كم من بيننا جياع ومحتاجون لا يعرفون إلى الكفاف سبيلا، ولكن هناك من هم أحق بالشفقة وأجدر بالرثاء، ونقصد فرانس التخمة والبطنة، وربما كان من قبيل سخرية الأقدار، أن قد أصبح بيننا أضعاف الجياع من المتخمين الذين لا يجدون إلى الكف عن الالتهام والافتراس سبيلا، وإذا هم واتتهم الفرصة وتهيأ لهم الانقطاع عن الطعام راحوا يطلقون من الشكوى أمرها خيفة الجوع وهو دواء التخمة الوحيد، فما أشبههم بمريض يشكو علة قاتلة ويأبى أن يتجرع الدواء الشافي لها.

والمعروف في الأوساط الطبية أن التخمة تؤدي بصاحبها إلى عواقب وخيمة على المدى الطويل بفعل تراكماتها السلبية ولما كان المتخم بحكم المريض الذي يحمل دواءه بيده ويعجز عن رفعه إلى شفتيه لينال بتجرعه البراءة، كان الأجدر بالرثاء من الجائع المجرد من وسائل وطرق التدواي، واﻷنكى من ذلك أن هذه الكثرة من المتخمين لا تتورع ولا تخجل من أن تشكوا ما بها على مرأى ومسمع من الجياع وتتوقع منهم ضمنا أن ينسوا أو يتناسوا آلام الجوع وحرارته التي تمزق أحشاءهم، ويشاطروها آلام التخمة التي تعانيها.
هذه هي الحال مع نفر قليل من أبناء جلدتنا وسواهم أصابوا أرباحًا طائلة في سنوات قليلة معدودة بفعل مناصبهم التي حولوها إلى تخمة سياسية واقتصادية واجتماعية وزادت الهوة بينهم وبين الفقراء الذين يشكلون فقط رقمًا في معادلة التوافقات الانتخابية الوقتية، وأصبحت المسافة بينهم وبين المتخمين لا تقاس إلا بالأرقام والمصطلحات الفلكية.
ومن القواعد الطبيعية أن الامتلاء يعقبه الفيض الذي ينتظره العطاش ليرووا ظمأهم، ولكن ما الحيلة إذا كان الوعاء مثقوبا فلا يمتلئ البتة، فهو مثل انسكاب الماء في الرمل.
وأشخاص مهما تدفقت عليهم النعم لم يفض ولم يصدر عنهم ولو نزر قليل يجودون به على ذوي الفاقة والحاجات.
أما في واقعنا المحسوس ونقصد مضمار الكدح والكسب فتحل مكان الظرف معدة ذات قابلية عند بعض الناس للتمدد والاستيعاب بحيث لا تضيق بشيء مهما التهمت في شراهة منقطعة النظير.
ولهذا فالجود بمعناه لم يكن نتيجة الغنى برغم المثل القائل «لا جود إلا من الموجود» فعبثا إذن ننتظر تدفق الخيرات على بعض الناس كمقدمة لصيرورتهم جوادين بعد أن كانوا بخلاء.
فالكرم سجية أصيلة وحميدة وهي دليل على نقاء وبياض القلوب وهي من سنام الأخلاق، ويشرع صاحبها بممارستها بما يستطيعه مهما قل، ويزيده تدريجيا كلما ازداد كسبه وقوته، ويحثه عليه دافع ذاتي وأخلاقي غير مشترط الشكر أو ملتمس الأجر إذ ليس بجود البتة ما يبتز من البخلاء ابتزازا بالالحاح والالحاف حينا، وبوسائل الإغراء المعروفة كالتنويه والتبجيل والتعظيم أحيانا وما أكثرهم في زماننا هذا حتى أضحت جزءا لايتجزأ من منظومة الدولة في المجال المساعداتي والخدماتي وكأنها منحة تستوجب الشكر والثناء والحمد وما  هي إلا حق من حقوقك الطبيعية التي تحولت إلى سلعة أمام الكاميرات لتسويقها داخليا وخارجيا.
فقد يجود الموسر بالألف فلا يحسب كريما، بينما قد يجود المعسر بالواحد ويعد طائيا حاتميا، وكم من بيننا من أناس كانوا معدودين في فقرهم كرماء فأصبحوا في غناهم بخلاء لتقصيرهم في مضمار البذل على نسبة ما أصبحوا يملكون ولاعبرة بما يجودون به.
وعلى هذا فليطمئن الذين تضاعفت ثرواتهم وطفحت خزائنهم، فجادوا بمبالغ لم يكن يتوقع أحد فيما مضى أن يجودوا يوما بعشر معشارها، فهم مافتئوا في عرف الحقيقة والواقع معتبرين بخلاء من الطراز الأول ولا يعزهم البتة ما يبلغ أسماعهم أو يرونه من منشورات في الإعلام والصحف من عبارات المدح والثناء وآيات المدح والتسبيح الريائي فهم مذمومون ضمنا وهمسا وفعلا وليعلموا أن الإحسان الوحيد الذي يكتب لهم في السماء هو ذاك الذي لايعلم به إلا المحسن إليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد