبى أن يصدقه العقل.

غياب وعىٍ إزاء ما تمخضت عنه من سلطة تدعي النصر والإنجازات، لكن الحقيقة المرة أنها كانت كل يوم تخسر حروبًا وتقدم تنازلات، وكيف كنا في تلك الفترة نخرج من الحرب منهزمين متكبدين الخسائر في الأرواح والعتاد، وقد ضاعت منا ملايين الجنيهات، ثم يقوم الإعلام بدوره المعهود، منذ ذلك التاريخ، بزف البشرى، وعزف ألحان النصر والعزة!

عودة الوعى.. وصِدام الواقع

«فهل ستسترد مصر الوعي الحر يومًا؟» ربما إذا سألنا أنفسنا هذا السؤال، بعدما يقرب على الخمسة وأربعين عامًا منذ خط « توفيق الحكيم» عودة الوعي سنحار في وصف ما آلت إليه أحوالنا اليوم، واليوم بالتحديد. بت أتساءل وأتعجب من واقعنا؛ إن كان الوعى قد عاد، وأراه قد عاد لفئة عريضة من الشعب، يغلب عليها الشباب، ولكن أرى في الجانب الآخر همجًا رعاعًا، أتباع كل ناعق، نافِقِ الضمير.

فأتساءل هل استردت بذلك مصر الوعي الحر أم ماذا؟

إن رموز السلطة باتوا يحسبون حساب كل كلمة نتفوهها، وكل نسمة هواء معكرٍ من أثر أفعالهم نتنسمها، وراحوا يوقفون كل من اتخذ من جهاد الكلمة سبيلًا له، ولم يدخروا جهدًا في التربُص لحناجرٍ وأقلامٍ حرةٍ؛ أبت السكوت ومجاملة الباطل، ولعب دور الشيطان الأخرس، فأخذوا يعتدون، ويتعدون حدود العقل؛ لشدة خوفهم من أن تهز الكلمات قرار عروشهم الباطلة الزائفة، وأمسوا وأصبحوا ينافسون أنظمة الفساد العالمي على مراكزه الأولى، وألفوه، حتى أصبح دينهم وديدنهم، لا أعلم لأي حد سيستمر، وسيصل سعارهم المستعر، ولكنى بت أتوقع أسوأ أنواع القمع آتية في الطريق، حتى أنى صرت أجزم أننا سنستيقظ يومًا؛ لنجد ازدراء الذات الرئاسية تهمة جديدةً أضيفت إلى القانون، تؤيدها فتوى شرعية، لقد وصلنا إلى يوم أن كان الحكيم يتساءل عنه، فهو اليوم، ولكنه ولى عن دنيانا، لترحم روحه من معايشة ذلك الواقع المرير، الذي نكابد أنفسنا، ونحن نعيشه، حاملين قلوبنا على الأكف، وممسكين بعقولنا؛ خشية السقوط فى هاوية الجنون.

إرهاصات ثورة.. وما بعدها

جاءت  بعد آخر ثورة عاصرها الحكيم انتفاضات شجب واستنكار لنظام ما قبل ثورة يناير، كان على إثرها تقع أعمال قمع واعتقالات، لكن لم تتضخم الأمور بهذا السوء  الذي نشهده اليوم، ولقد تمخضت تلك الانتفاضات عن ثورة يناير، وكانت لتكون في أحسن حال، إلا أن الفساد المستشري أخذ يتشكل في كل تيار، وحزب؛ لجني المكاسب لنفسه، والاستيلاء على السلطة، فيراودنى ذلك السؤال الصعب على النفس طرحه:

ماذا كان ليحدث، لو لم تكن هناك ثورة من الأساس؟ أوَ لم يكن من الأفضل، لو كنا بقينا على حالنا؟ ولم تأخذنا الحمية للتغيير ويتبادر لوعينا حلم الإصلاح؟ أو لم يكن حالنا أفضل من الآن؟  لكن أعود وأقول لنفسي: لو لم يكن للثورة، غير أن أسقطت القناع عن وجوه كثيرة، كنا نحسبها يومًا رمزًا للنزاهة والمصداقية، لتكشف عن الوجه البشع للتلون والنفاق المركز متقن الصنع،  لكفى بها مكسبًا، لو لم يكن للثورة غير أن غربلت ضمائر ونوايا وكشفت حقيقتها، لكفاها.

وتبقى التساؤلات  التى تطرح نفسها الآن: إلى متى؟ وإلى أين؟ وإلى أى؟  إلى متى ما نحن فيه سيظل وسيستشري؟ وإلى أين سيوصلنا؟ وفي أية محطة سيتوقف قطار الموت الذى أُجْبِرنَا على صعوده؟ وإلى أية محطة سيأخذنا ذلك القطار في الأيام المقبلة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد