كانت الأخلاق دائما كلمة ليس لها معنىً محددًا، فكل زمان تُحدد فيه الأخلاق على حسب المقاييس البشرية.

فلكل مجتمع مقياس للأخلاق, حتى لو جعلنا الثابت الذى نقيس عليه الأخلاق، هو الإنسان، أو كل فعل إنسانى, فسوف نجد أن بعض المجتمعات ترى الإنسان بمنظور مختلف.

فالإنسان بالمنظور العلماني الإلحادي, ما هو إلا كائن بيولوجي تطور من مجموعة كائنات أخرى, تتكون تلك الفصيلة من أشياء صماء مثل المادة, ثم كونت الإنسان.

فيكون هنا البشر ما هو إلا مادة, يجب أن نضع أفعال المادة، وتكوينها فى الحسبان, مثل أن عقل الرجل أكبر في الحجم من المرأة، وأن الإنسان الأسود أضعف من الأبيض في الذكاء، وأقوى في البدن, وأن الرجل عقلاني أكثر من المرأة … إلخ. من فروق طبيعية مثبتة علميًا، حتى لو أنكروها.

أما في المجتمعات الدينية, فنرى أن الإسنان روح ومادة, فهو الجسد المعلوم أمامنا، وهو أيضا الروح المعلومة لله فقط, وهنا يأتى مفهوم المساواة بالأعمال, ولكن إذا وضعنا المقياس بالمادة فقط, فبالطبع سوف يكون هناك اختلاف فيزيائي ملموس.

فتصبح الأخلاق في تلك الحالة هي التعاليم الدينية السماوية التي يتبعها أصحاب الأديان, بل يجب عليهم احترامها، ليس خشيةً من القانون الأرضي, ولكن خوفا من القانون السماوي.

فإذا نظرنا فى بعض المجتمعات نرى أن الأخلاق تتكون من جزئين: عقلاني ومعنوي.

الجزء العقلاني: هو الجزء الذى تقاس عليه الأفعال طبقا للعقل البشرى واستيعابة, هذا لا يمكن تحديده بثابت يمكن قياسه, كالماء الذي يغلي في كل الأماكن والأزمنة  في درجة حرارة 100 مئوية.

والشيء العقلاني إذا تم قياسه فسنرى أن بعض المجتمعات تُجبر الأطفال على العمل، ولا تتحرك عندهم ذرة من الأخلاق؛ ليتوقفوا عن ذلك الفعل, وهم لا يعترفون أنه ضد الأخلاق. وهذا ما كانت عليه البشرية في استخدام قوانين العبودية التي استمرت آلاف السنين, فكانوا يعتقدون أن استعباد البشر، وانتهاك حقوقهم شيء أخلاقي, فربما تجد الرجل الصالح ينفق من ماله على الفقراء, ثم يذهب منزله ليجبر عبده على العمل الشاق، دون طعام.

ومجتمعات تمارس الرذيلة والزنا بكل صراحة أمام الجميع, بل يصدرونه إلى العالم أجمع عن طريق الأفلام الإباحية, فتراهم يبررون تلك الأفعال بأإنها شيء بديهي تحت مسمى الحرية، وأنه مكسب للرزق, فبالتالي هو لا يتنافي مع الأخلاق.

وتلك هي المعضلة التي نأتي إليها في قياس الجزء المعنوي.

الجزء المعنوى: هو أن تكون الأخلاق إحساسًا فطريًا بداخلك يجعلك تشعر بالخجل عند الفعل, وهذا لا يتأتى إلا إذا كان هناك رقيب سميع أقوى من القوة البشرية؛ لأنك بكل بساطة لن يمسسك ذرة شعور بالخطأ إذا علمت أن لا أحد  يراقبك، وأنك لن تحصل على عقاب مناسب، إذا مارست أي شيء غير أخلاقي، أو غير متناسب مع طبيعتك البشرية الفطرية.

وهنا نسأل أنفسنا: هل الكذب شيء أخلاقي؟

إذا نظرنا من منظور عقلاني, فهو بالفعل أخلاقي؛ فأنا أريد النجاة، كطبيعة بشرية, وأن الإنسان كائن حيواني يفعل ما يستطيع؛ حتى ينجو بحياته, كالأسد الذي يفترس فريسته أو كالحبار الذي يفرز الحبر؛ لينجو بحياته من الأسماك المفترسة.

فربما يستخدم الإنسان الكذب في كل الأوقات, فيكون الكذب من المنظور العقلاني لا شيء فيه, حتى لو وقع ضرر على الآخرين من الكذب, فهذا لن يجعلك تشعر بالندم؛ لأن الاختيار دائما بينك وبينهم, و من هنا ظهرت بعض المصطلحات العالمية، مثل: «أنا لا أكذب، ولكني أتجمل»، و«كذبة بيضا»، ومثل: اليوم العالمي الشهير الذي نبرره بالضحك: «كذبة إبريل».

لا يوجد قانون يجرم فكرة الكذب, فكيف يتم الحكم عليها؟

أما إذا نظرنا للكذب من المنظور المعنوي، فسوف تجد أن الكذب فعل شنيع؛ لأن هناك شيء داخلي يقول لك: لا تكذب، إن الله يراك، لا تكذب إن هذا الشخص بريء؛ فلا تظلمه … إلخ.

إن القوة العظيمة التي تتمثل فى وجود الله ـ سبحانه وتعالى ـ تجعل الكذب شيئًا غير أخلاقي؛ لأنه اعتداء على حق الآخر، ووضع الكلام في غير موضعه؛ حتى يظن المستمع أنك تقول الحقيقة.

فكم من مجتمعات انهارت بسبب الكذب الإعلامي والتاريخي! وكم من أبرياء قتلوا تحت مسمى الكذب!

لن تجد الكذب شيئًا صريحًا، بل تجده يُسمى سياسة، أو علاقات دولية، أو ربما ديبلوماسية، فكل منا يشكل الكذب على طريقته؛ حتى ينجو، دون حسبان للشخص الآخر.

الأديان لا تعترف بنظرية البقاء للأقوى, نحن نعترف بالرحمة بين القوي والضعيف، والعطف على المسكين، وتفضيل النفس

وتحت ذلك القانون الطبيعى الذي يعتنقه المجتمع العلماني, لا يجرم قتل الأطفال المشوهين, أو أصحاب الأمراض المستعصية؛ حتى لا يورثوها إلى الأجيال القديمة, أو حتى إبادة جماعية لعرق بعينه, كالفكر النازي الذي استمد أصله من أفكار داروين التطورية.

عزيزى القارىء! هل تعتقد أن هناك قوةً تستطيع أن تحكم أخلاق البشر، غير قوة الله؟

إذا أردت السرقة، سرقت؛ لأنك ـ على سبيل المثال ـ رئيس دولة يحميك جيش نظامي, فلماذا تصبح السرقة غير أخلاقية؟ سوف يقول لي أحدكم: لأني آخذ من مال الناس! وسوف أقول: وماذا في ذلك؟ فأنا قوي، وأريد البقاء!

سوف يقول آخر: ولكن هذا ليس عدلًا, سوف أقول: وهل يصبح عدلًا إذا سرقت من الغني وأعطيت الفقير؟ هل تصبح السرقة في ذلك الوقت أخلاقية؟

إن السرقة ليست أخلاقية من المنظور المعنوي؛ لأنك تخشى من يراك في كل زمان ومكان, مهما كانت قوتك, وهنا يكون العدل , بل هو دليل على وجود الآخرة, فإن لم يكن هناك حساب غير بشرى, فلن يصبر الضعيف على جبروت القوى.

ومثال آخر: هل يصبح زنا المحارم أخلاقي أم لا؟ هل ترى أن ممارسة الجنس مع شقيقتك شيء غير أخلاقي؟

قبل أن تجيبني, اسأل نفسك: لماذا هو غير أخلاقي! أهو شيء عقلاني أم معنوي؟ إذا كان عقلانيًا, فلابد أن تعلم أنه لا يتنافى مع العقل في شيء؛ فهي كائن بشري وأنت كائن بشري, ما المانع العقلاني من ذلك؟

سوف تتفاجأون أن بعض الدول لا تجرم زنا المحارم، بل تُقننه, فيجوز للرجل أن يتزوج خالته وعمته! وسوف تقرأون في المصدر أن السويد تريد أن تبيح زنا المحارم، بل مجامعة الميت! (1)

و أن أمريكا لديها مشاكل مع زنا المحارم؛ لأنه يعتبر شيء أخلاقي, بل الأفظع في المشكلة يكمن في التحرش بأفراد العائلة من الصغار, فهي نسبة ليست بقليلة (2)

لا تتعجب فتلك الدول تتبع الأخلاق من الناحية العقلانية, فلماذا يجب أن يمنعني عقلي من مجامعة أختي أو أمي؟

فكما يقول العالم الفيزيائي الملحد الشهير: «لأننا نتبع العقل، فزنا المحارم ليس خطأ واضح» (3)

وأيضا تجد أن زنا المحارم قانوني في دولة البرتغال, وسوف تجد مقالًا في صحيفة الجاردين يشرح قضية كاملة متعلقة بزنا المحارم (4).

أما في ولاية نيويورك فإنهم يباركون زواجًا بين عمٍ وابنة أخيه, ولكنهم للأسف يعترضون على زواج الأخ وأخته, ونعم الأخلاق! (5)

فذلك المجتمع اللادينى يعترف بكل صراحة أن تلك الأفعال أخلاقية؛ لأنها لا تتنافى مع العقل, وحتى لو نفى ذلك, فسوف يقع فى خطأ عقلاني فادح، ويجب عليك أن تسأله: لماذا هو غير أخلاقي إذا كان العقل يتقبله؟

وأيضا هم لا يجدون، اعتراضًا على ممارسة الجنس مع الحيوانات, فهذا شيء أخلاقي؛ لأنه لا يتعارض مع العقل, فإذا استخدمت واقيًا ذكريًا لعدم نقل الأمراض، فماذا في ذلك؟ (6)

إذن يا عزيزى القارىء! يجب أن لا تقع في مغلوطة فلسفية، تقول لك: إن الأخلاق لا علاقة لها بالدين، بل إن الدين هو الأخلاق؛ لأنه يجب أن يكون هناك رقيب عليك تخشاه، عندما لا تخشى البشر.

حتى لو رأينا هناك غير متدينين لديهم أخلاق, فيجيب عليك أن تعلم أنها غير كاملة, بل إنها النفس البشرية الفطرية التي خلقها الله لتفرق بين الحلال و الحرام, بين الخطأ والصواب, ولكن كلما ابتعدنا عن الله, كلما ضل طريقنا إلى السراب الفكري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأخلاق
عرض التعليقات
تحميل المزيد