تساءل الكاتب الفرنسي إتيان دو لا بويتيه في كتابه الوحيد «خطاب العبودية الاختيارية» الذي ألفه في القرن الرابع عشر الميلادي، كيف لملايين الرجال، وآلاف المدن والقرى أن يخضعوا أحيانًا لطاغية واحد، لا يملك من أسباب القوة والوجود إلا تلك التي يمنحونه إياها، وليس باستطاعته إرهاقهم وإرهابهم إلا إذا قبلوا هم بذلك، ولا بمقدوره أن يضرهم بشيء لولا أنهم فضلوا المعاناة والخضوع، على المناهضة والمعارضة؟

حقًّا إنه أمر غريب أن ترى ملايين البشر يستعبدون ببؤس وشقاء، رؤوسهم تحت ركبهم بلا مال ولا طعام ولا حياة أسرية… تمشّى بينهم الفقر وجَدّتْ فيهم الأمراض والمجاعة، ومع ذلك لا يبدون تململًا، ليس لأن قوة من قوى الطبيعة أخضعتهم، ولكن لأنهم مسحورون باسم واحد لرجل ليس هرقلًا ولا شمشون، قد يكون جبانًا لم تطأ قدمه أرض معركة، ولم تمتلئ أنفاسه بعبق البارود، بل قد يكون أكثرهم تخنثًا وأجبنهم طبعًا، ما كان لهم أن يخشوه لأنه فرد واحد وهم ملايين، ولا أن يحبوه لأنه يعاملهم معاملة الهمج الرعاع.

فإذا كانت هناك أمة من الأمم أخضعت بقوة السلاح لحكم مستبد، مثل مدينة أثينا التي تقلبت تحت حكم 30 طاغية، فإن الطواغيت العرب أخضعوا شعوبهم بقوة الإعلام وسحروهم به، ولن يكفوا عن استعباد الناس، ما دام الشعب لا زال واقعًا تحت تأثير سحرهم وتضليلهم.

قرار نجمة البورنو من أصول عربية مايا خليفة، تغيير مهنتها من ممثلة في الأفلام الجنسية إلى الإعلام  كمقدمة برنامج رياضي مؤخرًا دون أن  يكون لها ما يؤهلها لممارسة هذه المهنة إلا ماضيها في الإثارة والإغراء، أشبه بتولي كثير ممن أصبحوا نجوم الإعلام العربي تقديم برامج سياسية دون أدنى معرفة سابقة بمبادئ المهنة الصحافية.

فكثير ممن يسمون إعلاميين في الوطن العربي لم يدرسوا الإعلام، ولا مارسوا الصحافة فعليًّا قبل دخولهم الأستوديو، وكل مؤهلاتهم هي مؤهلات ذاتية في فنون النفاق، ومواهب التملق والتدليس، والقدرة المبهرة على التلون وتزييف الحقائق، إضافة إلى التمرس في مذاهب السب والقذف، وعدم المبالاة بالرأي العام ما دام الديكتاتور راضيًا عنهم.

 وكلما بدا الإعلامي «المُتَدَكْتِرْ» أكثر براعة في تجميل صورة النظام، وأظهر استعدادًا لتقبل إملاءات ضباط التلقين والتوجيه الإعلامي خلف الكواليس، وأثبت كفاءته في ترويج أجندات النظام، كان أكثر حظوة وأقرب منزلة من أقرانه، وكلما كان المذيع شعبويًّا سليط اللسان مغاليًا في تقديس الحاكم ولعق حذائه، كان جديرًا بالثناء والمكافأة، مدعوًا إلى مراسيم الدولة الرسمية، وحائزًا على المعلومات الانفرادية والسبق الصحافي؛ الذي يجعل لبرنامجه التلفزي بريقًا وشهرة ومتابعة من الجماهير.

فالنظام يختار بعناية رجالات الإعلام، ويدأب على تجديد الوجوه والمنتجات الإعلامية ليعطي دينامية وحيوية للآلة الدعائية، ليصيغ بهم الرأي العام حسب مصالحه، وبالشكل الذي يجعله محافظًا على حكمه، فهم سلاحه للتخوين والتخويف، وترويج الكذب والتضليل، ودعم سياساته التي لا تلقى ترحيبًا من الشعب، وتبرير انتهاكاته لحقوق المواطنين وتنكيله بالمعارضين، وهم المنفسون للاحتقانات، والمثبطون لعزائم الناس في التغيير، والمشجعون على الفرقة والانقسام، والمهونون من كوارث السياسات الفاشلة.

هذا الديكتاتور، رغم أنه مِثْل آخر رجل في أقصى قرية من البلاد، ليس له إلا عينان ولسان وشفتان، إلا أن الإعلام يجعل له ألف عين وألف لسان، ويحبب للشعب العبودية الاختيارية لمن يسلبه حقوقه الأساسية، ويستغل موارده الطبيعية، وفوق ذلك يعامله معاملة همجية وينكل به في السجون والمعتقلات، ويبغض إليه الحرية ويصوّرها له كوحش يهدد أمنه واستقراره ولقمة عيشه.

 فالديكتاتور ليس في حاجة إلى إعلاميين محترفين ومهنيين، بقدر ما هو في حاجة إلى ممثلين ومزورين. نظرية متلازمة ستوكهولم تشير إلى أن الضحية قد تصل من الخوف والرعب إلى حب جلادها  وتأييده، حالة عاطفية تربطها بالمجرم تجعلها مستسلمة لساديته بل ومتعاونة معه على إخضاع ذاتها وامتهانها.

 في حالة الشعب الذي يتعاطف مع جلاده بل ويلد له من أبنائه من يصبح جنودًا وأدوات لقمعه في الجيش والشرطة والمخابرات، يتطلب الأمر إعلامًا دعائيًّا يبث الرعب في نفوس الناس، ويتفنن في إرهابهم، يتناول انتهاكات الحقوق والأعراض كأعمال طبيعية في صميم حقوق الديكتاتور  على الشعب.

صناعة البورنو والإباحية تخاطب غرائز الناس وتخاطب فيهم الخيال لا المنطق، تجعل ما هو من الخيال كأنه حقيقة فعلية ويكون في صالح رواج الرذيلة، وصناعة الإعلام في دولة الديكتاتور تجعل من الأكاذيب والأراجيف بل حتى الخرافات أحداثًا واقعية، تخضعها للتحليل السياسي والمناقشة ولمنطق المؤامرة؛ بما يخدم أجندات النظام، ويكون في صالح رواج الديكتاتورية.

 كلاهما يعتمد على ممثلين ونجوم يمارسون مهنة التضليل والمناورة، الأولى تجعل المرء أسير الغريزة، والثانية تجعله أسير الاستبداد، الأولى تجعله عبدًا باختياره لمنتجات الخلاعة والإباحة ينفق عليها ماله وتستغرق جهده وعاطفته التي كان ينبغي أن يدخرهما لزوجه، والأخرى تجعله عبدًا باختياره لقمع الديكتاتور وساديته الذي حجب عنه حريته وامتهن كرامته.

الحيوانات، من أكبرها إلى أصغرها، تبدي عند صيدها مقاومة شديدة، بمخالبها، بقرونها، تضرب بقوادمها وأيديها، وتحسسنا بمدى حزنها ورزيتها عند فقدانها حريتها، الفيل عندما يقع في الشرك ويفقد كل أمل في النجاة يكسر أنيابه العاجية على جذوع الشجر ليساوم بها صياديه، رغبته الشديدة في  البقاء حرًّا في الطبيعة توحي له أن يقايض بعاجه الثمين لعله يشتري به حريته.

في المقابل يرَوّضُ الفرس منذ ولادته على قبول أن يركبه الإنسان، بينما يستحيل ركوبه دون ترويض إذا نشأ حرًّا في الطبيعة، وإذا حاولت اعتلاء ظهره طوح بك بعيدًا في غضون ثوانٍ معدودة، وهذا ما يحدث مع الإنسان والشعوب، يروضها الديكتاتور، يروضها بالإعلام وبالسجون، حتى يغدو ركوبها سهلًا، قد تطوح به مرة بعد مرة لكنها في الأخير تخضع للترويض.

بعد ذلك تنشأ أجيال في حضن الاستبداد، تتغدى وتنمو ويشتد عودها تحت ظلال العبودية، فتبدو راضية بما ترفل فيه من أغلال وقيود، ولا ترى أسلوبًا في الحياة غير الأسلوب الذي يوفره لها الديكتاتور، لا يعرفون لأنفسهم حقوقًا ولا يدركون أنهم في حال من العبودية والاسترقاق، يتعاملون مع الظروف القمعية المختلة التي نشؤوا عليها منذ الولادة على أنها ظروف الطبيعة الاعتيادية.

الإعلام يقتل في الناس تلك الرغبة الطبيعية في العيش بحرية، دون قيود على حرية التعبير، والقدرة على النقد والتحليل والمعارضة،يمسخ الأفراد إلى قطيع حيواني يسمع ويطيع، وتضحي الممارسات القمعية والهمجية للنظام  هي الأصل والطبيعة التي تحكم حركته في المجتمع وعلاقته بالدولة، كما تقتل الإباحية القدرة الطبيعية على الممارسة الجنسية في الواقع، لأن المتلقي يكون قد تعود على نمط غير واقعي من المشاهد الجنسية المفبركة التي لا يجدها في الطبيعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد