في اقتباس متداول على وسائل التواصل الاجتماعي لا أعرف مصدره ولا كاتبه، يقول «لا تعنيني نواياك الطيبة إن كان أسلوبك سيئًا»، وليس هذا القول وحده من يعزز هذا الطرح بل أقوال واقتباسات كثيرة يجري تداولها بكثرة في هذا السياق.

وغالبًا فالاقتباسات لا تعطي فكرة كاملة ولا يمكن تعميمها منطقًا عامًّا لإثبات فكرة أو إلغائها، إذ إنها تقتبس من حوارات روائية وكتب أدبية، وتنتزع من سياقها العام لتطرح مجتزأة في سياق آخر، فعلى سبيل المثال قد تُقتبس فقرة من حوار وارد في رواية أدبية بين شخصيتين إحداهما تمثل الشر والأخرى تمثل الخير، فيُقتبس نص منها يبرر به الشرير شره والسيئ سوءه والفاسد فساده، ثم يوضع النص مسلمة بديهية لا بد من الاقتناع بمدلولها وفحواها وكأنها قانون أخلاقي لا يجب أن يحيد الإنسان عنه، ثم ينسب هذا الاقتباس إلى الكاتب نفسه لا إلى الشخصية التي ابتكرها.

وبغض النظر عن الجدلية التي قد ندخل فيها هنا عن الاقتباس هل يمثل الكاتب نفسه أم يمثل الشخصية الروائية التي جاء الاقتباس في أصله على لسانها، وهي جدلية تستحق معالجة نقدية وفلسفية في موضوع مستقل، لكن ما أود طرحة هنا موضوع مختلف تمامًا، وهو المعيار الأخلاقي الحقيقي هل يعود للنية أم للأسلوب الذي تم التعبير به عنها، وقد اتخذت من الاقتباس أعلاه بداية لفتح هذا الموضوع.

فهل الأسلوب فعلًا هو ما يحدد صلاحية الإنسان وأفضليته؟

في القرآن الكريم توجد الكثير من الأمثلة والإشارات التي تهم في هذا السياق، وأبرزها قوله تعالى يصف إحدى أهم مميزات رسولنا الكريم ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ﴾ فالله تعالى يمتدح أسلوب رسوله في التعامل مع الناس، ويؤكد أن اللين والرفق هو أفضل أسلوب للإقناع، ولجمع الناس حول قضية معينة أو عقيدة سامية، وهذا بلا شك أمر بديهي ولا يمكن نفيه بأي شكل من الأشكال، وقد أكده رسول الله، عليه الصلاة والسلام، في أكثر من حديث، وأكده الصحابة والتابعون في الآثار المروية عنهم.

لكن هنا يأتي السؤال: هل كان أسلوب رسول الله في كسب قلوب البشر هو ما يمنح دعوته صفة الحق وما يمنح قضيته صفة الشرعية والصدق؟ وهل جمال الأسلوب هو معيار للحق والباطل والخير والشر؟

قبل أن أجيبك عن هذا الاستفسار دعني أحدثك عن سيدنا موسى عليه السلام، وأسلوبه الذي كان مناقضًا لأسلوب رسولنا عليه الصلاة والسلام، فسيدنا موسى لم يكن لينا، بل كان شديدًا قويًّا سريع البطش، ويؤكد القرآن ذلك بقصته مع المصري الذي استنصره صاحبه الإسرائيلي عليه، فأسرع موسى وانقض عليه ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، وقصته مع هارون حين عاد من خلوته بعد الخروج فوجد بني إسرائيل قد اتخذوا عجل السامري إلهًا يعبدونه ولم يتمكن هارون من منعهم، فما كان من موسى إلا أن وجه اللوم إلى أخيه وطفق يعاقبه شدًّا بمئزرة وتلابيبة وآخذًا بناصية رأسه ولحيته، ليس هذا فحسب بل كان سيدنا موسى، عليه السلام، يفتقر لأسلوب الحوار والمجادلة الإقناعية، وقد ذكر القرآن الحكيم ذلك على لسان موسى شاكيًا لربه﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي﴾ وقوله عن هارون حين طلب من الله أن يعززه به ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ وهذه المشكلة التي كان يعانيها موسى يقول عنها بعض المفسرين إنها كانت للثغة في لسانه بسبب حادثة تخييره في طفولته بين التمر والنار، بينما يذهب بعضهم أن ذلك كان لشدته في الحق وعدم قدرته على ضبط مشاعره، وهذا ما جعله يدعو ربه أن يشد أزره بأخيه لأنه أفصح منه لسانًا وأكثر قدرة على المحاججة والإقناع بالمنطق، هنا يمكن القول إن سيدنا موسى لم يكن يملك الأسلوب اللبق في التعامل مع الناس، أعني الأسلوب الذي يحبه الناس ويلين جانبهم إليه، فهل هذا يعني أن دعوته لم تكن على حق وقضيته فاقدة للشرعية؟ ومعاذ الله من ذلك فما هذا السؤال إلا لتأكيد القضية التي نناقشها.

فلماذا إذًا كان سيدنا موسى يدعو للحق وكانت دعوته دعوة حق تمامًا كدعوة سيدنا محمد، عليهما الصلاة والسلام، على الرغم من اختلاف أسلوبهما؟ سأقول لك لماذا، لأن الأسلوب ليس المعيار الحقيقي للأفضلية والصلاح، إنما هو مجرد عامل مساعد لتسهيل مهمة الدعوة، فالحق يبقى حقًّا أيًّا كان الأسلوب الذي يعبر عنه والباطل باطل أيًّا كان الأسلوب الذي يعبر عنه.

لكن ما المعيار الحقيقي الذي يفرق بين الحق والباطل؟ بين الصلاح والفساد؟ بين الخير والشر إن لم يكن حسن الأسلوب أو سوءه؟ سأقول لك إنها النية، النية هي الأساس وهي المعيار لكل عمل وكل قضية وكل دعوة، ولهذا أكد الإسلام على النية لصلاح كل عمل ومقبوليته، وكل شعيرة من شعائره وكل عبادة من عباداته، بداية من الهجرة وليس انتهاء بالصلاة والصيام والصدقة، فإنما لكل امرئ ما نوى، والنية الحسنة الصادقة هي اللبنة الأولى للعمل الصالح، وهي الميزة والمعيار الأهم التي تحدد صلاح الإنسان، على الأقل عند ربه.

ولأؤكد لك ذلك فالرسول، عليه الصلاة والسلام، لم يكن الرجل الوحيد الذي يمتلك الأسلوب الحسن في التعامل مع الناس والقدرة الكاملة على الإقناع والاحتواء، فعشرات ومئات الشخصيات التي ذكرها التاريخ كانت تملك هذا الأسلوب، ولم تكن جميعها شخصيات خيرة، بل الكثير منها من الشخصيات الشريرة.

وسأهبك مثالًا لشخصية كانت معاصرة لرسول الله وتعيش في المجتمع الذي يعيش فيه، هذه الشخصية هي شخصية زعيم المنافقين في المدينة النبوية، الرجل الذي فتت جيش المسلمين في غزوة أحد ورجع بثلثه قبل أن تبدأ المعركة، وهو نفسه الرجل الذي كان يبكي من الخشوع والتأثر أمام رسول الله ويقول للناس «انصروا أبا القاسم» إنه عبد الله بن أُبي بن سلول.

هذا الرجل لم يكن شخصًا عاديًّا بل كان من أرقى وأحسن الناس أسلوبًا وأقدرهم على الإقناع والتأثير، لقد كان الشخصية الأكثر حبًّا لدى أهل يثرب قبل أن يدخلها رسول الله، لقد كاد الناس لفرط انخداعهم بأسلوبه وقدرته الفطرية في الإقناع والتأثير أن يتوجوه ملكًا على يثرب، وكان على وشك تأسيس أول مملكة في الحجاز، لكنه على حسن أسلوبه وكاريزمته المؤثرة كان معميًّا بسوء النية، لم يكن ينشد الحق والصلاح مطلقًا بل كانت له مآربه في السلطة والتحكم والتوسع، كان أسلوبه الحسن في التأثير مجرد منظومة من الحيل والخدع التي يستخدمها وسيلة للوصل إلى هدفه المتمثل في ملك يثرب وزعامة قومها، فلما أقبل رسول الله بنور الحق ونية الصدق والخير تركه الناس وأقبلوا على الرسول وآمنوا به وأتمروا بأمره حبًّا وإخلاصًا ويقينًا بدعوة الحق المبين، فظل عبد الله بن أبي بن سلول يشعر بمرارة تحطم هدفه وهو يرى بقايا التاج الذي كان أهل يثرب يخرزونه له تمهيدًا لإعلانه ملكًا، بقي يرى في رسول الله المنافس الذي طوح به وبأهدافه أرضًا، وسلب منه أرضه وجمهوره ورعاياه، ولم ينظر إليه قط بصفته رسولًا مخلصًا ومؤسس مجد الأمة وصاحب دعوة الحق التي أنقذت العباد جميعًا من جور وظلم الجاهلية الأولى والظلال القديم.

إن الحق والصلاح يا صديقي لا يعرف بحسن الأسلوب وجماله، بل بنية الصدق والخير والإصلاح، فكم ممن يملك الأسلوب الحسن والنية السيئة توجه الناس سيدًا، وكم من الناس يملك النية الصادقة ويفتقر لحسن الأسلوب وتعوزه القدرة على الإقناع قلاه الناس ومقتوه بلا سبب وتحاشوه، إن الأسلوب وحده لا ينصر الحق لكنه قد يحقق المجد لأصحابه، أما النية فإنها قد تنصر الحق ما استطاعت وإن قدرت على الفعل وكان لها من يعضدها ويعبر عنها، أما وحدها فإنها كفيلة بصلاح الإنسان وقبوله عند الله وإن مقته البشر وأبعدوه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد