مفهوم الأمن في البلدان الإسلامية والعربية منها على الخصوص أصبح مختزلًا فيما يسمى أمن الدولة، فما هي حقيقة هذا الأمن؟ وما هو المفهوم الصحيح للأمن؟

للإجابة على هذا التساؤل يجب أولًا تفكيك معنى الدولة والنظام والسلطة.

مفهوم الدولة ومقوماتها

الدولة مؤسسة تتكون من موظفين ووزراء… إلخ، يعملون تحت قائد عام (رئيس، ملك) ليرعوا شؤون الناس في بلدٍ للمؤسسة سيادة كاملة عليه، رعاية شؤونهم حسب مجموعة أفكار (مبدأ) تحدد غاية وجود الناس في الحياة ومقياس الحق والباطل لديهم، أفكار آمن بها مجموعُ الشعب (أي نسبة مهمة منه وليس بالضرورة كل فرد)، وهذا المبدأ هو ما يستحق حمل اسم نظام. فالنظام هو مجموعة الأفكار التي اعتنقها شعبٌ وتُنفذها الدولة بالنيابة عنه، أي ترعى شؤون حياتهم حسبها.

وهذه المؤسسة لابد لها من قوة مسلحة، جيش وشرطة… إلخ، تمكنها من تطبيق النظام، أي تنفيذ كل ما هو متعلق برعاية شؤون الناس حسب ما يحدده المبدأ الذي آمن به مجموع الشعب، ولتحمي حياة الناس وأملاكهم وأعراضهم، وتحميهم من أي غزو وعدوان خارجي، وتدافع عن مصالحهم في الخارج. والقوة المسلحة هي ما يستحق حمل مسمى السلطة.

والمؤسسة لابد لها من موارد مالية تمكنها من النفقة على الموظفين والقوات المسلحة وترعى بها شؤون الناس.

إذًا الدولة هي مؤسسة ذات سلطة وموارد مالية، تتبنى مجموعة أفكار ومبادئ آمن بها مجموعُ الشعب وتتولى بتفويض منه تنفيذها ورعاية شؤون الناس حسبها.

ما هي وظيفة السلطة ولمن يجب أن يكون ولاؤها

من خلال ما تقدم يتبين أن المفهوم الصحيح للسلطة أنها قوة مسلحة تحمي نظام الدولة، أي تحمي مجموعة الأفكار – المبدأ – الذي آمن به مجموع الشعب وقامت على أساسه الدولة. وبالتالي فولاء السلطة يجب أن يكون ابتداءً للمبدأ، أما الولاء للحاكم فيكون تبعًا للولاء للمبدأ، وليس مستقلًا عنه. فطاعة الحاكم عليها أن تنحصر ضمن إطار المبدأ وخدمةً له، أي ما دام الحاكم يحكم على أساس المبدأ الذي آمن به الشعب. ولذلك تجد نصوصًا صريحة في الإسلام تحدد طاعة الحاكم في إطار ما جاء به القرآن والسُّنَّة (نصوص القرآن والسنة تشكل مبدأ المسلمين)، منها قول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. (سورة النساء). فالله أفرد طاعةً مطلقةً مستقلة له سبحانه (أَطِيعُوا اللَّهَ)، طاعته لذاته هو سبحانه، وأفرد طاعة مطلقة مستقلة لرسوله (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)؛ لأن رسوله لا يأمر بشيء عن هوى، وإنما بوحي من الله، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. (سورة النجم)، فطاعة الرسول من طاعة الله، لكنه سبحانه لم يقل (وأطيعوا أولي الأمر)، بل عطف طاعتهم على طاعة الله والرسول (وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)، فطاعة أولي الأمر ليست مُفْردة مستقلة، ليست طاعة لذات ولي الأمر – أحببناه أو كرهناه – ولكنها مندرجة تحت طاعة الله والرسول، أي ما داموا يحكمون بكتاب الله وسنة رسوله. ولذلك قال الرسول: لا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ، السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ. (صحيح البخاري). ومن ثم كان الحاكم والمحكوم ملزمين بالتحاكم لله (القرآن) والرسول (السُّنة)، فإن اختلفوا في أمر فالفاصل فيه هو قول الله وقول الرسول (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

إذًا الولاء للمبدأ هو الأساس الذي يجب أن يُربى عليه أفراد السلطة.

انحراف عقيدة السلطة في البلدان الإسلامية

إلا أن الذي وقع في البلدان الإسلامية منذ أسس الغرب دولها إبان عهد الاستعمار العسكري المباشر، هو أنها – أي هذه الدول – أُسست على أساس الولاء التام للغرب، وأُفرِغَت الشعوب المسلمة – بسبب سياسات التغريب والترهيب – من الإسلام كمنهج للحياة الذي كانت تحمله لأكثر من 1300 سنة، فأصبح كل ما لديها هو مجموعة أفكار سطحية مبعثرة، خليط من مفاهيم علمانية متعلقة بالحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأخرى بقايا من الإسلام شبه منحصرة في مجال العبادات. وترتب على هذا التحول انحراف كلي في عقيدة السلطة (الجيش والشرطة)، إذ ولاؤهم أصبح ولاءً تامًا – أعمى – للحاكم (ملك أو رئيس) وللغرب لا للمبدأ.

السلطة في البلدان الإسلامية تحَوَّلت لتصبح هي النظام نفسه وهي الدولة نفسها. أي أن الدولة أُفرغت من مقوماتها، أُفرغت من النظام (الفكر والمبدأ) وتخلت عن وظيفة رعاية شؤون الناس، لتتقزَّم وتصبح مختزلة في السلطة، الدولة بهذا الشكل أصبح دورها منحصرا في حراسة الناس (وليس حمايتهم) والتجسس عليهم وتعَقُّب كل خطواتهم وليس رعاية شؤونهم، أصبح دورها جباية الأموال بغير وجه حق وليس النفقة على الناس وتمكينهم من حياة كريمة. الدول في العالم الاسلامي تحولت لمجرد سلطة مُتَسَلِّطَة مستبدة طاغية (يُطلق عليها جزافا اسم نظام ودولة)، ولاؤها للحاكم وللغرب وليس للإسلام الذي يؤمن به المسلمون. دور هذه السلطة رعاية مصالح الغرب وحمايتها من الشعوب المسلمة. فالسلطات في العالم الإسلامي تنظر لشعوبها على أنها عدو، فتلعب دور السَّجَّان الذي يحرس الشعوب ويمنعها من النهضة والتحرر ومن حياة كريمة؛ لأن كل ذلك يعني نهاية وصاية الغرب على تلك الشعوب ونهاية نهبه لخيراتها وتسخيرها كخادم لمشاريعه ومستهلك لمنتجاته.

هذه حقيقة أمن الدولة

ومن ثم حين يتحدث الحكام اليوم في البلدان الإسلامية عن أمن الدولة فهم قطعًا لا يقصدون أمن الشعوب، بل يقصدون أمنهم هم كحكام وأمن السلطة (الشرطة الجيش… إلخ) التي تحمي الحكام. يقصدون تأمين عروش الحكام من الزوال وتأمين قُوتِهم ومساكنهم وأموالهم وممتلكاتهم، حمايتها من الشعوب التي يحتقرونها ويعتبرونها عبئًا عليهم ومصدرًا للخطر على مصالحهم ومصالح الغرب الذي يحمي عروشهم.

الحفاظ على الأمن والاستقرار يعني ألا تصدر من الشعب أي انتقادات للحاكم ولا احتجاجات أو مظاهرات، ولا مطالب برعاية شؤون الناس وقضاء حاجاتهم، أو أن يقوم الشعب بانتفاضات أو ثورات ضد الظلم والفساد والتهميش، فأي تحرك للشعب من هذا القبيل يُقابَل بحملات تسفيه واعتقال وسجن وتعذيب وقتل. فالحفاظ على الأمن هو أن يبقى الشعب هادئًا، لا بل ميتًا، لا يحرك ساكنا مهما حل به من ظلم وفقر وجوع ومرض وإهانة.

أصبح مفهوم الأمن لدى الدول في العالم الاسلامي هو تخويف الناس وإرهابهم، تخويفهم حتى لا يفكروا في مجرد النبس ببنت شفة اتجاه الحكام وسياساتهم وضد الظلم الذي يقع عليهم.

الدول في العالم الإسلامي بُنيت على فراغ فكري وعقائدي، حل محل العقيدة والفكر الخوف والإرهاب (الحديث هنا عن إرهاب فكري ومادي تمارسه الدول بشتى الوسائل على الشعوب)، هذه الدول تخوف الناس من مجرد التفكير والاعتقاد وتعاقبهم أشد العقاب على ذلك!

المفهوم الصحيح للأمن ومقوماته

لكن الدول والمجتمعات السَّوِية لا تقوم على أساس الخوف وما يَحِقُّ لها ذلك، بل تقوم على مجموعة أفكار – مبدأ – يحدد وظيفة الدولة والمجتمع وهدفهما في الحياة، ويحدد مقياسا للحلال والحرام الذي به يُضبط مفهومٌ للمصالح وكيفية قضاءها، ويحدد كيفية وَوُجُوب رعاية شؤون الناس.

ولما كان المفهوم الصحيح للدولة (كما تقدَّمَ تبيانه) على أنها مؤسسة ذات سلطة وموارد مالية، تتبنى مجموعة أفكار ومبادئ آمن بها مجموعُ الشعب وتتولى بتفويض منه تنفيذها ورعاية شؤون الناس حسبها، فإن الأمن الحقيقي للمجتمع يتمثل في مدى إمكانية الناس الحياة حسب ما يوافق عقيدتهم (مبدأهم) ومشاعرهم المنبثقة من تلك العقيدة، بحيث يكون انسجامٌ تام بين القوانين وبين عقيدة الناس، فلا تكون مثلًا قوانين تحرم ما تحلله عقيدتهم، ولا قوانين تحلل ما هو حرام حسب عقيدتهم، ولا تكون قوانين تمنعهم من ممارسة ما أمرتهم عقيدتهم القيام به، ولا قوانين تجبرهم على القيام بما تلزمهم عقيدتهم تركه، ولا تكون قوانين تبيح ما يفتنهم في معتقدهم. هذا هو الأمن الحقيقي الذي يحقق الطمأنينة، هذا هو الأمن الاجتماعي. وهذا الأمن الاجتماعي هو الذي يجب على السلطة حمايته، حمايته من الخرق. ومن أهم ما يخرق أمن الناس فتنتهم في دينهم لذلك قال الله: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ. وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ. (سورة البقرة). كما أن مما يخرق أمن الناس ترويعهم، قال رسول الله: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا (سنن أبي داود)، وأخذ أموالهم بغير وجه حق حدده الله والرسول، وانتهاك أعراضهم، وإذلالهم، وسفك دمائهم، ونشر الفاحشة بينهم، وتمكين دول الغرب من احتلال بلدانهم واستنزاف خيراتها.

فأَمْنُ الشعوب لا يتحقق إلا بتمكينها من العيش حسب معتقداتها، وبتأمين طعام وشراب ومسكن كل فرد (مسلمًا كان أو غير مسلم). فمن ليس لديه عمل أو مدخوله لا يكفي لتغطية كل نفقات عيشه هو وأهله، على الدولة منحه ما يكفيه للعيش من أموال الزكاة ومن الأموال المُكتسبة من الملكيات العامة وملكيات الدولة (كالخَرَاج والموارد الطبيعية من نفط وغاز طبيعي وشتى المعادن المُستخرجة من الأرض… إلخ)، فأول السبيل لمحاربة السرقة وقطاع الطرق يكون بتمكين الناس من قُوتِهِم اليومي فلا يضطر الإنسان للسرقة. وعلى الدولة تمكين كل فرد من العلاج المجاني، ومنع كل مظاهر وأساليب إذلال الناس وإهانتهم، ومحاربة العنف اللفظي والجسدي الذي تفشى في المجتمعات، ومحاربة الجهل بتمكين الناس من كل وسائل التعليم المجاني والتثقيف. وأهم السبل للقضاء على العنف اللفظي والجسدي هو ألا تمارسه الدولة نفسها تجاه الناس، لا في الحياة العامة ولا في السجون والمعتقلات، بل تعاملهم باحترام فتفرض تعاملًا احترافيًا منضبطًا (ليس ارتجاليًا) على كل الموظفين تجاه الناس، وتضع أنظمة إدارية تحفظ كرامة الناس فلا تُعَقِّد الاجراءات الإدارية ولا تجعل الناس ينتظرون في طوابير طويلة لساعات وأيام من أجل الحصول على أبسط المستحقات، وتجعل عقوبة صارمة لكل موظف يجبر الناس على دفع الرشوة لقضاء مصالحهم.

ملخص لأهم مقومات أمن الشعب

فأمن الشعب قطعًا ليس هو أمن الدولة، خصوصًا إذا كانت الدولة منفصلة عن الشعب ولا تجسد عقيدته وتصرف أعمالها حسبها، ولا تعتبر نفسها مسؤولة عن رعاية شؤون الناس وقضاء كل حاجاتهم، بل وتنظر للشعب كعدو يجب محاربته.

فيمكن تلخيص أهم مقومات أمن الشعب:

  •  ألاَّ يُفتن الناس في دينهم، فلا تمارس الدولة سياسات ولا تُسِنُّ قوانين تخالف عقيدتهم وتهز مشاعرهم المنبثقة من تلك العقيدة.
  • تأمين قوت كل فرد بحيث تُحفظ كرامة الناس ولا يحتاج أحد لمد يده ولا للهجرة طلبًا للقمة العيش.
  • توفير مسكن لائق لكل أسرة.

فمن لم يستطيع توفير قوت يومه أو سكن من عَمَل، أصبح واجبًا على الدولة أن تُوَفَّر له هذه الأساسيات من أموال الزكاة ومن موارد الملكية العامة للشعب.

  • تمكين كل فرد من التطبيب بالمجان.
  • تمكين كل الناس من التعليم عالي المستوى بالمجان.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سَرَبهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا” (سنن الترمذي)، (سَرَبهِ – بفتحتين – أي: في بيته). فأهم الأساسيات للعيش الكريم هو أن يكون للإنسان بيت يأويه، وقوته اليومي متوفر، وينعم بصحة البدن بتمكينه من العلاج مما يصيبه من أمراض وآلام.

وظيفة الحاكم توفير الأمن للشعب

والرسول لما أسس دولةً للمسلمين في المدينة وتولى رئاستها، ورغم ضعف مواردها الشديد، خصوصًا في بداية عهدها، تولى منذ اليوم الأول رعاية شؤون كل الناس، فآوى الفقراء والمساكين في المسجد النبوي، ولم يتركهم يبيتوا في العراء، وكان ينفق عليهم مما يجمع من صدقات ومن الهدايا التي كانت تأتيه، ولاحقًا من الزكاة التي فُرِضت على المسلمين، إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. (سورة التوبة)، ولما توسعت الدولة وأغدق الله عليها بأموال وأراضٍ وأملاك كان الرسول يوزعها – بصفته رئيس الدولة – بطريقة تمكن الفقراء والمساكين من الاغتناء فلا تصبح الثروة محتكرة بيد فئة قليلة من الأغنياء، مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ. (سورة الحشر).

فالدولة التي تُجَسِّد عمليا العقيدة التي يحملها الشعب وتتولى – بتفويض منه – تنفيذها ورعاية شؤون الناس حسبها، وجب عليها توزيع مواردها – مهما قلَّت أو كَثُرت – بالعدل بين الناس كلٌّ حسب حاجته، فيكون للناس الأكثر ضعفًا وفقرًا النصيب الأكبر من تلك الموارد لكي تُقلص ما أمكن الفجوة المادية بين الناس، ولتُحفظ كرامة الضعفاء ولا يُستغل ضعفهم وحاجتهم من قِبَلِ الأغنياء والأقوياء.

فالأمن الحقيقي هو أمن الشعب وليس أمن الحُكَّام، فالحكام هم خُدام الشعب، واجبهم توفير الأمن للناس – فردًا فردًا – بتمكينهم من ضروريات الحياة الكريمة التي تقدم ذِكْرُ أهمها. فالحاكم حسب معايير الإسلام هو الذي يسهر على راحة الشعب وأمنه، فيشبع الناس قبل أن يشبع هو، ويجوع هو قبل أن يجوعوا هم… فها هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لجأ إليه الناس في عام الرمادة بعد أن نفذ زَادهم (عامٌ أصاب فيه البلاد جفاف شديد أدى الى قلة الغداء)، فَأَنْفَقَ فِيهِمْ مِنْ حَوَاصِلِ بَيْتِ الْمَالِ مِمَّا فِيهِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَمْوَالِ حَتَّى أَنْفَدَهُ، وَأَلْزَمَ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا وَلا سَمِينًا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِالنَّاسِ، فَكَانَ فِي زَمَنِ الْخِصْبِ يُبَسُّ لَهُ الْخُبْزُ بِاللَّبَنِ وَالسَّمْنِ، ثُمَّ كَانَ عَامَ الرَّمَادَةِ يُبَسُّ لَهُ بِالزَّيْتِ وَالْخَلِّ، وَكَانَ يَسْتَمْرِئُ الزَّيْتَ، وَكَانَ لَا يَشْبَعُ مَعَ ذَلِكَ، فَاسْوَدَّ لَوْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَتَغَيَّرَ جِسْمُهُ حَتَّى كَادَ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ. (البداية والنهاية لابن كثير).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد