في ظل ارتفاع معدلات الجريمة، واستمرار حالة الانقسام السياسي وآثاره الكارثية على البنية والنسيج الاجتماعي، وظهور أنماط جديدة من الانتهاكات (المخططة والعشوائية)، وترهل المؤسسة القضائية وضعفها في مواجهة الكم الكبير من القضايا المستحدثة التي لم يواكبها التشريع بسبب انقسام المجلس التشريعي وتعطله، يلجأ الكثير من الناس إلى العرف والقضاء العشائري (رجال الإصلاح- الوجهاء) للبت في خلافاتهم باعتباره ظاهرة اجتماعية تضرب جذورها في المجتمع منذ القدم، ولسرعة التحرك والبت فيها خاصة في القضايا المتعلقة بقضايا الدم أو الذمم المالية.

ورغم التطور الذي طرأ على العرف والقضاء العشائري بحيث أصبح أقرب إلى السلم الاجتماعي، وقضى على الكثير من الأمور المرتبطة بأحكام الاعتداء على حقوق الغير استنادًا إلى قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر: 7] فانتهت عادات قديمة كان يعتمد عليها القضاء العشائري في الفصل في القضايا مثل: (فورة الدم- الترحيل- قاعود النوم) إلا أن البعض يرى أن العرف والقضاء العشائري يتميز بالقسوة في أحكامه والتشديد فيها بعد رضا أطراف الخلاف بالوجوه المقبولة للحل حيث يمر الحل بثلاثة قضاة، هم: (ابتدائي- معروف- مرجح).

ولعل ما يميز العرف والقضاء العشائري أن المشتغلين فيه لا يتقاضون أجورًا مقابل أعمالهم ولا يبتغون منه إلا الثواب من الله في أغلب الأحوال، حيث يجمعون على أن خلاص النية والورع والشجاعة والذكاء وسرعة البديهة وعلو المكانة وسعة الصدر أساس العمل فيه، كما أنهم في الغالب غير متفرغين له ولهم أعمالهم واهتماماتهم لكن ما يدفعهم للعمل فيه هو حسهم الإنساني ووازعهم الديني القائم على إصلاح ذات البين وثقة الناس بهم.

وتجدر الإشارة هنا أنه من الواجب على المشتغلين في العرف والقضاء العشائري الإيمان بأن القضاء العشائري ما هو إلا مكمل للقضاء الوضعي ومساعد له وليس بديلًا عنه، وأن اللجوء له جاء نتيجة لتزاحم المشكلات الاجتماعية، وما كان تأسيس الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح في أصله عام 1979م وتأمين الصلح ما بعد الحل، بمعنى: (الحل بالتراضي أفضل من التقاضي).

فالأصل أن يكون القاضي العرفي جانحًا للإصلاح مثبتًا للحق الذي لا يرضي طرفين، وذلك استنادًا إلى ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أحيلوا المتخاصمين إلى الإصلاح، فالقضاء يولد البغضاء)، وتأسيسًا على ما أوصى به الرسول (صلى الله عليه وسلم): (الصلح جائز إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا) وقوله (صلى الله عليه وسلم): (أفضل الصدقة إصلاح ذات البين) ، وقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (لا يكون القاضي قاضيًا إلا بخمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قلبه، مستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم).

ومن المعروف أنه ليس للقضاء /العرف العشائري قانون مدون، فتصدر الأحكام بموجب العادة والعرف والسوابق القضائية، مع السماح بالاجتهاد النسبي في تقدير المواقف خاصة في قضايا الدية، حيث غالبًا ما يتبع الحكم في القضاء العشائري بالتحيز (لفظ أو)، فمثلًا في حالة القصاص (غلام مكتوف أو أربعين وقوف)، وكذلك في حالة شراء اليد الممتدة على العرض أو قطعها.

ورغم الدور الكبير الذي يقوم به العرف/القضاء العشائري في الحفاظ على النسيج الاجتماعي وتحقيق السلم المجتمعي، ومساندته للقضاء الوضعي وأجهزة الشرطة إلا أنه يتعرض للعديد من المشكلات، أهمها: (دخول المجال مجموعة من المرتزقة اللاهثين وراء السمعة والوجاهة، وإضافة إلى قلة الإمكانات المادية في ظل ارتفاع سقف توقعات الناس أو الجمهور من الوجهاء ورجال الإصلاح، وكذلك تداخل بعض الاعتبارات بين العمل الإنساني والإصلاحي والتوجهات السياسية (الحزبية)، إضافة إلى ارتفاع معدلات الخطر التي قد يتعرض لها رجال الإصلاح في ظل غياب النصوص القانونية التي تحميهم).

ورغم قناعتي بالدور الكبير الذي يقوم به العرف/القضاء العشائري إلا أني أرى التراضي الذي أفضل من التقاضي يجب أن يكون على أساس إعطاء كل ذي حق حقه، وعلى يد من لا يبتغون إلا وجه الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد