لقد خُيّل للكثيرين أنه لكي تبلغ من العمر أرذله، وجب أن تحيا سنوات عديدة فينقض عليك شبح العِلل مريضًا، ثم تتساقط شيئًا فشيئًا كورق الشجر من تقلبات الزمن وشدة افعاله، بينما لو أعمل هؤلاء عقلهم لوجدوا أن الحب يأتي من طريق لم تحسب له بال، ويأخذك على غفلة إلى غياهب التفكير والقلق، فتعيش وقتًا من السعادة والرضا في جنة الله علي الأرض، وقد تكون أوقاتًا مريرة يتجرع فيها كأس اللوعة والاحتياج ، كلُ هذا جرّاء حادثٍ معنوى يدور بداخل وجدان الإنسان في حين أنه أي الحب لو كان ماديًّا ملموسًا قد يكون التعامل معه ووقف مفعوله هيّنًا!

فقد عهدنا منذ طفولتنا جدلية الدين والسياسة، وعن موقف إحداهما من الآخر ، وعن طبيعة العلاقة التي تربطهما من وجهة نظر الإسلاميين والعلمانيين، وإطارات اشتباكهما،  ومواقف تفاعلهما، سنواتٌ وسنوات وما زال الجدل دائرًا حول إشكالية السياسة والحب، هل يحب الساسة، هل اغترفوا من معينه ولو شربة واحدة، هل يمتلكون مشاعر يستطيعون التعبير عنها  في العلن، هل انحدرت من علي وجنتيهم دمعات مصحوبة بألم وحسرة وشوق وتلهُف وأمل ورجاء؟ ليس مقالًا علميًّا ولا سردًا معلوماتيًّا بقدر ما هو نظرة، أو لتقل خاطرة مرّت بي؛ فأردت أن أشارككم بها؛ لكي تعم الإفادة.

وقف أمام حشدٍ غفير من جماهيره التي تتوق إلى الاستماع لحديثه، وفي بداية كلمته تهدج صوته، وضاقت عروق حلقه؛ حتى ذرفت عيناه الدموع، وأبت عليه مشاعره التي أثيرت إلا البكاء، إنه «إدموند ماسكي» المرشح الأمريكي لانتخابات الرئاسة الأمريكية عام 1972، وعلي عكس العادة التي جرت بأن تكون وجوه السياسيين صارمة وحادة لا تعرف للينِ سبيلًا، ولا للهزل طريقًا ـ على الأقل ـ أمام الشاشات، إلا أن حبه الشديد لزوجته دفعه للتضحية بمنصب الرئاسة من خلال مدافعته عن كونها «ثملة»، حسب إدعاءات المعارضين لترشحه من الحزب الجمهوري؛ ممّا أدي لظهوره كشخص ضعيف لا يقوى علي تحمل الضغوط والمسئوليات الملقاه على عاتقه، وخسر حياته السياسيّة إلى الأبد «1» إنه الحب، لا بل هو العشق، حيث إن من يُحب يجد الراحة في التفكير واتخاذ قرارته علي مهل مع قليل من الحكمة والتعقل، أما العشق فهو ذلك المسكين الذي سُلبَ منه العقل والقلب فأصبح خاويًّا لا يمتلك من أموره شيئًا، ولا يستطيع السيطرة علي ما يبدُر منه من أقوال أو أفعال تجاه محبوبته، إلا أن يراها كبدر في سماء موحشة مظلمة ملأتها النجوم، أو يشعر بها كصحراءٍ مكفهرّة تعوزها الماء، فلما ارتوت نضجت واخضرت وأنبتت من كل بستان زهرةً للعُشاق«2 ».

ولم يكن الحب يومًا حكرًا على الرجال دون النساء أو العكس، فالمشاعر الإنسانية جزء أصيل من الطبيعة البشريّة، وما الفرق بين الرجل والمرأة في المشاعر والأحاسيس إلا الحروف الهجائية التي تميزهما في اللغة العربية، فهاهوالملك «الصالح نجم الدين أيوب»، ملك مصر، هذا الرجل الذي اشتهر بقلة حديثه وعبوس وجهه، يقع في شباك شجرة الدر الجاريّة التي أذهلته بجمالها ورجاحة عقلها، فأنجب منها «الخليل» بعدما أعتقها وتزوجها علي سنة الله ورسولة، وتدور الأيام وينفطر قلب شجرة الدر بعد وفاة الملك الصالح على «عز الدين أيبك» الجندي التركماني؛ فتتنازل له عن السلطة وتُقلده حكم البلاد، وماهي إلا أيامٌ قلائل حتى تفعل نار الغيرة الناشئة عن الحب فعلتها وتنتقم منه بسبب تركه لها، وعقد قرانه على امرأة أخرى، فتأمر أحد العساكر بقتله عن طريق فصل رأسه عن جسده!«3» وتختلف سلوكيات البشر في معالجة تلك المشاعر التي تجيش بصدورهم، فمنهم من يترجمها إلى علاقة وثيقة مبنيّة على الميثاق الغليظ الذي شرعه الله، ومن أروع الأمثلة التي تُضرب في هذا المضمار، الرابطة التي جمعت بين القيادي في حزب الجبهة الشعبية بتونس «حمة الهمامي» وبين الناشطة السياسية «راضية النصراوي»، فلقد ظهرت النصراوي عشرات المرات علي محطات الإذاعة والتلفزيون وهي تبكي وتنهمر من عينيها الدموع في تعبير عن حبها الجارف لحمة عندما يأتي في سياق الحديث، كما أنهما ظهرا سويّا أثناء ترشحه للانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2014 وتعانقا أمام الجمهور للتأكيد علي قوة ومتانة العلاقة الزوجية التي تربطهما، ولم تتأخر عنه راضية مرة واحدة، ففي محنته التي وقعت إبان حكم بن علي كانت تجوب حلقات النقاش ومؤتمرات الفكر في جميع الاحزاب والجمعيات لتؤكد علي عدالة قضيته وعلى شوقها اللا متناهي لخروجه من السجن والعودة مرة أخرى لمنزله، وفور خروجه عبّر الهمامي عن أمنيته بأن يفارق الحياة قبل تلك اللحظة التي ستقضي فيها راضية عمرها؛ لأنه لن يستطيع البقاء والعيش بدون سماع حفيف صوتها الذي يملأ حياته بهجة وفرحة. فدعوا البشر في حبهم ، فهم  وما يشعرون لله، والأحكام المسبقة التي نطلقها علي الناس بحكم وظائفهم وأعمالهم ليست سوى إشاعة ما لبثت أن تحولت بمرور الدهر إلى ثوابت!«4»

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحب
عرض التعليقات
تحميل المزيد