هل تبحث عن السعادة؟ منذ متى؟ هل ضللتَ الطريق؟ هل أصابك اليأس ورماكَ الإحباط بداء القعود؟!
إذًا فانتظر يومًا أو شهرًا أو بقية عمرك، فلن تأتيك السعادة على فراشك الوثير، ولن تدق بابك في الصباح الباكر لتبتسم في وجهك ابتسامة عريضة!

تريد حقًا السعادة، فابدأ بغرسها الآن، ازرعها في قلوب الآخرين، وتعهدها بمياه العطاء، وأنا أعدُك واثقًا أن تقطف ثمارها عن قريب، فـ(من زرع حصد)؛ معادلة بسيطة تعلمناها منذ نعومة الطفولة، وهي على سذاجة ألفاظها، غير أنها صادقة المعنى.

إن هذه البشرية مليئة بالأرواح الحزينة المتألمة، التي أثقلتها نكبات الحياة وأوابد الدهر، والقلوب المنكسرة الموجوعة، فاكتأبت وانعزلت بنفسها، والعيون المُسهدة الساهرة، التي أرقتها الشدائد والمِحَن، وهذه الأجسام المكدودة، التي براها وجع المرض؛ كل هؤلاء وغيرهم من يقوم لنجدتهم ويمد لهم يد الإغاثة والعون؟

حقًا سوف تجد الفرحة المنشودة حينما تلقي أطواق النجاة لهؤلاء الغرقى في معامع الحياة، حين تعطي محرومًا، تساعد محتاجًا، تغيث ملهوفًا، تؤازر ضعيفًا، تعلم إنسانًا، حين تبث الأمل في نفس مريض على حافة اليأس، حين ترسم بسمة دافئة على شفاهٍ ذابلة من برودة الألم، حين تبني قلبًا متهدمًا من لوعة الفراق والفقد.

لقد شقيت الإنسانية بنفسها، بهذه الأنانية الجشعة الجائرة، التي لا تسمع غير الـ(أنا)، وبيدها مفتاح يخلصها إلى الأبد من كوابيس الشقاء التي أصابتها، هو مفتاح: العطاء.

فابدأ ومن الآن بالعطاء غير المشروط، وافعل الخير عن عشق وطواعية، ولا تستصغر من الإحسان شيئًا، فلقد فتح الله أبواب جنته لامرأة بغيٍ قد تلوثت طويلًا بالفاحشة من أجل أنها سقَتْ كلبًا كاد العطش يقتله، وأدخل رجلًا الجنة لأنه أزاح شوكًا عن الطريق.
فكيف إذا رويت نفوسًا صادية ماءَ الحياة؟! كيف إذا أزلتَ أشواك الأسى عن أرواح متألمة؟!

فانظر هل تكون من هذه الطائفة الجبانة الأنانية (… وطائفة قد أهمَّتهم أنفسهم)، من الذين يعيشون لذواتهم فحسب؟ فلن تجد طعمًا لراحة البال، وهدوء الضمير الذي ترجوه، ولا تبالِ في أي بقعة دُفنتَ، فلن تبكيك عين، ولن يُفجع عليك فؤاد، وليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة!
أم تكون من هذه الطائفة الباذلة المعطاءة؛ طائفة (ويؤثرون على أنفسهم)، وفريق (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا)؟
فهؤلاء وإن جهلتهم الأرض، فلقد عرفتهم السماء!

وحتى تكون سعادتك بالبذل كاملة، فعليك بفعل الخير عن حُبٍ مَكين، وعشق غلاب، ليس لمجرد انتظار المقابل وحُب الظهور، وترقُب ثناء البشر.
بل عليك أن تتوقع نكران الجميل، وجحود المعروف ممن أحسنت إليهم، فهذا حالهم مع ربهم وخالقهم: (إن الإنسان لربه لكنود)! وتتوارى الكلمات خجلًا أمام الوصف القرآني: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسَّه الشر فذو دعاء عريض)!
فلا عليك إذا أهديت بليدًا قلمًا فكتب به هجاءك، ولا عليك إذا أكرمت قلبًا ولملمتَ شعثه وحطامه، فكان الجزاء غدرًا وخيانةً!

إن تاريخ الحياة مؤسف، فهذا محمد النبي الأعظم الكريم المعطاء، الذي يصفه من رآه بأنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وبأنه أجود بالخير من الريح المرسلة، ورغم ذلك يأتيه أعرابي فظ فيصرخ في وجهه قائلًا: (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل)!

وعليك أن تطرح على نفسك هذا السؤال الآن: من ينتصر بداخلك في هذا الصراع المحتدم؛ الأنانية أم العطاء؟
واختر لنفسك ما يليق بك، فهو بوابة دخولك للشقاء أو السعادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد