أزعم أني عاصرت ثلاثة عصور مختلفة تغير فيها شكل الحياة تماما رغم قصر المدة، وأول هذه العصور كان عصر ما قبل الدش والفضائيات، ثم عصر الدش والكمبيوتر، ثم عصر مواقع التواصل الاجتماعي. ولقد رصدت تغيرات عاتية عصفت بنا ربما تمثل حكايات خرافية لمواليد التسعينات ومن بعدهم الذين ربما لا يتخيلون الحياة بدون قنوات فضائية على مدار اليوم أو هواتف ذكية. ولكن هل صارت حياتنا أفضل؟ وقبل أن تتسرع في الحكم على كلامي فأنا لن أحدثك عن حلاوة زمان وأيام زمان، وأتباكى على هذه الأيام وأتمنى أمنية مستحيلة أن تعود، ولكني فقط سأحاول رصد هذا التغيير كمحاولة لفهم الواقع والبدء في ترشيده وتحسينه.

في الثمانينات (فترة طفولتي) كان التلفاز قناتين فقط، ويبدأ الإرسال (على قدر ما أتذكر) من بعد الظهر وحتى العصر ثم ينقطع ليبدأ من جديد من الساعة الخامسة وحتى العاشرة مساء عدا يومي الخميس والجمعة حيث تطول الفترة قليلا، ومع مرور الوقت زادت ساعات البث ثم زادت القناتان فصارتا ثلاثًا، وبالطبع لم تمتلئ ساعات البث تلك ببرامج رائعة وأفلام جميلة ولكنها كانت تمتلئ بالكثير الممل، والإعلانات المملة، والقليل من البرامج الجاذبة، وبالتالي كان إجبارنا على تقليل ساعات المشاهدة للحد الأدنى، فربما يمر أسبوع كامل قبل أن أجد فيلما واحدا يستحق المشاهدة مع ثلاثة برامج سطحية للأطفال، وربما مباراة كرة قدم، وبالتالي كان للراديو دور في حياتنا، والذي كان يذيع الكثير من الأغاني القديمة، ولذلك لم يكن غريبا أن أحفظ أغنية قارئة الفنجان وأنا لا أزال ابن سبع سنوات فقط.

هذا بالطبع صنع لنا أوقات فراغ عديدة. فكيف كنا نملؤها؟ كنا نخترع ألعابنا بأنفسنا مما أطلق لخيالنا العنان وعودنا الابتكار والتفكير والمهارة في استخدام المخلفات لصناعة ألعاب بسيطة نتسلى بها، كما كنا نلعب كثيرا الكرة في الشارع وألعاب الجري المختلفة، وكم أتعجب الآن عندما أرى خلو شوارعنا ممن يلعبون الكرة إلا في القليل النادر بعد أن اكتفوا بلعبها على البلاي ستيشن، وأيضا كنا نتسلى بالتجمع للعب الكوتشينة وغيرها من ألعاب الذكاء فنفكر ونضحك ونتشاجر وبالتالي نختلط ونتعلم كيف نتعامل في مختلف المواقف لتنمو شخصيتنا بصورة طبيعية.

أما العائلات فكانت كثيرة التزاور (كل أسبوع في الغالب)، وعندما تجتمع تجد الكثير من النقاشات والضحك والسهر، وأما في الصيف يجتمع الجيران مع مختلف أنواع المأكولات والمشروبات وتدور الأحاديث التي كنا نصغي إليها بشدة حيث نتعلم الحياة ونستفيد من تلك المواقف التي يحكون عنها.

ولكن في الثمانينات أيضا بدأت إرهاصات التحول، فليست الثمانينات فترة ذهبية تراحمية كما تصفها السطور السابقة وإنما بدأت العائلات في التفكك حيث أخذ كل ابن في كل أسرة يبحث لنفسه عن مكان بعيد عن بيت العائلة ليتزوج فيه، وغالبا ما يكون في منطقة منعزلة بعيدة يضطر معها إلى الابتعاد عن أهله بالشهور الطوال ليكبر الأحفاد منقطعي الجذور، بروابط واهية مع عائلاتهم، ومع مرور الوقت بدأت هذه الأسر الصغيرة تشعر بالخوف من الوجود منفردين في بحر الحياة دون سند حيث انقطعت الروابط المتينة، وعلم كل فرد أنه إذا حدث له مكروه فإنه لن يجد من يعينه ويقف بجانبه فيه، ولن يجد أكثر من اتصال تليفوني روتيني أو على الأكثر زيارة سريعة يقوم بها أحدهم حتى يزيح الواجب من فوق كاهله، وبالتالي علم الجميع أن السند الحقيقي لهم هو المال، فهو الذي يستطيع أن يخفف مصائبهم ويلحقهم في أي مكروه يصيبهم، حتى وصل الأمر الآن إلى أن يربط العائلات ببعضهم رسالة جماعية يرسلها أحدهم بضغطة واحدة للكثيرين في نفس الوقت على الواتس آب أو الفيسبوك ليعلن بها أنه حتى لم يكلف خاطره للتفكير فيك بشكل منفرد وإنما هي رسالة آلية للجميع لا تحمل أية مشاعر خاصة.

وأيضا في الثمانينات بدأت المرأة في النزول إلى معترك العمل (وهذا حقها) لكن دون أن يتم تغيير في نظرة الرجل لها مما دفعها لتحمل عبئين معا، فباتت تحمل عبء المرأة العاملة وفي نفس الوقت عبء ربة البيت التي يجب أن تقوم وحدها بعبء البيت كله دون مساعدة الرجل مما جعلها تقصر في العملين، مما انعكس على الأبناء وتربيتهم ونظرتهم للحياة التي بدأت تتشكل من خلال قنوات أخرى كالتلفاز والدروس الدينية والكتب الصفراء والسلع الاستهلاكية المتاحة.

وأيضا في الثمانينات بدأت الأفكار الوهابية في غزو المجتمع المصري مما انعكس على التدين الشعبي البسيط، مما جعله شكليا طقوسيا ليس له أثر في تعاملات الناس وأخلاقهم فظهرت بوادر الفتن الطائفية والنصب باسم الدين في شركات توظيف الأموال والفتاوى الغريبة الشاذة والتدقيق المبالغ فيه في الفروع والقشور مع إهمال الأصول، وبالطبع فقد ظهرت آثار كل ما سبق في التسعينات وبداية عصر الفضائيات والكمبيوتر.

كان أول تعامل لي مع الكمبيوتر في منتصف التسعينات، ولم أتعامل مع الفضائيات ولكني كنت أكتفي بما أسمعه عنها من أصدقائي ومن حولي، ويمكنني أن أقول أننا فقدنا الكثير مما استمتعنا به في الثمانينات في هذه الفترة، فالزيارات العائلية تباعدت، ولقاءات الجيران تناءت، وحتى الأسر الصغيرة (الأب والأم والأبناء المراهقون) بدؤوا في الانفصال عن بعضهم البعض، فالمراهقون بدؤوا يجدون أنفسهم مع أصدقائهم وبالتالي فضلوا البقاء مع الأصدقاء على زيارة العائلة الكبيرة، وبدت علاقتهم بأصدقائهم أهم من أية علاقة أخرى، واطلع المراهقون على الجنس بغزارة لم تتوفر لآبائهم وغرقنا في بحر من المجلات والأفلام الجنسية المتوفرة والتي كانت تستلزم مجهودا في توفير مكان وفيديو وشريط وخلوة للتمكن من مشاهدة الفيلم وممارسة العادة السرية علنا أمام الأصدقاء (الذين صاروا هم العائلة الجديدة لأنهم هم من يفهموننا ويقدرون مشاعرنا في حين بعدنا عن العائلة الكبيرة كما انشغل الأب والأم عنا بأعباء الحياة، وكما فقدنا القدوات الصالحة حيث لا كاتب مؤثر ولا فنان يهذبنا)، وبالطبع ما كان لنا أن نستمر دون قدوات حتى وجدنا ضالتنا في مشايخ السلفية أو الدعاة الجدد في أواخر التسعينات أو الفنانين الساقطين.

والغريب أن هذه القدوات يجمعها رابط واحد هو المظهرية والشكلانية والبحث عن المال والمكسب (وإن لم يتبين لنا ذلك بالطبع)، وتميزت هذه الفترة بسرعة التطور مما جعلنا جميعا نحصل على الفضائيات والكمبيوتر، فبات عندنا قنوات فضائية ٢٤ ساعة تحمل لنا كل ما حرمنا منه في أية لحظة نستطيع العثور على فيلم جميل أو برنامج مميز أو حوار مثير، أو امرأة شبه عارية، وكانت صدمة لنا أن نرى خناقات الفضائيات وظهور شكل إعلامي جديد مثير جدا ولكنه هادم للأخلاق والقيم والاحترام، وكانت خلاصة هذه الفترة هي الضياع حيث لا قدوات صالحة ولا قدرة على التخطيط للمستقبل بشكل صحيح، ولا علاقات دافئة مع العائلات والآباء والأمهات والجيران، ولم يتبق لنا سوى علاقات الصداقة، حتى ظهر الإنترنت وغزا حياتنا فتغير أسلوبنا تماما.

وصرنا الآن في العصر الثالث حيث عصر مواقع التواصل الاجتماعي وحيث الكثير من الإيجابيات والسلبيات، ومن إيجابيات هذه المرحلة: الاطلاع على الحياة في مختلف أنحاء العالم مما جعلنا نلمس الفوارق والمتشابهات بيننا وبين الناس في العالم، وجعلنا نتطلع للحاق بركب المتقدمين والفائزين، كما جعلنا أكثر قدرة على الوصول للحقائق والتأكد من صحتها، والأهم من كل ذلك بات عندنا القدرة على التعبير عن أنفسنا وآرائنا وأفكارنا، فأصبح على من يشعر بألم بسيط أن يبلغ كل من في صفحته عن ألمه ومشاعره ليجد أكثر من شخص يشاركه مشاعره ويعلن تأثره، وأصبحت هناك فرصة لكل فرد أن يقول رأيه ويشعر أنه مؤثر.

أما عن سلبيات هذه المرحلة فمنها: تحطم الروابط بين الأسر والقضاء على روح التجمعات حيث ينشغل كل فرد بجهازه ليتواصل مع مجموعات أخرى غير الذين يجلس معهم بالفعل سواء كانوا زوجته وأبناءه أو أقاربه أو أصدقاءه، وعدم التمتع بلحظات المشاعر الإنسانية الحقيقية حيث صارت مناسبات جيدة لالتقاط الصور ونشرها عبر حسابات التواصل الاجتماعي وإثارة التعليقات والإعجابات عليها، وكأننا نخشى على فوات هذه المناسبات وعدم تكرارها فنحبسها داخل صورة لنستمتع بها فيما بعد، في حين أننا في سبيل ذلك نفقد المتعة الحقيقية من المناسبة نفسها.

كذلك صار كل فرد منا جزيرة منعزلة عن الآخرين فنضحك مع ذلك الجهاز بين يدينا، ونحزن معه، ونشكو له، ونتحدث معه، ونشعر به، ونحب فيه، بل ونشبع شهواتنا به فيجلس الشاب بجوار أبيه ليشاهد مشهدا جنسيا مستمعًا عبر السماعات دون أن يلاحظ أحد شيئا، وصرنا في الصباح ننظر لمن يرشحه لنا الفيسبوك لنهنئه بعيد ميلاده بعبارة مقتضبة أو صورة كعكة شهية لا تكلفنا شيئا ولا يستطعمها المحتفل به، ثم في الأعياد نكتب عبارة واحدة مثل (عيد سعيد، وعمر مديد، وتلبس جديد في جديد، وصحة بمب وحديد) ثم نرسلها للعشرات دون أن نشعر بعاطفة تجاه من نرسل إليهم ولا نرى في أعينهم نظرة امتنان وتقدير لتهنئتنا له، بل وصار هناك من يهدد من يهنئه كاتبا على الفيسبوك (اللي هيعمل لي تاج في صورة خروف العيد هعمله بلوك علطول)، ومن ثم تحولت العواطف إلى كلمات جامدة لا قيمة لها.

والسؤال الآن، إلى أين نحن ذاهبون؟ نحن ذاهبون إلى جحيم فردي يحرق ساعات أعمارنا تباعا لنفاجأ بعدها أننا لم نحقق شيئا في حياتنا، وسيكون فشلنا الأكبر في تكوين علاقات دافئة حقيقية مما سيفرض علينا وحدة شديدة وخوفًا رهيبًا من المستقبل، وبالتالي سيزيد تقديسنا للمال لأننا سنشعر معه أنه القادر الأول على حمايتنا وإنقاذنا من المواقف المختلفة، ولم يعد أمامنا سوى ترشيد علاقتنا بالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي حتى نجعلها مساعدا لنا في الاحتفاظ بعلاقتنا الدافئة مع الآخرين بالاطمئنان الدوري عليهم دون أن يقطع ذلك علاقتنا الفعلية بهم، فلنحولها من مواقع تواصل اجتماعي إلى مواقع تواصل دافعة للاجتماع، فلا نجعلها تحتل محل العلاقات، وإنما تكون فقط شرارة إشعال هذه العلاقات، لابد أن نحرص على هذه العلاقات الدافئة لأنها الثروة الحقيقية للإنسان، ولا أمان للإنسان في حياته دون أن يشعر بأن هناك بشرًا حوله يحبونه ويحرصون على لقائه ويشعرون بمشاعره ويشاركونه فعليا في مواقف حياته المختلفة.

لا حل أمامنا إلا تقليص ساعات التلفاز إلى أقل ما يمكن، وتغيير طريقة تعاملنا مع وسائل التواصل الاجتماعي كلها حتى لا تحرمنا مشاركة بعضنا البعض في حياتنا، واعلموا أن الهاتف لو كان ذكيًا حقا لاستطاع أن يمد يده ليمسح دمعة في عيوننا أو ليضرب كفه بكفنا على أثر (ألشة) مضحكة، فلا بديل عن الإنسان، وكلنا نحتاج بعضنا حتى نعيد للإنسان فينا إنسانيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد