الارهاب حجة الاستبداد

الإرهاب الذي لا معنى له ولا مبنى

لن أخوض في نقاشات لا تجدي نفعًا حول اختلاف فقهاء القانون الجنائي، والمشرعين، والساسة، وحتى منظمة الأمم المتحدة حول إيجاد معنى لمصطلح الإرهاب ينبني عليه موقف قانوني حيال ممارسة العنف المسلح اللامنظم؛ إذ إنه مصطلح فضفاض واسع، إذا ما طبق على وسعه فسوف يعد فرقعة بالون بغرض المزح إرهابًا.

الأنظمة القمعية وصناعة الكراهية

أعطى النظام العالمي الضوء الأخضر للأنظمة السياسية القمعية بصناعة الحقد داخل المجتمعات، والتفريق بين الناس على أساس الهوية الدينية، والانتماء الفكري، ونتيجة ذلك الضغط الهائل تجاه الأفراد أو المؤسسات الفكرية الحرة والأحزاب التي تطمح في التغيير، وتطبيق معنى تداول سلمي للسلطة، وتحقيق معنى الديمقراطية والعدل والمساواة بين أفراد المجتمع الواحد، نشأت فكرة مقابلة العنف بالعنف، وكانت هذه الذريعة.

الأنظمة هي من تخلق العنف

ولكن ما تمارسه الدول الكافرة بالرأي الآخر من إجراءات هي التي ساهمت في تخليق معنى العنف «الإرهاب» عبر أدواتها الصلبة، من إعلام ومؤسسات عسكرية، شرطية كانت، أم عبر الجيوش، وعن قصد وعمد وبمنهجية.

أذكر في ذلك الأمر مثالًا حيًّا تعرضت له في دراستي التوجيهية في عام 2003، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وغزو العراق؛ إذ طلب منا مدرس التربية الفنية رسم موضوع عن الإرهاب وجعل أيقونة الموضوع هو انهيار برجي التجارة العالمي في نيويورك، لم أناقش الفكرة، وإنما شرعت كباقي أقراني في رسم الموضوع، ولكن الذي صدمني بحق أن وجدت زميلًا لي قد رسم شخصًا وهو يمسك سلاحًا ويصوبه تجاه أفراد عاديين، الملفت في الموضوع أن هذا الشخص كان لباسه مختلفًا؛ فكانت له لحية كثة، وجلبابًا قصيرًا نوعًا ما، ويشبه الزي الإسلامي قولًا واحدًا.

فلما سألته عن هذا الشخص الذي رسمه لماذا تبدو لحيته طويلة وجلبابه هكذا فرد علي مستنكرًا:

أليس إرهابيًّا؟!

وظل هذا المعني يطارد ذهني في كل وقت، ويأتي على مخيلتي كلما تردد في نشرات الأخبار أنباء عن أي حوادث عنف تقترن باسم «الإرهاب»!

الإرهاب هو الإسلام

بدأت تتكشف الصورة أمام عيني شيئًا فشيئًا عن ذلك الأمر الذي جعل الإرهاب يرتبط بالإسلام ويقترن ذكره في أذهان العالم كله، إلا من كان لديه وعي، وثقافة، وفهم، وإدراك بهذه الفرية!

فعلًا لقد نجح الشرق والغرب في إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام دينًا، وكل من يحمل فكرة معارضة للإمبريالية الأمريكية وذيولهم من العملاء في جميع أنحاء العالم، وحتى بلادنا العربية من أشخاص، أو جماعات كانت الأيديولوجية والمرجعية الفكرية لها هي الإسلام.

من هم الإرهابيون حقًّا؟!

الحرب العالمية الأولى والثانية التي راح ضحيتها أكثر من 55 مليون نفس بشرية قامت بسبب عنجهية بعض القادة المختلين عقليًّا، الذين لم يكونوا أسوياء في طفولتهم وجروا العالم إلى مذبحة ومقتلة عظيمة لم يسبق لها مثيل، لم يصنفوا على أنهم إرهابيون.

كذلك الأمر عندما احتلت بلادنا المسلمة بعد سقوط أركان دولة الخلافة الإسلامية، وقسم العالم الإسلامي من قبل الممالك الغربية الصليبية، فمورست أبشع جرائم لا إنسانية تجاه كل من يقاوم فكرة الاحتلال، وعلى سبيل المثال لا الحصر ذبحت فرنسا رائدة العدل والمساواة أكثر من مليون جزائري لأجل أن ترسخ حكمها في الجزائر، ووضع موسوليني في ليبيا كافة أهلنا المسلمين من بدو صحراء برقة، وطرابلس، وسرت، وبنغازي في معسكرات الاعتقال للضغط على قائد المجاهدين الشيخ عمر المختار من أجل الاستسلام، ومارست السلطات الإنجليزية بمصر أبشع أنواع الضغط على الملك فاروق لتعيين حكومات موالية لسياسات بريطانيا، وكذلك التنكيل بكل شخص حر يرفض الاحتلال أو تسول له نفسه قتل ضابط إنجليزي محتل، وكذلك نذكر المجازر التي ارتكبها الروس بحق مسلمي الدول التي خرجت عن الاتحاد السوفيتي، وحتى الفظائع التي مارستها كرواتيا ويوغسلافيا تجاه مسلمي البوسنة، والتي صنفت تطهيرًا عرقيًّا وإبادة جماعية، وكذلك المجازر التي تتم بحق مسلمي الروهينجا، وتركستان الشرقية، والهند، وتايلند، والفلبين من قبل الوثنيين البوذيين، نهاية بما يمارسه الاحتلال الإسرائيلي تجاه شعبنا الحر بفلسطين، وكل هذا لا ينظر له على أنه إرهاب.

وإنما ينُظر إلى الشاب الذي مارس حقه السياسي في اختيار حاكم يمثله على أنه إرهابي، كيف يجرؤ أن يكون له حرية الاختيار أو حتى التفكير. بل لا بد أن يسلم للإملاءات والفروض الدولية التي تمنع أي إنسان له خلفية إسلامية في أن يختار قائدًا له، أو أن يكون حاكمًا في يوم من الأيام.

وهذا الذي حدث في بلادنا العربية عقب انفراجة الربيع العربي من بدايتها بتونس نهاية بمجازر فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة وأخواتها بمصر، إذ يمارس كل أنواع البطش بالإسلاميين ومن يتعاطفون معهم؛ لأنهم ساروا عكس التيار، وتمارس ضدهم كافة أنواع الظلم والقهر الاجتماعي، بداية من مصادرة الأموال والمنع من السفر، مرورًا بالقتل الممنهج البطيء داخل المعتقلات، والتعذيب، والإخفاء القسري، والقتل داخل إطار القانون بأحكام مسيسة، وخارج إطار القانون عبر التصفية الجسدية والضغط النفسي باعتقال العائلات والأبناء من أجل الرضوخ لمطالب السلطة، والتعقب القانوني وإلصاق التهم الجنائية، حتى يجري ضبط وإحضار المعارضين عبر آلية دولية، وهي الإنتربول.

خاشقجي الجريمة التي دوت أصداؤها في أسماع الكوكب

ومع الفضيحة التي عمت أرجاء الأرض عن اغتيال نظام آل سعود الصحافي جمال خاشقجي، الذي كان صوت السلطة والناطق باسمها طيلة عقدين من الزمان، ثم لما انشق عن النظام لرعونته، ووجه بعض الانتقادات للنظام الذي لم يحتملها، ودبر لقتله، وبعث وراءه فريقًا كبيرًا من أجل قصف قلمه، ومحوه من الوجود.

فهل يعد هذا الفعل السادي الترويعي إرهابًا بحق؟!

وهل لو رد أبناء خاشقجي بفعل مماثل هل يعد إرهابًا؟

هذا هو تلخيص المشهد العربي.

ومع كل هذه الممارسات المروعة التي أصبحت مهنة الأنظمة تجاه أفراد ورعايا الأوطان تلصق تهمة وفرية الإرهاب بالمواطنين العزل الأبرياء لقتلهم وتصفيتهم جسديًّا، وصارت الحجة والذريعة التي تستند وراءها الأنظمة هو الانتماء لأفكار أصولية راديكالية مثل تنظيم الدولة (داعش)، ومن قبلها تنظيم التوحيد والجهاد، أو المسمى الذي أطلقته المخابرات الأمريكية «القاعدة».

وفي النهاية باتت الحقيقة التي لا تخفى على عاقل أن الإرهاب فرية لا يطلقها إلا كل ظالم مستبد متجبر، ولا يروجها إلا كل فاسد مستفيد، ولا يؤمن بوجودها إلا كل أحمق جهول!

الإرهاب هو الحجة الوحيدة لبقاء الاستبداد، وبزوال تلك اللعبة تزول الأنظمة السادية التي مشروع بقائها الوحيد هو مكافحة ما يسمى بـ«الإرهاب».

الإرهاب هو الاستبداد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد