يُصيب القلح الأسنان فيسبب التكلس الذي يستمر ألمه حتى بعد إجراء العمليات العلاجية اللازمة، والإرهاب هو ذلك القلح الذي يُصيب المجتمعات وينخر بأواصرها، مُسببًا لها آلامًا حادةً تمتد آثارها فترة طويلة، فالإرهاب ليس جيشًا منظمًا يمكن القضاء عليه بخطط عسكرية منظمة، بل هو مجموعة من الأفراد المنتشرين داخل المجتمع والمتبعين لفكر ما، وهنا تبرز خطورة الإرهاب، حيث يستطيع تجنيد كل شخص يولي تعاطفًا لفكره بكل سهولة، وبالتالي استخدامه لتنفيذ أجندته في أي نقطة يريد. سهولة تجنيد الإرهاب للأفراد؛ أي إمكانية تشكله بواسطة أفراد يولون له مجرد التعاطف، يعقد محاولات الحكومة في القضاء عليه ويجعل آلامه مستمرة حتى إذا ما تم القضاء عليه أيضًا. فعلى الرغم من تراجع الدور التأثيري الإعلامي والعملياتي لداعش، إلا أن بعض المتعاطفين معها هنا وهناك لا يزالون يقومون بالتفجيرات الإرهابية التي تبرهن استمرار ألم الفكر الإرهابي داخل المجتمع فترةً طويلة.

يُعرّف الإرهاب على أنه مجموعات مسلحة تحاول تحقيق أهدافها السياسية عبر معيار «الغاية تُبرر الوسيلة، «المعيار الميكافيلي» المنافي للأخلاق الإنسانية، بحيث تُظهر الاستعداد لقصد أي سبيل يحقق مآربهم، ويأتي في إطار هذا السبيل قتل المدنيين الأبرياء وإجراء عمليات الاغتيال واستهداف المنافع الاقتصادية والمالية لدولة ما. لا إرهاب من دون وجود السلاح والهدف السياسي والأسلوب الميكافيلي، وهذه المحددات المُعرفة للإرهاب تفضي إلى أن المجموعات التي تحمل السلاح من أجل هدف سياسي شريف وتسير وفقًا للأخلاق الإنسانية تُستَثنى من وصف الإرهاب، ومن الأمثلة على ذلك؛ حركات المقاومة ضد الاحتلال ومنها حركات المقاومة في فلسطين. يصنف الإرهاب على أنه ديني وأيديولوجي، ويتسم كل صنف من الإرهاب بتعريفات ومحددات ومعايير ونقطة انطلاق مختلفة عن بعضها البعض.

الإرهاب الديني: هو الإرهاب المنطلق من توجيهات دينية تم تأويلها بشكل منحرف، فلا يوجد أي دين على وجه المعمورة يدعو إلى القتل والتدمير والاغتصاب باسمه. يرى الإرهاب الديني الدنيا مكان تناحر بين الأشرار والأخيار، والقتل مقدسًا بل وواجبًا، والعنف الذي يصيب المدنيين والمظلومين لا بد منه من أجل إحقاق الحق، والعدو شيطانًا يجب قتله بشتى الوسائل. يصوّر الإرهابيون الثيوقراطيون «الدينيون» أنفسهم على أنهم «مجاهدون» يسعون لإعلاء راية دينهم الحق، لذا يجوز لهم سحق كل من يقف في طريقهم. ولا خلاف بين اثنين أن تنظيم داعش هو أحد الأمثلة الحية والنموذجية على هذا النوع من الإرهاب؛ فهدفها السياسي هو «إقامة الخلافة الإسلامية»، حسب ما تشير إليه، وتستخدم السلاح لتحقيق هذا الهدف بأخلاق منافية لكافة الأعراف الإنسانية والدينية والقانونية، فهي توظف الدين الإسلامي لصالح هدفها، ولكن دين الإسلام الداعي للسلام بريء من إجرامها وفسادها.

الإرهاب الأيديولوجي: هو الإرهاب النابع عن أعراف ونظريات دنيوية موضوعة. تعتبر الأيديولوجية الشيوعية من أكثر الأيديولوجيات المُنتجة للعنف الأيديولوجي، ويُعزى ذلك إلى فكرها الثوري المبني على فكر الهيمنة المنفردة على جميع الأفكار والأنظمة الأخرى. هذا الفكر الذي يصفه البعض بـ«المتحجر» يدفع الإرهابيين الباحثين عن أيديولوجية غير دينية لرفع رايته. كما أن التاريخ حافل بأمثلة على الإرهاب المؤدلج قوميًا، وفي بعض الأحيان يكون هذا الإرهاب قوميًا يساريًا وفي بعض الأحيان يكون قوميًا يمينيًا أو دينيًا، وفي تلك الحالات يعتبر أسلوب القتل والتدمير المنافي للأخلاق الإنسانية هو الرابط المشترك بينها. لا يتوانى الإرهاب الأيديولوجي في سحق كل من يخالفه. كان أصحاب هذا النوع من الإرهاب يتورعون قليلًا عن قتل المدنيين، ولكن اليوم ينتهجون نفس نهج الإرهاب الديني في تفجير أنفسهم وقتل المدنيين من دون أي اعتبار، لكون هؤلاء لا ذنب لهم في حربهم القذرة.

ظهرت الكثير من الحركات الإرهابية الأيديولوجية عبر التاريخ وفي وقتنا المعاصر، أهمها؛ منظمة إيتا الإسبانية «الباسكية القومية الاشتراكية»، والقوات المسلحة الثورية الكولومبية اليسارية «فارك»، وحزب العمال الكردستاني، وحركة «مجاهدو خلق» الإيرانية، وحزب الاتحاد الديمقراطي «البي واي دي» وغيرها، بحسب التصنيف التركي والعالمي لها.

الإرهاب بكافة ألوانه وأشكاله مذموم وملعون، والمعضلة الأساسية التي تواجه الإنسانية في وقتنا الحالي، هو استخدام بعض الدول للمنظمات الإرهابية باعتبارها أداة لتنفيذ مصالحها في دول أخرى، وهو أسلوب أُطلق عليه مؤخرًا «الحرب بالوكالة». هذا الأسلوب حال دون تضافر الجهود الدولية للقضاء على الإرهاب بشكل فعال، مما أطال من عمر الكثير من المنظمات الإرهابية؛ للأسف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد