دائمًا أكرر أن لا سلطة على الأدمغة -خاصةً في ما يتعلق بالجماليات أو القراءة- ما يعجبك لن يعجب غيرك، ولا مقاييس محددة للإعجاب بالأدب، هذا التنوع أدى إلى ظهور التخصصات العديدة في الروايات، مثل: الرومانسية والفانتازيا والسياسية، وكل منهم له جمهوره ومهاجميه، لكن لا يوجد منهم ذو رأي صحيح أو خاطئ 100%.

القراء يتنازعون يوميًّا على ملايين الأفكار، منها التابوهات الثلاثة المحرمة: «الجنس والسياسة والدين»، ورغم كثرة الحوارات حول تمثيل هذه الموضوعات في الأدب، يتخذ كل منهم شكلًا جديدًا، نسبة لكون القارئ جيدًا فاهمًا الأدب بشكل عام، أو سطحيًّا ذا منظور قصير.

إذا كنت قارئًا متابعًا لوسائل التواصل الاجتماعي، سوف تجد تباينًا في مستويات المقالات النقدية عن الروايات والأعمال الأدبية، هناك من يهاجم الجنس بوصفه مفسدًا أخلاقيًّا، وآخر يرى أن الجنس أداة للوصف، وهي موجودة على الواقع ولا سبيل لتجاهلها. بين هذه الآراء لك مطلق الحرية في اختيار ما يناسبك؛ لأن كلًا منهما يمتلك نصيبًا من الصواب، ولكن لن يعجبك أبدًا من يرفض الجنس في مشهد لا يروقه، حينها قد تعلم معنى أن تكون سطحيًّا في قراءتك.

القراءة هي الاطلاع على عوالم مختلفة وأزمنة أخرى، إذا لم يكن لك قدرة على التكيف مع مجتمعات من الأغنياء أو من المنحطين لن تفهم العمل، لن تفهم أبدًا لم قد يسرق البطل وعائلته تتضور من الجوع؛ لأن ذلك ضد مبادئك!

باختصار لن تكون قارئًا جيدًا أو منصفًا، ما دمت لم تتجرد من القالب المعتاد، وتضع نفسك في مأزق أخلاقي أو في قالب زمني آخر.

أكبر مثال شاهدته عن سطحية بعض القراء كان حين انتهيت من رواية «الحرية أو الموت» للعبقرى نيكوس كازنتاكيس، الرواية تتحدث عن اليونان والعثمانيين، وهي من وجهه نظر رجل أمي بسيط توفي أقرباؤه أثناء الثورات؛ لذا من الطبيعي أن يهاجم البطل المعتدين «العثمانيين» بوصفهم الطرف الآخر ودينهم «الإسلام» كرد فعل من إنسان عادي يكره طائفة معينة، وبالتالي ينعكس على تفكيره بتحيز وعنصرية واضحة، حتى إذا لم تكن هذه آراء الكاتب نفسه، ولكن القالب الزمني والشخصيات تفرض هذا الانحياز.

الرواية بديعة جدًّا لكاتب عالمي مثل نيكوس كازنتاكيس، وصف سردي ممتاز وأحداث مختلطة بالمشاعر وشخصيات كثيرة متقنة تصنع لك محاكاة عن هذه الفترة، ولكن كانت تعليقات الكثير من الناس غريبة ومربكة.

فئة تهاجم الكاتب لأنه يهاجم الإسلام، الغريب أنهم يهاجمون دفاعًا عن قضية كبيرة بمثل هذا الأسلوب الهزلي غير قادرين على الفصل بين أحداث رواية ووقائع تاريخية، الرواية ليست كتابًا عن الأديان أو عن الدولة العثمانية، بل وصف لمعاناة شعب تحت المدافع الأكثر تقدمًا؛ فلن يكون منطقيًّا وصفهم بالملائكة طبعًا، ومن الطبيعي أن يتغلب الكره الإنساني على الدراسة والعلم ليصبح كرهًا أعمى لا يميز بين الإنسان ودينه، إذن نقد رواية بناء على فكرة في السياق يضيع الكثير ويمنعنا من النظر الصحيح للنص الأدبي، وهذا لا يمنع أن التعصب لقضايا الدين جيد، ولكن له مكانه.

فئة أخرى ترى الرواية سيئة بسبب وصفها الطويل لبعض الأحداث مما يجعلها مملة، قد لا يبدو هذا مثيرًا، لكن لا يجب على كل الأعمال العظيمة أن تكون ذات إيقاع سريع، بل أفضل الأعمال هي المليئة بالتفاصيل والشخصيات لتصل إلينا كاملة متخمة بالمشاعر وبالشكل الصحيح، وعليه وصفت الرواية بالسيئة وبتقييمات مخزية متجاهلة اللغة والشخصيات والسرد ومركزة فقط على بطء الأحداث!

شخصيًّا لا أرى أن هذين الخطأين كبيران؛ فمن حقك التعصب لقضية أو البحث عن تسليتك في القراءة ولكن بدون مبالغة، الأهواء الشخصية والتركيز على جهة واحدة وتجاهل باقي الجهات من عيوب القراء التي تضيع قيمة أعمال عظيمة؛ لذا يجب الاحتراس منها، خاصة إذا كانت تمنعنا من الاستفادة من هذه الأعمال، إذا كنا لن نكف أو نتعلم منها على المدى الطويل، فالأفضل التوقف عن القراءة نهائيًّا.

لن تكون قارئًا جيدًا إذا استمررت بالوقوع في هذه الأخطاء وتجاهل الجوهر الأساسي، ولكن متى تكون قارئًا غبيًّا؟!

ربما سبب استخدامي لمثل رواية الحرية أو الموت هو أنني لاحظت هذه النقطة في تقييم الرواية، قام أحد الأشخاص بتقييم الرواية بتقييم سيئ مثل البعض، ولكن السبب كان أغرب من أن أصدق أنه يمكن تقييم عمل أدبي بهذا الشكل، تذمرت الشخصية من كون البطل يعامل الزوجة بطريقة سيئة، وأن الكاتب منحاز للذكور أكثر من الإناث!

حسنًا، المشكلة لم تكن في الذكور والإناث، ولكن لتجاهل السياق العام أن هذا البطل رجل أمي في فترة مظلمة في اليونان، وتحت عدة حروب داخلية، ولا أظن أن هناك مجالًا لمناقشة حقوق الإنسان أو حقوق المرأة أو أي فكرة أخرى، الفكرة هزلية جدًّا في الخلط بين الميول الشخصية والتعصب وفي أمر لا يهم من الأساس، قد لا يبدو الموضوع مهمًّا، ولكن عندما تعلم أن كاتب هذا الرأي واحدة من أفضل الكاتبات في الوطن العربي ويتابعها الآلاف سنويًّا، إذا كان هذا هو القارئ السطحي فما بالك بالكاتب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات