على مدار السنوات الأخيرة، شهدنا ضعف مستوى الثقافة والوعي لبلادنا، والذي بدوره أدى للتراجع الشديد والانحدار الحضاري.

اهتمت الدول سواء قديمًا أو حديثًا بالحضارة لارتقائها بالآدمية من خلال التمسك بقيم العدل والحرية وإنتاجها لمختلف العلوم الانسانية والحياتية، وتصديرها هذا الرقي للعالم، فيُضْفي عليها الإيمان جوًّا روحانيًّا مميزًا يدفعها للإخلاص في العمل والتوازن النفسي بين مختلف أفراد المجتمع، ويُزيِّنها فن ينقل هذه الحضارة ويعرضها ويسجلها بأفضل صورة، ويعزز هذه الحضارة وجود دعم مادي قوي يُسهِّل ويضمن الاستمرار في طريق المبادئ والإنتاج العلمي بلا ضغوط.

ومهما ظهر بها شوائب تتغلب الأُسس والمبادئ القوية وتطغى عليها. والمادة وحدها، بدون النقاط المذكورة، مجرد حضارة وهمية مؤقتة بلا مضمون وملامحها مشوهة.

وللأسف فكما نعاني من انتشار الجهل وتعدد مصادره، نعاني أيضًا من فجوة كبيرة خلقها عدد من المثقفين الذين احتكروا الثقافة والفهم، وإن كان عن غير قصد، لقلة تحفزهم واستسلامهم لما نحن فيه من عشوائية الفعل وتخبط العقل وسخف القول، فاكتفوا بالتشخيص والاعتراف أننا في حالة هبوط فكري دون علاج واستثمار فعال لكل وسائل نشر الوعي.

من هنا وجب الحديث عن أهمية خلق عدوى ثقافية تخترق عقول الجميع بمختلف طبقاتهم الاجتماعية. لا بد للعقل متخذ القرار أن يكون له ثلاث عيون يؤثر من خلالها في نشر الوعي، وينقله على الأقل للحد الأدنى من المعرفة بالقيم والحقوق والواجبات.

هذه العيون اليقظة هي ثلاثة مصادر العلم والدين والفن، كل منهم له تشعباته وطرقه ووسائله التي من خلالها نصل إلى مختلف العقول والميول.

إذا بدأنا بالعلم، فنرى الآن مرونة كبيرة في الحصول على المعرفة المباشرة لشتى المجالات الأدبية والعلمية الثقافية والسياسية، إن كان من خلال الكتب الورقية التقليدية، والتي متاح منها اليوم الكثير بمختلف الأسعار، أو الكتب الإلكترونية سهلة التحميل من الإنترنت، والمنتشرة على نطاق كبير جدًا، والأسهل من ذلك الكتب المرئية والمسموعة، سواء كتاب أو فيلم وثائقي.

وبالنسبة للأطفال والطلبة الدارسين، يجب دعم مسابقات القراءة والكتابة على أوسع نطاق.

ومن هنا ففي القضايا الفكرية خاصة، يجب أن تفتح النافذة للجميع، بالنسبة للمحتوى والمضمون، دون التوجيه والتجميل لفكر ومصادرة وتشويه فكر آخر، فالممنوع مرغوب دائمًا، والفكر الجيد يفرض نفسه ويؤتي ثماره.

وبالطبع، فطريق العلم والمعرفة لمن يبحث عنه فقط، ومن غير المنطقي القول إن عاملًا كادحًا أو أم مهمومة بمشاغل الحياة ستبحث عن تلك الرفاهية، أو حتى على أقل تقدير، طلب المعرفة بهذه الطرق قد لا يُقابَل بشغف من شباب وأناس على قدر كبير من التعليم، لذلك هناك وسائل أخرى لعدوى ثقافية أسرع مفعولًا، ألا وهي «الدين».

الدين هو المفتاح الرئيس لمجموعة قيم ومبادئ ومعاملات قد يعجز القانون عن وضعها، كأن يوقظ لك ضميرًا مثلًا، وميزة شعبنا أن روح الايمان راسخة فيه، مهما ضَل وبَعُد، فالدين هو المعيار الأساسي لأفعالنا وتفكيرنا وسلوكنا، بداية من العامل البسيط إلى رجل الأعمال الناجح، وعليه فهذه الركيزة المهمة لا بد من استثمارها من خلال تصدير فهم وسطي للدين، بلا إفراط أو تفريط، بإشراف المختصين، بالذات في القرى والمناطق العشوائية التي قد لا يعرف فيها الفرد أبسط الأمور في الدين والدنيا، وهذا الجانب يحتاج من الجهد الكثير، فما أسهل التشدد في كل شيء، وما أفضل التجديد بخطاب وسطي يحمينا من أي غزو عشوائي متطرف.

نأتى بعدها إلى الذراع الأكثر انتشارًا وتأثيرًا، وهو الفن؛ فمن لا يقرأ ولا يهتم بالدين على أغلب تقدير سيهتم بالفن، وكل شيء يمكن أن يصبح سلاحًا ذا حدين، فالفن سلاح فعال يمكن عن طريقه يمكنك أن تعبر – من خلال السينما والمسرح والرسم والموسيقى والفنون بكافة أنواعها، حتى الفن الشعبي – عن فكرة أو مبدأ أو تلفت النظر لواقع تريد تغييره أو إيضاحه، وهنا يجب تحمل المسؤلية فيما يعرض للمتلقى، مع مراعاة واحترام خلفية ومعتقد كل شعب فيما يُقدَم له.

وهنا لا ننسى التنويه عن ضرورة دعم الدين والفن كل منهما للآخر، ولهجة الشقاق التي تظهر أحيانًا في حالة من الخلاف الصارخ أو الخصام الصامت لا بد أن تهدأ بعقد اجتماعات يوضح فيها كل اتجاه فهمه للآخر، حتى الوصول إلى النقاط المشتركة وتقويتها والعمل عليها.

هذه الوسائل إجمالًا لا تفصيلًا ستؤتى أكلها إذا دُعِّمت بقرار سياسي واعٍ غير مستبد، تنعكس قراراته على المستوى الثقافي والاجتماعي. وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد