في الآونة الأخيرة وبعد اتساع مساحة عرض الأفكار على شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ظهرت حالات فردية لشباب وشابات يعلنون الإلحاد ويدعون له من مختلف الطوائف والأديان في عالمنا العربي .

قد يظن البعض أن موضوع الإلحاد موضوع جديد وأنه يطرح للمرة الأولى في هذا العصر، لكن الباحث يجد أن الموضوع له جذور وقد نوقش في كل مراحله من مراحل التطور البشري ويعتبر الإمام أبو حنيفة (رحمه الله) من أشهر من ناقش ودحض شبهات الملحدين في زمانه، لكن اليوم يظهر الإلحاد بنفس الجسد، ولكن بثوب جديد ليخدع الناظر للوهلة الأولى أنه فكرة تساير الحداثة والعقل والعاطفة.

إن حقيقة الخطاب الإلحادي يعتمد على أمرين لا ثالث لهما: الخطاب العقلي والعاطفي.

الأول: هو الخطاب العقلي أو العلمي ويسوق في هذا أيضًا أمرين:-
الأول الجواب على السؤال الأزلي للإنسان وهو كيف وجد وكيف بدأت الحياة على هذا الكوكب؟

حيث لم يكن للملحدين الأوائل جواب على هذا السؤال حتى ظهرت نظرية دارون أو ما تسمى بنظرية التطور، وهي نظرية وضعت لتحاكي أن الإنسان نتيجة لتطور المخلوقات على مر آلاف السنوات.

لكن هذه النظرية تم تفنيدها في سنة ٢٠٠٠م حيث تم الإعلان عن اكتشاف “خريطة الجينات البشرية” والتي تعتبر من أهم اكتشافات الإنسان في العصر الحديث، إن هذه الخريطة تثبت للباحثين أن الإنسان لا يمكن أن يكون تطورًا من القرد، ولا يمكن لعاقل أن يدعي أن تشابه ٤٠ بروتين من أصل ١٠٠ الف يمتلكها الإنسان يجعل الإنسان تطورًا من سلالة قرد، ومع ذلك فإن هذا التشابه يمكن إيجاده مع مخلوقات أخرى؛ مما يجعل نظرية التطور في مهب الريح.

 

ولكن…
ضعف الخطاب الديني المواجه للإلحاد بسبب اختيار طريق السلامة في الرد، وهو أن الغرب نقض نظرية التطور وانتهى الأمر.

في الحقيقة لم ينته الأمر!
فما تزال النظرية تدرس في الغرب وفي عالمنا العَربي، وما يزال لها أنصار ومؤيدون على الرغم من انعقاد أكثر من مناظرة في الجامعات والشاشات في الغرب نفسه بين مؤيدين نظرية التطور ومؤيدين نظرية الخلق، والعجيب أن الغالبية العظمى لهذه المناظرات تنتهي بانتصار مؤيدين نظرية الخلق بالدليل العلمي على مؤيدين نظرية التطور.

إذا أين المشكلة؟
المشكلة تكمن في الخطاب الديني التقليدي الذي ما يزال يجيب على نظرية التطور بأجوبة إنشائية بعيدة عن البحث العلمي التجريبي الذي يستند على دراسات وبحوث وترجمة الكتب والمناظرات، لتجعل الخطاب الديني في العالم العربي مقنعًا لمن يبحث عن الدليل العقلي القطعي الملموس المستند على ما سبق.

ثم نعود مرة أخرى بعد أن تكلمنا عن الرد العلمي الذي يدحض نظرية التطور، وضرورة تعديل الخطاب الديني لمواجهة تلك النظرية بالبحث العلمي بعيد عن الإنشائيات
لندخل إلى:

الشبهة العقلية الثانية :
وهي اعتماد العقل في تفسير النصوص الدينية بشكل ظاهري مما يعطي انطباعًا بالتناقض للسامع للوهلة الأولى، وهذا يعتمد على الثقافة السريعة التي هي بالحقيقة جهل الملحد، فيسوق النصوص وفق امكانياته البسيطة للفهم وعدم امتلاكه لمفاتيح العلوم لفهم النصوص بشكل كامل، مثل اللغة والتاريخ والتفاسير وغيرها التي تنزل النص في محله، وهنا يكمن الخطر؛ حيث إن معظم الشباب يعتمد على ثقافة “ألساندوش” أو المعلومة السريعة

حيث تثار الشبهة بسؤال بسيط على صفحات التواصل الاجتماعي سيحتاج الرد عليه ردًّا مطولاً علميًّا، وهذا ينافي ثقافة المعلومة السريعة فما الحل؟!

لعل الحل يكمن في طريقين:

الأول نشر فكرة عدم الحكم على الأشياء للوهلة الأولى، وهذا أمر صعب لعدم إمكانية تغليف العقل من أن تثار له شبهة من سؤال أو معلومة لكن يمكن أن نجعل هذا العقل يخزن المعلومة والشبهة دون أن يحكم عليها حتى يقرأ الرد أو يشاهد فيما بعد أمرًا يدحض ما في عقله من شُبهة.

الثاني تجديد الخطاب؛ حيث يتم حصر الردود على الشبهات بطريقة مختصرة ومفهومة لا تحتاج للبحث والدراسة باعتماد الوسائل الحديثة مثل الصور والفيديوهات ووسائل الإيضاح التي توصل الفكرة من غير صراخ الخطباء، أو إنشائية الكُتاب، وهذا أمر واجب على المسئولين عن الخطاب الديني الأخذ به واعتماده.

وهذا الر د في الخطاب العقلي الذي في حالة وجود أناس تطرح الحقيقة العلمية بشكل حديث فلا مهرب للملحد من العقل غير “العاطفة”
فخرج من الخطاب العقلي الذي إذا واجه العلم الرصين المعتمد على البحث الصحيح سينتهي ويدحض وتخرج حقيقة زيفه المنافية للفطرة الإنسانية التي خلقها الله، ولم توجد من تطور كما يدعي دارون في نظريته.

سنتكلم الآن حول شبهة العاطفة:

لعل أهم شبهة للعاطفة هي خلط الأوراق بين الدين ونصوصه وتصرفات المتدينين، فمثلاً الإسلام يحرم قتل النفس، فإذا قتل أحد المسلمين أخذ الملحد حجة قوية فقال انظر الإسلام دين يدعو إلى القتل والأديان تدعو إلى القتل، ونحن الملحدون ندعو للسلام.

لعل أهم ما نحتاجه في الرد على الخطاب العاطفي هو إرجاع الأمر إلى العقل؛ فإن جدال العاطفة لن يصل إلى نتيجة؛ لأنه جدال مبني على عدم وجود قواعد، وهذا لن يفيد أحدًا في الوصول إلى الحقيقة.

إن ظاهرة الإلحاد لها مسببات عامة، لعل من أهم أسباب الإلحاد هو انعدام الوعي والثقافة السريعة والانبهار بالنجاح المادي الذي حققه الغرب بعد نبذ الكنيسة ورد فعل الشباب تجاه التطرّف الديني، وموضوع الفراغ والوحدة وعدم الاهتمام، ولغرض الظهور وحب الشهرة وتسليط الأضواء، كل واحدة من هذه الأسباب يمكن أن تعالج إذا سلط عليها الضوء بشكل صحيح وكل هذه الأسباب مجتمعة لا يمكن أن تسوِّغ فكرة الإلحاد والخروج عن الفطرة وعما أثبته العلم والعقل.

لذلك فأهم نصيحة يمكن أن أقدمها للشباب هي “عدم التسرع بالحكم على الأشياء؛ فلكل شبهة رد، ولكن قد يتأخر إيجاد ما تبحث عنه فلا تستعجل الحكم”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد