سألت بهلع ـ والهلع لمن لا يعرفه فراغُ الجوفِ من “مصدر القوة” تمامًا كالجائع جدًّا ـ: “ماهو معنى: ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”.

ـ بحسب علمي إنها تكريم من الله لنا ورحمة منه إلينا إذ يُخبرنا أنّنا نملك جزئيًّا استبقاء نعمِه علينا. لِنر قول صاحب الظلال في هذا الشأن: “إنه من جانب يقرر عدل الله في معاملة العباد؛ فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم ويبدلون سلوكهم ويقلبون أوضاعهم ويستحقون أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه من الابتلاء والاختبار – وهي النعمة التي لم يقدّروها ولم يشكروها ـ ومن الجانب الآخر يُكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم حين يجعل قدر الله به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنيا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم وأوضاعهم التي يختارونها ـ لأنفسهم ـ”.

ـ “إذًا، ابتلاء هو أم عقوبة”؟
ـ “ربما الاثنان”؟

هو ابتلاء بما كسبت أيدينا أو حتى قلوبنا، بتقصيرٍ دنيوي أو تواكل، أو حتى اعتمادنا على أسباب المُسبب أكثر من توكلنا عليه، كما قلنا يجري قدره وينزل البلاء واجبًا كنتيجةِ فعلنا وعملنا.وقد اقتضت حكمة الله اختصاص المؤمن ـ غالبًا ـ بنزول “البلاء” تعجيلًا “لعقوبته” في الدنيا لمحو سيئاته عنه. ولكن حاشا لله الخالق الرحيم المُتنزه أن يُعامل عبيده مُعاملة البشر لبعضهم من العقاب وتصيُّد الأخطاء، ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة. فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق؛ وتصفية النفس من الآثام وتطهير العمل من الرياء. أو كي يُرد إلى ربه بعد إذ التفت للدنيا أو رفعًا لمنزلته إذ صبر، فالنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ.

كما أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد. “رواه مسلم”.وحينما نُخبر أن المؤمن يختصه الله بنزول البلاء في الدنيا، ذلك لأنّ الله العدل يعلم حقيقة القلوب وصِدق الإيمان من عدمه لكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ماهو مكشوف في علم الغيب، فيحاسب الناس على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم.

ولما كان اعتقاد الناس للإيمان وحسبانهم أنه كلمة تُقال باللسان وجب ابتلاؤهم. لأن الإيمان حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس آمنا وهم لا يتركون لهذه الدعوى حتى يتعرضوا للفتنة؛ فمنهم مؤمنون حقّ يثبتوا ويخرجوا منها صافية عناصرهم (فتتحقق لهم عقوبتهم في الدنيا فتُذهب سيئاتهم) خالصة قلوبهم (فيتحقق لهم الإخلاص الذي كان واجبًا توافره كي يكونوا مؤمنين بحق فيُمحصهم ويرفع قدرهم). تمامًا كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة.

وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب وتربية للمُبتلى وللناس من جانب، فلا يحسبوا شخصًا مؤمنًا بما يحققه فعله وبما يظهر من عمله. ويكون علينا الآن أن نُدرك: “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”. كل ما يجري ـ وما يفعله الفرد منّا ـ هو صنع الله الذي سخّرك لتقوم به، وردُّ فعلِك هو الذي يُقرر كون ما ستؤول إليه أمورك فالناس في الابتلاء أنواع:

1ـ من يقابل البلاء بالسخط وسوء الظن بالله واتهام القدر.

2ـ من يقابل البلاء بالصبر وحسن الظن بالله.

3 ـ راضٍ يزيدُ أجره عن الصابر.

وعيننا يا رفاق هي التي ترى وقلوبنا هي التي تُدرك الخير ولو شاءت أن تفهم الأقدار خيرًا لفهمتها، والابتلاءات محطّات زاد لاستطاعت، ولو شاءت إيمانًا حقًّا لآمنت بالقدر خيره وشره، وجعلت في شره الخير كما هو حال المؤمن: “عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ـ ولا يكون ذالك لأحد إلا للمؤمن ـ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له”، رواه مسلم.

يقول أيضًا علي عزت بيجوفيتش في كتابه الإسلام بين الشرق والغرب: “الإنسان خيّر ما أراد أن يكون خيرًا، وفي حدود فهمه للخير، حتى ولو اعتبر هذا الخير شرًّا في نظر شخص آخر”. إذًا فإحساسك الداخلي وردُّ فعلك فيما نزل بك، أو حتى فيما استخدثته من أخطاءٍ أوجبت عليك بلاءً، ملكُك أنت.

ومن يُحدد نوع ابتلائك هو أنت، ومن يُفتن هو أنت. والفتنة أنواع، والابتلاءات مختلفة. وما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة. فسلّم أمرك لله يا مُبتلى ـ وكلنا في الدنيا مبتلون ـ وتيقّن بأنّه ولو كان بما كسبت أيدينا،لكن مازال بوسعنا أن نرجع إلى الله. “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (لِيُذِيقَهُم بَعْضَ) الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”. وأن بوسعنا أن نتضرع: “فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ” وبوسعنا أن نفهم أن: “وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ”.

فاعرف الله حقًا واعترف بتمام الربوبية له، وافهم عن عطاء منعه إذا صبرت وأحسنت ورضيت، واستغفر وتُب عن كل ما أُحدث من ذنوب، وتعاطى الأسباب النافعة لدفع الابتلاء أيا كان، وتيقّن بأن كلًا من عند لله، ولا تسخط. رضيت أم سخطت أمر الله نافذ، فاختَر نجاة. وانفض عنك هلعك وانتبه لـ: “إن الإنسان خلق هلوعًا * إذا مسه الشر جزوعًا * وإذا مسه الخير منوعًا * إلا المصلين”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

في ظلال القرآن.
تفسير ابن كثير.
التنوير في إسقاط التدبير
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين.
عرض التعليقات
تحميل المزيد