في سياق الجدل الدائر مؤخرًا على مواقع التواصل، تتكرر أسئلة من قبيل: إذا كانت أحداث 11 سبتمبر مؤامرة أمريكية، فلماذا تبنتها القاعدة؟ وإذا كان شريطا ذبح فولي وسوتلوف مؤامرة أيضًا، فلماذا لم تنفِ داعش مسؤوليتها عنهما؟ ومع أنها أسئلة مبررة في سياق الجدل السياسي، لكن الاقتصار عليها يضعنا أمام مشكلة فكرية.

 

فهذه الأسئلة تقدم نموذجًا لآلية التفكير التي تتخذ ردود فعل تلقائية تجاه الأطروحات السياسية المخالفة للرأي الشائع، وغالبًا ما تبنى على هذه الأسئلة مواقف سياسية تجزم بالنفي ولا تكتفي بالتشكيك، وبخطاب لا يخلو أحيانًا من لهجة ساخرة، بالرغم من صدورها عن عقول مثقفة. وسأناقش آلية التفكير هذه وفقًا للتسلسل الآتي.

 

أولاً: ينبغي الانتباه إلى أن الشكوك التي نطرحها، لإثبات تهافت التبرير الشائع للأحداث المذكورة، تقتصر في بنائها الأساسي على مناقشة واقعية الأحداث نفسها، وهذا يعني وجوب أن يقتصر الرد عليها على الجوانب التقنية دون غيرها.

 

فعندما نبني نظريتنا على أدلة علمية تنفي إمكانية سقوط البرجين بمجرد اصطدام الطائرتين فنحن نتحدث هنا عن جانب تقني لا سياسي، وكذلك الحال عندما نقول إن شريطي فولي وسوتلوف لم يتضمنا لقطات ذبح ولم تخرج فيهما قطرة دم واحدة خلال الثواني التي اكتفى الشريطان بإظهارهما.

 

وعليه فإن الأصل في الحالة الأولى هو اصطدام طائرتين بالبرجين ثم سقوطهما، ويبقى إثبات العلاقة بين الاصطدام والسقوط أو نفيها هو موضوع البحث، وليس الأصل هو ثبوت العلاقة لنأتي بالتشكيك فنُتهم بالخضوع لنظرية المؤامرة، بل قدمت الجزيرة في فيلمها الوثائقي “أدلة مذهلة” الذي عُرض في الذكرى الثانية عشرة (العام الماضي) شهادات لمعماريين وخبراء أثبتوا استحالة سقوط البرجين بفعل هذين الاصطدامين، بينما مازلنا ننتظر من الطرف الآخر الذي يتبجح بدعم الخطاب الشائع أن يثبت هندسيًّا وفيزيائيًّا أن البرجين سقطا بفعل الاصطدام.

 

وكذلك الحال في الحالة الثانية، فالأصل هو أن فولي وسوتلوف تم اختطافهما وأن شريطين عُرضا دون أن يتضمنا لقطات ذبحهما، فيُطلب هنا أولاً إثبات أن الشخصين اللذين تحدثا في الشريطين هما حقًّا فولي وسوتلوف، وثانيًا أن اللقطات المحذوفة بالمونتاج ولم يرها أحد تتضمن ذبحًا بالفعل لكل منهما. وطالما لم يُثبت أحد شيئًا من هذا في الحالتين المذكورتين، فالمنطق يلزمنا بأن يبقى كل شيء على أصله حتى يثبت العكس.

من جهة أخرى، يبدو أن إحداث الضجة عبر إثارة الأسئلة التي أشرنا لها في بداية المقال ليست سوى جدل سياسي، وإذا كان المجادل يكتفي بطرحها فقط فهو يرتكب مغالطة “رجل القش” عبر تحويل مجرى النقاش إلى قضايا جانبية وفرعية، والموضوعية تقتضي هنا ألا يربط بين موقفه من هذه الأحداث الجزئية، ونفوره النفسي من نظريات المؤامرة.

 

وبغض النظر عن الموقف النفسي والخلفية الأيديولوجية، فمن الضروري جدًّا أن يكون الباحث ملمًّا بمنهج علمي يستند إليه في قبول الرواية أو رفضها، فالقضايا السياسية بمجملها ليست قضايا علمية تجريبية (إمبريقية) أو إحصائية، بل هي خليط من روايات تنقل أحداثَا ومواقف وآراء وتصريحات، ويتم الربط بينها وتفسيرها للاستنباط منها.

 

ومن المعروف أن ضوابط نقل الرواية التي طبقها علماء المسلمين في علوم السنة والتاريخ لا يُستخدم منها شيء في التاريخ الغربي القديم ولا الحديث، فلا يبقى أمام الباحث سوى اعتماد “نقد المتن” بتمحيص الحدث نفسه للتحقق من مصداقيته، كما فعل ابن خلدون في كتابه “المقدمة” عندما ناقش منطقية بعض الروايات من الناحية العقلية وفقًا لما بات يسمى بالتاريخ المقارن، دون التعرض لمصداقية الناقل نفسه.

وبهذا التمحيص يمكننا بناء نظريات مقبولة ومرجَّحة (غير يقينية) لتفسير الكثير من الأحداث، كأن نرجّح مثلاً صحة نسبة بروتوكولات حكماء صهيون لنخبة يهودية متحكمة في مراكز قوى العالم، لكن المنهج العلمي يلزمنا باستحالة الزعم بيقينية هذه النسبة.

 

وفي المقابل لا يجوز علميًّا للرأي الآخر – وهو الأكثر شيوعًا- أن يدعي يقينًا أن البروتوكولات ليست سوى أكذوبة مفبركة من المخابرات الروسية، ليس لغياب الدليل التجريبي فحسب، بل لأن هذا الرأي يعني بالضرورة الاعتقاد بمؤامرة مضادة ضد اليهود، فلماذا يُبرأ اليهود ويُتهم الروس طالما كان الدافع الأبرز هنا هو النفور النفسي من التفسير المؤامراتي؟!

علاوة على ذلك، يُفترض بالباحث أن يدرك جيدًا أن عالم السياسة تحديدًا مبني على نزعات التسلط، أي أن التآمر -بالمعنى الشرير للكلمة- هو جزء أصيل فيه، وإلى درجة أن ينتهج الغرب نهج التبرير الفلسفي لهذا الأساس اللا أخلاقي للسياسة منذ ظهور كتاب الأمير لميكيافيلي، ووصولاً إلى اكتمال فلسفة البراغماتية على يد وليام جيمس.

 

لذا فإن اقتحام طيبي القلب (من المثقفين والبسطاء) لعالم السياسة ومحاولة إثبات نظرياتهم فيه لا يذكّرني سوى بكتاب الغزالي “إلجام العوام عن علم الكلام”، فصفة العامّي هنا هي مصطلح منهجي قد يشمل باحثًا عبقريًّا في مجال الهندسة والطب، لكنه لا يملك الأدوات المنهجية والقدرات الفكرية وسعة الخيال لاستيعاب طبيعة الشر واحتمالات تجسده وتطبيقاته، ثم تحليل نتائجه وربطها في إطار تفسيري متسق مع ذاته، ودون أن يميل نفسيًّا – لا موضوعيًّا- إلى النفي والاستبعاد ثم الركون لاحتمالات النوايا الطيبة، لا سيما إذا اقتصرت خبرته في السياسة على متابعة نشرات الأخبار ومقالات الرأي فقط.

ومن يقتحم عالم الجدل الفلسفي سيجد من سفسطات العقول الكبيرة ما يدفعه للتواضع وإعادة التفكير مرارًا قبل الاجتراء على التنظير والمناظرة، وأذكر هنا زميلاً لنا أثناء دراستنا الفلسفة لم يستطع استيعاب موضع الخلل في “مغالطات زينون” الشهيرة، بل كان عاجزًا عن إطلاق خياله لفهم بعض القضايا الأساسية، وقبل أن تعجب عزيزي القارئ من عجز طالب الفلسفة عن الفهم أنصحك بقراءة ما قاله الغزالي في “تهافت الفلاسفة” عن فلسفة الفيض التي آمن بها ابن سينا وغيره، وشاركه العجب في اقتناع تلك العقول الجبارة بأساطير خرافية لتفسير قضايا وجودية كبرى.

 

ولن تتسع هذه المساحة لإشباع قضايا الفلسفة بحثًا، ولكن من الضروري القول إن هناك الكثير من الشكوك بشأن “علمية” البحوث السياسية والاجتماعية، فمع أن مناهج البحث العلمي المتفق عليها تُطبق منذ أكثر من قرن في كافة مجالات العلوم الإنسانية، إلا أنها ستظل عرضة للطعن في جوانب كثيرة.

 

فعلى سبيل المثال، حرِص الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه “الأيديولوجية الصهيونية” على إقناع القارئ بالتزامه بمنهج علمي (إمبريقي) أثناء بحثه في تلك الظاهرة من باب علم اجتماع المعرفة، وبأسلوبه الأكاديمي الراقي حاول مرارًا أن يثبت التزامه بالمناهج التركيبية التي ابتكرها لتفسير الظواهر الاجتماعية والتاريخية والسياسية في بحثه. ولكن يمكن لأي باحث يتمتع بالقدرات نفسها أن يبني مناهج تركيبية مختلفة جذريًّا، وأن يخرج بنتائج مضادة.

فالبناء المسيريّ كان قائما على أيديولوجية ماركسية جدلية أصلاً، وهي تفترض ابتداءً حسن الظن في كل من فرانسيس بيكون (مؤسس التجريبية)، وكارل ماركس (مؤسس الماركسية)، أي أننا أمام مغالطة المصادرة على المطلوب من البداية، فالرأي الآخر لا يستطيع أن يتجاهل حقيقة كون الأول قطبًا للماسونية في عصره، وكون الثاني عضوًا فيها من الدرجة الثانية والثلاثين (قبل الأخيرة)، ما يفتح بابًا للتساؤل عن جدوى تلك المناهج لبحث قضية كهذه على الأقل، مع أن المسيري لم يلتزم بالمنهجية التي اختارها فعلاً في مواضع عدة.

وليسمح لي القارئ بالذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، فالمناهج العلمية المتبعة اليوم أصلاً ليست جامعة مانعة، أي أن العلم لا يقتصر عليها كما هو شائع، فحتى لو تجاوزنا الخلفية الماسونية لواضعيها فهي قد بُنيت على أسس نظرية تراكمية ما زالت تتعرض للنقد منذ عصر بيكون (1561- 1626)، كما ما تزال هناك مناهج إبستمولوجية قائمة بالتوازي وتدعي كل منها أنها أقرب إلى تمثيل العلم، كالوضعية المنطقية والمذاهب العقلانية والجدلية الماركسية، وهي ما زالت مطروحة على طاولة البحث ما بعد الحداثي منذ منتصف القرن العشرين.

 

وعليه فيمكن لأي باحث أن يزعم ابتداءً احتمال وجود أدوار خفية لكائنات لا مرئية في الأحداث السياسية -على سبيل المثال- ومع أنه لا يمكنه إثبات هذا الدور تجريبيًّا، فلن يكون بإمكان الآخرين أيضًا إثبات أن نظريته محض خرافة.

وطالما استُثني معيار الوحي كضابط لمنع الشطط في العوالم اللا مرئية واللا تجريبية، فستمتلئ مكتبات الغرب بآلاف الكتب التي تشطح في نظريات المؤامرة إلى درجة افتراض اتصال الكائنات الفضائية برجال حضارة الإنكا قبل الميلاد (كتاب عربات الآلهة)، أو وجود حضارة متقدمة تحت الأرض تديرها زواحف عاقلة. ولا شك في أن انتشار مثل هذه القصص يصب في مصلحة أقطاب المؤامرة الحقيقية؛ لأنه يصرف النظر عنهم، ويُفقد الناس ثقتهم في كل الروايات التآمرية.

 

وإذا استوعبنا تعقد الأمور على هذا النحو، يمكننا الآن العودة إلى الأسئلة التي بدأ بها المقال، لنقول إنه في حال اقتناعنا بجدوى ومنطقية طرحها، فلن نعجز عن مناقشتها سياسيًّا، إذ يسهل وضع احتمالات عدة للتفسير، ومنها ما قدمه يسري فودة في فيلمه الاستقصائي “سري للغاية” عن أدلة تكاد تثبت معرفة المخابرات الأمريكية بأنه كان هناك من يخطط لهجمات 11 سبتمبر قبل سنوات من تنفيذها.

ويمكن هنا وضع طيف واسع من النظريات تبدأ من عمالة قادة القاعدة أنفسهم لأمريكا، وتصل إلى احتمال تسييرهم عن بعد لتنفيذ الخطة التي استثمرها الغرب جيدًا فيما بعد، ويدعم هذا التوجه إعادة التذكير بأن القاعدة نفت مسؤوليتها رسميًّا في البداية، ثم ظهرت فيديوهات لابن لادن واعترافات لرمزي بن الشيبة في “سري للغاية”، وهم يتبنونها ويترحمون على منفذيها.

 

وبالطريقة نفسها يمكن القول إن داعش إما أن تكون في قيادتها عميلة أو مخترقة جزئيًّا، وإما أن يكون الشريطان قد نُفذا أمريكيًّا، وتم التواطؤ مع الجهات المُخترقة لتبنيهما، وهي أشرطة تناسب التوجه العام للتنظيم، وتُشبع نهم أعضائه غير المخترَقين للذبح والانتقام والتباهي بدلاً من النفي.

هكذا تُدار عوالم السياسة، لكن طيبي القلب للأسف لا يجرؤون على المضي في سعة خيالهم إلى ما هو أبعد من أمنياتهم الطيبة، وديمقراطية المعلومات -التي ابتكرها أقطاب المؤامرة- أتاحت لهم اقتحام ساحة التنظير، وجعلتهم قادة الرأي العام الذي يفقد البوصلة يومًا بعد يوم، وعندها يصبح من الطبيعي أن نستقبل أسئلة تشكك في كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد