كانت البداية عندما مرر أحد الأصدقاء مقطعًا على فيسبوك لشخص غير معروف بالنسبة لي، شاحب الوجه تكسوه صفرة، ذي وجنتين غائرتين، وأسنان غير متناسقة؛ تتوق إلى تقويم – وأحسب أنه ما عاد يجدي في هذه السن- ضعيف البنية، ملابسه غير مهندمة؛ قميصه مفتوح الأزرار، سلستان تطوقان عنقه وتتدليان حتى سرة بطنه، وحينما ذكر هو اسمه «مجدي شطة»؛ قُذف في روعي أنه (كابو) ألتراس أحد الأندية الكروية، نسبة إلى الكابتن «شطة» نجم فريق الأهلي في السبعينات، الذي عاصر محمود الخطيب.

 

وعلى الرغم من هيئة شطه المثيرة للبهجة، فإنه كان متجهمًا، لهجته الحازمة، وبكلمات تنفث غضبًا وقاطعةً في الآن نفسه يخبر جمهوره أنه لن يحضر حفلة «حمو بيكا»؛ مما يشي أن بيكا قد استغل اسمه لتحقيق مأرب شخصي.

 

حمو بيكا هو الاسم الذي أربكني أيَّما إرباك، فطفقت أبحث على موقع جوجل في لهفة مؤرقة أسعى حثيثًا للوصول إلى ما يروي ذلك الظمأ المعرفي الذي يجتاح صدري، فما لبثت إلا قليلًا حتى عرفت أنهما نجمان ساطعان في سماء الأغنية الشعبية.

 

فالأغنية الشعبية، أو ما يتعارف عليه بالمهرجانات التي هي دغل استوائي من الأصوات المختلطة؛ فالموسيقى فيها مضطربة أشد ما يكون الاضطراب كموج هائج، صاخبة بشدة، ليس لها مقام معين، أو إيقاع محدد، إنما هي خبط عشواء، متداخلة لدرجة لا تكاد معها تتبين الكلمات الشديدة الابتذال والضحالة، حينئذ يأخذك العجب كل العجب، كيف لهذه الكلمات التي تراوح ما بين وصف الخيانة، المخدرات، ودلع النساء، وصولًا إلى وصف العلاقات الحميمة، أن يسكت عنها الناس، أو يرتضوها، فضلًا عن كونهم يرددونها ويرقصون عليها؟!

 

ولا أدري سببًا محددًا للمدى الواسع لانتشار «المهرجانات» كالنار في الهشيم، فلا تنزل سوقًا شعبيًّا، مولًا أرستقراطيًّا أو حتى وسيلة من وسائل المواصلات، إلا وتحاصرك وتجتاح أُذنيك.

فالبعض منها قد حقق ما يزيد على 10 ملايين مشاهدة في أسبوع على يوتيوب؛ وقد أرجعه البعض مثل الشاعر الغنائي ناصر الجيل إلى الإحباط الذي تفشي بعد أن بلغ الأمل قمته في النفوس، إبان ثورة يناير (كانون الثاني)، ويقارنها بظهور المطرب أحمد عدوية بعد نكسة 1967 عندما أطلق «سلامتها أم حسن» و«السح الدح أمبو»، وكأنها مرتبطة بظرف زماني معين.

 

وهذا الرأي وإن كان له وجاهته فإنه يحمل الأمر على أنه طارئ لنتيجة لحالة بعينها وظرف محدود، وأرى أنه أغفل التاريخ، وسنثبت ذلك دونما أن نتوغل عميقًا، إنما سنأخذ لمحة تاريخية سريعة على مرحلة ما قبل عدوية.

ففي بدايات القرن العشرين، غنى عبد اللطيف البنا «حلف إنه يمتعني»، وغنى سيد درويش «مش ليلة تجيني و10 ما فيش»، ثم تأتيك منيرة المهدية، التي يمكن تصنيفها أغنية للكبار بسبب تضمنها بعض الإيحاءات المبالغ فيها، وتبدأ كلمات الأغنية بـ«انسى اللي فات وتعالى بات ليلة التلات، بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة»، وكذلك «على سرير النوم دلعني» لحبيبة مسيكة، وجل هذه الأغاني من تأليف محمد يونس القاضي، والغريب كل الغرابة أنه شاعر النشيد الوطني المصري الحالي «بلادي بلادي».

وأراك تتعجب عجبي عندما تعرف أن أم كلثوم في بداية حياتها غنت له أغنية بعنوان «الخلاعة مذهبي»، وأن محمد عبد الوهاب هو الآخر غنى أغنية عن لعب الورق «القمار» وكأنها كانت ثيمة للعصر.

 

وبهذا التطواف نجد أن الموضوع ليس استثناء نتيجة ظرف تاريخي معين، ولكن له جذور، وما هو إلا امتداد طبيعي، وخط متصل يريد البعض أن يتعامى عنه عامدًا.

 

وقد يطرح البعض سؤالًا: لماذا تكتب عن هذا وبكل هذا التفصيل؟!

أرى أن الموضوع جد خطير، وله دلالات عديدة:

أولها: إدخال اللغة العامية ألفاظ جديدة تحمل إيحاءات إباحية شديدة الخطورة، ومن كثرة تداولها تصبح عادية ومقبولة، ودعني أدلل بأخفها ولا أستطيع أن أعبره إلى غيره – يمنعني الحياء- وإن كنت حتى أسوقه، ويؤلمني أن أراه في إحدى مقالاتي، وهو «مزة»، وبالرغم من أنه بذيء ومقزز، فإنه بات مصطلحًا متداولًا يردده الكبير والصغير، ويقصد به البنت/ السيدة الجميلة.

ثانيًا:

المهرجانات الشعبية هي في الأصل موجهة للطبقات المهمشة ماديًّا أو ثقافيًّا، مما يزيد الطين بلة؛ فبدلًا من أن ترتقي بهم، تنحدر بذوقهم إلى الحضيض، والأدهى والأمر هو جعل هذه الطبقات مغلقة على نفسها، لها ثقافتها وأغانيها وحتى لغتها؛ فيتفتت المجتمع بقصد أو على غير قصد؛ فيكون مجتمعًا، وإن كان يبدو للناظر العجلان تجانسه وامتزاجه، إلا أنه في الحقيقة منقسم إلى جزر منعزلة، منكفئة على نفسها، لا يجمعها هدف، ولا يوحدها مبدأ، وتذكرك تلك الحالة بحالة الأمة قبل الغزو التتاري أو بملوك الطوائف قبل سقوط الأندلس.

فهل من عاقل رشيد؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد