«قد أكون أنا على خطأ، وقد تكون أنت على صواب، وببذل الجهد، قد تقترب أكثر من الحقيقة».  كارل ر. بوبر «المجتمع المفتوح»، الجزء الثاني، ص 2، الفصل (24)، الفصل «التمرد على العقل»، هل أدى «ضعف الأزهر ووفرة النفط» خلال مراحل متعددة من التاريخ الشرق أوسطي إلى دراسة العوامل الأخرى التي أفرزت النتيجة أو الحقيقة التالية:

«أن الوهابية لا تستطيع أن تُسيطر على السنة»، ولذلك ظل الجدل قائم حول من يُمثل السنة (فقهيًّا) من خلال أفكار «محيي الدين الخطيب»  و«الشيعة الاثنى عشرية».. فقد أشار الدكتور محمد عمارة بالقول بأن الداعية والمفكر الإسلامي فضيلة الدكتور/ يوسف القرضاوي في العام 1994م – بحسب ملحق مجلة الأزهر – قام بالثناء على السيد حسن نصر الله؛ الأمر الذي نجم عنه التغير في التوجهات (الخلاف الفقهي)، وتفاقم المذهبية في العام 2007م، حيث لمح القرضاوي إلى «الصلاة في المسجد الأموي»!

وهكذا يفضي بناء هذا التساؤل إلى سؤال آخر الذي أسميه المشكلة التاريخية لبيكون: كيف لنا نفسر التأثير المكثف لهذا الفيلسوف غير ذي الأهمية بتاتًا من المنظور المنطقي والعقلاني؟ حيث تطلع فرنسيس بيكون إلى «تبديل الإنتاج وإلى التحكم الفعال في الطبيعة بيد الإنسان، نتيجة لتغير في طرق التفكير»، على حد تعبير كارل ماركس.

ولكن دعونا نعد إلى بيكون وتصويره للمجتمع في يوتوبياه «أطلانطس الجديدة». كانت حكومة المجتمع مجمعًا تكنوقراطيًا للبحث أسماه بيت سليمان. ومن المهم أن نلاحظ كيف أرهصت أطلانطس الجديدة لبيكون بجوانب معينة لا تبهجنا كثيرًا من العلم الجسيم المحدث، ليس هذا فحسب بل أيضًا تجاوزتها لتصل إلى أحلام مسترسلة بما قد يجنيه العالم العظيم من قوة ومجد وثراء. ولننظر إلى وصف بيكون لواحد من آباء بيت سليمان – أي لواحد من مديري البحوث – وهو يرفل فيما يفوق الأبهة البابوية:

«كان النهار يشرق، حين أتى. إنه رجل ربعة في أواسط العمر، ذو وجه مليح وله سيماء الرحماء. كان متدثرًا بثوب من القماش الأسود الوثير، بأكمام فضفاضة وقلنسوة، يرتدي قفازين، معدين للعمل مع الصخر، وحذاءين من مخمل أرجواني اللون، كانت تقله مركبة فاخرة بلا عجلات، مجهزة لراكب واحد، بجوادين في كلا الجانبين، مكسوة بمخمل أزرق موشى وسابغ، وعلى جانبهما اثنان موشحان من المشاة. كانت المركبة بأسرها من خشب الأرز المموه بالذهب، والمزدان بالكريستال؛ زينت المقدمة والمؤخرة بألواح من الياقوت الأزرق، محمولة في حواف من التبر، والحوائل الخلفية اتخذت شكل الزمرد بلون أشجار بيرو البينة. وعلى قمة المركبة، في المنتصف تمامًا، ثمة أيضًا شمس ذهبية تتلألأ، وفي أعلاها من الأمام ملاك صغير من الذهب يفرد جناحيه. كانت المركبة مكسوة بقماش من خيوط الذهب المنسوجة على رزقة. يتقدمها خمسون مرافقًا، جميعهم في شرخ الشباب، يرتدون حللًا فضفاضة من الستان تصل إلى منتصف الساق، وجوارب من الحرير الأبيض، أحذية من المخمل الأزرق، وقبعات من المخمل الأزرق، أحدهما يحمل صولجانًا، والآخر يمسك بمخصرة للتوجيه كراعي الغنم، وليس أيهما من المعدن، بل صنع الصولجان من خشب عطري الرائحة ومِصرة الرعية من خشب الأرز .ليس يرافقه أي فارس،لا من أمام مركبته ولا من ورائها: وفيما يبدو، لتفادي كل رهج وإزعاج. كل المسؤولين ورؤساء الدوائر في المدينة يمضون خلف مركبته. وهو يجلس وحيدًا، على دثر من نوع فاخر من القطيفة، لونها أزرق: وتحت قدميه بسط عجاب من حرير تعددت ألوانه، تشبه البسط الفارسية، لكنها أروع كثيرًا. يمضي رافعًا يده المجردة، كأنه يبارك الناس، ولكن في صمت».

وفي هذا الصدد، ثمة فقرة بكتاب بيكون الأرجانون الجديد أكثر قبولا ولعلها ذات أهمية:

«وأيضا تنتعش آمالنا بحقيقة مفادها أن بعضًا من التجارب التي أجريت حتى الآن كانت من تلك النوعية التي تكشف عن أشياء لم تدر بخلد أحد من قبل؛ بل لعلها أشياء كنا نستخف بها ونطرحها جانبًا بوصفها من المستحيلات».

وفي هذا الإطار، حول العلاقة بين ذلكما التساؤلان ووصف بيكون المشار إليهما أعلاه، يمكن أن نستنتج المنحى البراجماتي للعلم والمعرفة في السياقات التاريخية والجغرافية التي أدت إلى إبراز العوامل المادية وغير المادية لتلك المشكلة التاريخية بأبعادها الاقتصادية والترفيهية، والتي قد تزيل الحواجز بين مخيبات الأمل، والأطر المهيمنة، التي تؤكد وجود مؤامرة في مسارات تلك المشكلة، بسبب انحيازات ماكرة، ومنظومة تلبست بعقول شابه مرهفة، حتى إنها تعميهم عن رؤية الحقيقة على أساس أن أولئك الذين تحررت عقولهم من ظلام الأمية والوصاية الدينية لا يمكن أن يخفقوا في رؤية الحقيقة البينة. وبذلك ندرك أن الإنسان لا بد من أن يخطئ وأن التعصب في العادة محاولة لإخماد صوت أي تساؤل يُراود المرء.

وعلى ضوء ما سبق، أكاد أزعم بأني قد ألمحت وبإيجاز إلى رؤيتي لهذه المشكلة في إطار «من واجبنا أن نظل متفائلين» ومن خلال منهجية «العقلانية النقدية»؛ منطق الموقف / تحليل الموقف، حيث إن مجرد قراءة الكلمات والقدرة على ترجمتها إلى واقع ليس معناه أنه يعرف مغزاها التاريخي، لكي يبلغ هذا لا بد أن يتصور الموقف الذي كان، وفي ذات الوقت، قد أدعي قلة فهمي لإبعاد تلك المقاربة؛ حيث يتعلق هذا الأمر بالتساؤل الآتي:

أليس هناك اختلاف أساسي: اختلاف يتصل بمشكلة فهم التاريخ؟ … ثمَ ماذا؟!

وبما ذهب إليه «جاكوبي»  Jacobi بالقول: «إنّ أمام الإنسان اختيارًا واحدًا ووحيدًا: العدم أو الله. عند اختيار العدم هو يجعل من نفسه هو الله؛ ذلك يعني هو يجعل من الله ظاهرة، إذ إنّه من المستحيل، إذا لم يكن هناك إله، على الإنسان وكل ما هو حوله أن يكون أكثر من مجرد ظاهرة. أنا أعيد: الله موجود وهو موجود خارج ذاتي، وهو ماهية حية قائمة لذاتها، أو أنّني أنا هو الله. ليس هناك من إمكانية ثالثة».

للتأمل

قلقة الثورة الشاملة

من أنها ترفع الطبقة نفسها إلى القمة

ومن ثم فإن مدبرين من ذوي المهارة

سوف يقررون قطع منتصف الطريق ثم التوقف.

روبرت فروست

«من أين أتى أبواك؟ وأجدادك؟ وأجداد أجدادك؟، أخيرًا، إذا أصر السائل، فسيجد جذرًا مزروعًا. الأمريكي الخالص 100 في المائة، هو في الحقيقة 100 في المائة شيء آخر». معرض شعار المئوية الثانية (1976)، في معهد السميثسونيان، واشنطن، دي.سي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد