مقدمة

حدث مؤخرًا أن توقفت إحدى سيارات نقل بضائع أمازون لعُطل في إحدى شوارع الولايات الأمريكية، وما لبث الأمر بضع دقائق حتى انتَبَه المارون لذلك فما كان منهم إلا أن انكبوا على السيارة ناهبين ما فيها بكل صفاقة وسط الشارع وفي وضح النهار دون خوف من المصورين وكاميرات المراقبة ورصد رجال الشرطة، وفوق كل ذلك دون خوف من عقاب إلهي أو تأنيب ضمير.

على الجانب الآخر من المحيط، وفي قارة هي أفقر قارات العالم وتحديدًا في المغرب إحدى بلدان العالم الثالث، حيث الفقر المُدقع ضَارب جذوره في شوارعها وأزقتها حدث أن توقفت عربة أحد الباعة الجوالين بائعى البطيخ إثر سقوط حُمولته، إلا أن المارة هنا لم يفعلوا ما فعله سكان أقوى دولة في العالم وأقوى اقتصاد وترسانة في قرننا هذا من نهب وانتهاز للفرص، بل على العكس سارعوا مجتمعين رغم مشاغلهم وأحوالهم إلى مساعدة ذلك البائع فساعدوه على حمل بضاعته.

وشاء الله أن تنقل الكاميرات هذه التجربة الفريدة التي تزيل الستار عن جبال من جليد كانت تنتظر من يكشف النقاب عنها ليدققها ويحللها كي لا تمر مرورًا سريعًا دون حصول فائدة تذكر، كما تمر علينا الأحداث المتعاقبة دون تدبر لكثرتها إثر ثورة المعلومات التي تنقل لنا لحظة بلحظة، ما كان يتطلب نقلها إلينا عبر آلاف الأميال أسابيع بل شهور.

توضيح لا بد منه

قد يرى بعض الإخوة والأخوات أنني حين أعرض المقارنة وأتبعها بتحليل أنني حين أفعل ذلك فإني أعطي الأمر أكثر مما يستحق فهذه حادثة عرضية وليست ظاهرة.

 أرد بأن هذا اعتقاد خاطئ يدل على محاولة صادقة من القارئ الكريم (والذي غالبًا ما يكون عربيًّا تبعًا للُّغة المكتوب بها والجمهور المستهدف) إلى التحلي بروح الحياد وتوهم مبالغتي إثر انتمائي لثقافتي الإسلامية العربية وهو أمر لا أنفيه ولا يستطيع أحد أن يفعله وينسلخ من هويته بُغيَة الحِياد مهما فعل، فهذه طبيعتنا الإنسانية وفطرة كل امرئ سوي.

 كذلك قد يتوهم القارئ أن هذه حادثة فردية عرضية لا ينبغي أن نبني عليها أحكامًا كلية، فعلى العكس تدل معدلات الجريمة على اختلاف أنواعها من جرائم كراهية وعنصرية وجرائم العصابات والمنظمات الإجرامية والجرائم الفردية إلى ارتفاعها ارتفاعًا كبيرًا وملحوظًا في الولايات المتحد في مقارناتها ببلدان كثيرة سواء من مثيلاتها من الدول المتقدمة أو الدول النامية، والمجال لا يتسع لذكر كل هذه المعدلات، ويكفي الباحث طبع كلمات صغيرة في أحد محركات البحث وسَيُصعَق من عدد الأبحاث والمقالات التي تؤيد ما أقوله.

خذ مثالًا على ذلك من أرض الواقع على أن هذه ليست حادثة فريدة ما صرح به أحد إخوتنا العاملين في شركة بريطانية لبيع الملابس لقناة شؤون إسلامية على موقع يوتيوب، إذ يذكر أنه لم يتعجب مما رآه من هذه الحادثتين إذ كان شاهدًا على الكثير من هذه المواقف، فالزبون الغربي معدل كذبه واحتياله عالٍ جدًّا بالمقارنة بالزبون العربي ويسرد لذلك مواقف عديدة.

تحليل ونظر

تعالوا معنا نحلل هذا التردي الأخلاقي الملحوظ لدى المواطن الغربي، وخاصة الأمريكي رغم ارتفاع مستوى معيشته.

بدأ الأمر بسقوط الثنائي الفاسد الملكية الفرنسية وقرينتها الكنيسة الكاثولكية عام 1789 واستبدالهما بنظام الجمهورية وعقيدة العلمانية اللبرالية، وتصدير تلك الثورة وعقائدها وقيمها إلى ربوع العالم التي فصلت الدين ليس عن السياسة فقط بل وعن الحياة، وجعلته حبيس المعابد والمساجد. كذلك أتت بقيم الفرَدانية والحرية والمساواة التي مُهدَت لها الأرضية منذ القرون الوسطي ومع الزمن تكشفت عن نفاق عظيم فهي لا تعدو أدوات حديث يستغلها الحاكم حين يريد، حيث تتفق مع مصلحته ويعطِبُها ويؤولها ويلويها حين لا تتفق.

ومع صعود الثورة الصناعية انبثقت عقيدة الرأسمالية حيث سلعت كل شيء حتى الإنسان نفسه، وأشعلت التنافس بدلا من التعاون، وجعلت الإنسان دائمًا في خوف وقلق مستمرين من أن يستبدل بغيره، فالعمالة وفيرة والأجر ضعيف ولأجل ذلك يفعل كل ما يقدر عليه للمحافظة على مصدر رزقه، وإن تطلب الأمر إقصاء زميله فيفعل دون تأنيب ضمير، فالبقاء للأقوى عقدية تلك المرحلة من تاريخ الإنسان الحداثي.

كذلك صاحب نظام العلمانية والحداثة التي وعدت الإنسان بالتخلص من مخاوفه، فما لبثت أن زادتها حدة وانقلب الخوف رعبًا بحروب أكثر فتكًا وأسلحة أشد بطشًا. وعدته بالتخلص من الحروب وسيادة الأمن فنكست بوعدها، بل زادت آثار الحرب السلبية من موت وخراب بتطور أدواتها مع تقدم العلوم والتكنولوجيا. وعدته بالمساواة فنكست ولا أدل على ذلك أن عالمنا اليوم يحفل بـ 2153 شخصًا يمتلكون أموالًا تفوق ما يملكه أكثر من 60% من شعوب العالم. وعدته بالفردانية وجعلت منه إلهًا فرؤيته فوق كل رؤية فهو مركز الكون ولأجله يمكن فعل كل شيء، فصاحب زيادة إنتاجه المحلي الإجمالي العالمي 22 ضعفًا منذ عام 1970 اختلال حاد في النظام البيئي لسد احتياجاته غير المعقولة من الترف فزاد من وتيرة انقراضات الفقاريات 58% ولوث الكوكب وانقلب ذلك عليه وعلى ترفه فهل يقف عند ذلك الحد!

بالطبع لا فليست تلك طبيعته التي وصفه بها ربه حين قال عز وجل «إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» سورة إبرهيم-الآية (34) وحين قال: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ». سورة الروم-الآية (41)

كذلك التنكر للدين وعزله عن الحياة وهو الباعث الوحيد للأمن وسط كل المخاوف، والمجيب عن كل الأسئلة الوجودية والحامي الأوحد للوازع الضميري، واستبدال كل ذلك بفردانية علمانية وليبرالة وبقانون بشري وبقوة غاشمة لحفظ الأمن أثبت فشله كما رأينا في مثال بائع البطيخ وسيارة أمازون، فالفردانية جعلت من الإنسان وحاجياته ورفاهيته هي المقصد والوجهة ولأجلها يمكن فعل أي شيء وكل شيء دون اكتراث لمصالح أقرانه.

وفي مجتمع تسوده مثل تلك العقائد ينعدم فيه الأمن وتروج فيه تجارة الخوف من بيع للأسلحة وأدوات التأمين وتعلم مهارات الدفاع عن النفس ونحوه، ما يزيد من متطلبات الأفراد في تلبية احتياجاتهم وتأمين رفاهيتهم عبر التعدي على حقوق الغير وانتهاز الفرص، وتزيد من حتمية براعتهم وابتكارهم في ارتكاب الجرائم، فيؤدي ذلك إلى زيادة إجراءات الأمن وتستمر الحلقة المفرغة إلى ما لا نهاية.

السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لا توجد أمثلة من سيارات أمازون في دولنا النامية؟

والجواب المختصر هو بالطبع يوجد، ولكن ليس بكثرة ما يوجد في الغرب، فما زالت عقائد الحداثة الفاسدة لم تتوغل بما فيه الكفاية في ربوع أوطاننا، فما زال الدين راسخًا في عقول وقلوب الكثير ما يجعل الضمير حاضرًا وبقوة على عكس المواطن الأوروبي الذي تشرب عقائد الحداثة منذ زمن.

وأخيرًا أقول إن مجتمعًا تسوده تلك العقائد من حداثة وعلمانية وفردانية وليبرالية وإقصاء للدين لا بد من خروج أمثلة عديدة من سيارات أمازون المنهوبة في حين تظل عربة البطيخ في مأمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد