في الجزائر ومنذ أيام وأسابيع عدة لا صوت يعلو فوق صوت أكثر من أربعين مليون رافض لعهدة خامسة للرئيس أو تمديد لرابعة، وغيرها مطالب في حراك شعبي عظيم، حرك كل المدن بقاطنيها وهز العالم بسلميته الاستثنائية وما تخللها من أفعال حضارية نابذة لأي عنف أو أي من مشتقاته، أخرج كل أطياف الشعب على صوت واحد وهدف واحد إنهاء حقبة طويلة من نظام عجوز عاجز عاث في أرض الشهداء فسادًا وحولها إلى مقبرة كبيرة أحياء سكانها لكنهم في الأصل أموات.
طيلة السنوات الماضية عانى الشعب الجزائري في جميع مجالات الحياة، لكن لم تشهد البلاد مثل هذه المظاهرات لجماهير غفيرة أو حراك شعبي واسع يندد بالحال التي آلت إليها الجزائر، غير تجمعات جماهير كرة القدم طيلة أسابيع السنة والتي كانت تغزو ملاعب الرياضة الأكثر شعبية في البلاد، فكانت أفيون الشعب تنسيه همومه، انشغالاته ومشاكله المتراكمة، والتي ولدها نظام لم يحسن تسيير بلد قارة غني مليء بالثروات العديدة المتعددة، حُسِد شعبه عنه يومًا ما قبل أن يصبح أسفل سافلين.
الجماهير الجزائرية التي ترتاد الملاعب عمومًا وملاعب كرة القدم خصوصا لها من الثقافة والوعي الكثير، فلا تترك أي فرصة كانت لمحاولة علاج قضايا الوطن الداخلية سياسية كانت، أو اجتماعية أو ثقافية وغيرهما، تعطي انتقادها للسلطة عن الواقع المعاش ومحاولة تحسين الأوضاع والمناداة بالتغيير ولا تخاف لومة لائم في ذلك، في حين لا تفوت فرص التضامن مع القضايا الخارجية أيضًا، ومع أي حدث جلل في القضايا القومية وغيرها من القضايا التي تهم العالم العربي والاسلامي كالقضية الفلسطينية أو القضية المركزية التي غالبًا ما تلقى دعمًا كبيرًا من كل كل الجزائريين.

الجمهور الجزائري وطيلة السنوات السابقة كان السباق في طرح قضايا البلد في وقت لم يجرؤ الكثيرون خارج الملاعب على فعل ذلك، فتميز دومًا على المدرجات وأحدث هالة إعلامية واسعة وعظيمة في العالم كما فعلت وما زالت تفعل جماهير كل الأندية عبر ربوع وملاعب أرض الشهداء، فتصور ذلك على شكل صور في المدرجات أو أغان حماسية، أهازيج وشعارات قوية وجميلة، صارت تضرب بها الأمثلة في كثير الدول، كما فعل أنصار المولودية العاصمية واتحاد الجزائر بأغنيتي في سوق الليل وبابور اللوح تواليا والتي أحدث زلزالا كبيرًا بين الجماهير الجزائرية وغيرها أغاني من عديد الفرق كأغنية يا ناس يا ناس لجماهير شباب بلوزداد وبلادنا من بكري مخدوعة لجماهير نادي نصر حسين داي، أو نادي اتحاد الحراش بأغنية شكون سبابنا، وغيرها أغاني وأهازيج وصور وعبارات تعلق على جنبات كثير الملاعب ولكل الأندية الجزائرية، والتي تصف حال المواطن وتشكي ضعف حيلته وجبروت سلطة تحكمه حينا، وتدعو لهجرة وترك الوطن في أحيان أخرى نقمة على سوء المعيشة، وبحثًا عن فرص لحياة أحسن لا يراها الشباب في وطنهم الذين أصبحوا فيه كالغرباء.

لم يكن الحضور وولوج الملاعب وحده فقط تعبيرًا عن امتعاض الشعب من حكومته وتسييرها السيء للبلاد فالمقاطعة بدت كفيلة أيضًا بإيصال كلمة الشعب المتكاتف الرافض لأي تفرقة بين صفوفه وما مقاطعة لقائي الدربي الأكبر في الجزائر بين مولودية الجزائر واتحاد العاصمة والذي نادت به شريحة كبيرة من أنصار الفريقين إلا دليل على ذلك، والذي درأ أي انزلاق بينهما أو منع حدوث أي أعمال شغب قد تكون بفعل فاعل، وهو ما سيكون ربما مبررًا قويًا وكافيًا لاستعمال القوة، ومن ثم إضعاف قوة المسيرات الشعبية والحراك القائم منذ أكثر من شهر بسلمية تامة، في حين نادت أيضًا بعض الجماهير الجزائرية بضرورة مقاطعة أخرى لمقابلة المنتخب الوطني الجزائري ضد المنتخب الغامبي في إطار تصفيات كأس أفريقيا بمصر 2019 وأيضًا المقابلة الودية ضد تونس لإيصال رسالة أكبر للعالم وهو ما كان.

الجمهور من كل الفئات والذي يرتاد ملاعب الجمهورية كل أسبوع كان وقودًا ولا يزال لنهضة شعبية وثورة سلمية حيرت العالم، جمهور طالما عُرِف بثقافته ووعيه بحال وطنه وما آل إليه ولم يبخل يومًا وطنه بكلمة الحق دون خوف، هو الآن يصنع تاريخًا آخر من النضال سيكتب غدًا من ذهب وتدرس تضحياته للأجيال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد