بعد قرابة الثمانية أيام، عاد خُرافة إلى قبيلته بني عُذرة دون أغنامه، وعندما سألوه عن أغنامه وسر غيبته هذه المدة على غير العادة، أخبرهم بأنه قد قاد غنمه بعيدًا نحو أطراف البادية، واكتشف هناك واحة عظيمة خلف التلة، ليس بها أحد غيره وأغنامه، وبها بحيرة كبيرة من الماء الصافي، والعشب فيها مد البصر، فترك غنمه ترعى في العشب واستراح هو تحت ظل شجرة، ثم غلبه النوم، وعندما استيقظ لم يجد أغنامه، فضلًا عن أنه لم يجد الواحة أصلاً!

ولم يجد في المكان إلا الجن الذين كبلوه، وتعاركوا بينهم على مصيره، بين من يريد قتله وبين من ترأف بحاله، وبعد مشادة طويلة بينهم جاء كبير الجن وحكيمهم وأمر بتركه، وظل خُرافة يقص عليهم مثل هذه القصص عن هيئة الجن وضخامتهم والممالك التي يحكموها حتى أخذته العرب مثلًا، وأخذوا يقولون من بعدها على كل حديث يسمعونه ولا يُصدقه العقل «حديث خرافة».

 وبالشكل ذاته، وإن تغيّرت الطريقة يأتي اليوم بيتر ميمي بعد ثمانية سنين ليقص علينا أحداث إخترعها في عقله كما فعل خرافة، آملًا أن نصدقها، ثم أخذ يزوِّر في تاريخ عاشه ملايين المصريين، وشاهده العالم كله مباشرًا دون أدنى عقلانية منه ومنطق.

 فأي عقل هذا الذي سيصدق أن اعتصام رابعة العدوية كان مسلحًا، وقد كان فض الاعتصام على مرأى ومسمع من العالم كله؟ وقبلها كانت الوفود الأوروبية والأفريقية، والمحلية تتوالى إلى الميدان؟ وهل من المنطق أن يكون مئات الآلاف من الناس مسلحة ثم لا يقتلون من الطرف الآخر سوى بضعة أشخاص؟

وإن صدق عقل هذا، فأي عقل هذا الذي سيصدق أن ضباط أمن الدولة يتعاملون مع الشعب باحترام وكرامة؟!

ولا تكاد تمر بضعة أيام إلا ونرى حادثة إهانة وسحل للمواطنين المصريين في الشوارع من قِبل ضباط الشرطة، فضلًا عن تعاملهم في الأقسام ومقرات الاحتجاز التي رأى الناس جميعهم فيديوهات تعامل الأمن مع المواطنين داخل أقسام الشرطة بعد ثورة يناير المجيدة، بل يرى الجميع أبناء الضباط يُعاملون الناس وكأنهم خدم وعبيد في كل شارع وزاوية من البلاد، وفيديوهاتهم منتشرة على كل موقع.

فهل سيصدق الناس بيتر ميمي أم أعينهم؟!

 رحم الله المتنبي حين قال:

  وليس يصح في الأذهان شيء

 إذا احتاج النهار إلى دليل

 وهذه الحقائق مثل النهار لا تحتاج إلى دليل، فستظل رابعة أكبر مجزرة لمتظاهرين سلميين في تاريخنا، وستبقى جريمة بشعة وصفحة سوداء في تاريخ صانعيها، بل إنها لم تكن جريمة عادية، «فإنها ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية» كما وثقتها «هيومان رايتس ووتش»، وغيرها من المنظمات الدولية، ولن تتغير هذه الحقيقة قيد أنملة مهما حاول بيتر ميمي، أو غيره تزييف الحقيقة ولو بأموال الدنيا.

 ولو كان التاريخ قد خلّد خُرافة، رغم أنه لم يكن ذا شأن في العرب، ولم يكن صاحب بطولة، أو له باع في الشعر، وحتى أنه لم يكن له قصة حب تُروى ولكنه كذب حتى استعجب الناس من كذبه، فلعل بيتر ميمي، قد اقتدى به ولعلنا نسمع بعد سنين قليلة (رواية بيتر) مثلًا يُقال على كل محاولة لتزييف الحقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد