في مقال سابق أوضحت أن كل الطرق قد تؤدي إلى الاكتئاب، واليوم يمكنني الحديث في أغوار الاكتئاب ذاته وماهيته.

 

كيف يمكن لشخص مُصاب بالاكتئاب أن يدّعيه!

من خلال عدة تجارب كثيرة لي وللآخرين يمكنني القول إن أبشع شيء قد يواجهه مكتئب هو وصمة العار والخزي التي قد تلحق به، واتهامه الدائم بأنه مدّعٍ أو أن أحزانه قد لا تستدعي كل هذا العجز الذي ينغمس به، ولكن دعنا نفسر الأمر من عدة جهات.

هل يمكنك تفسير علة الاكتئاب كباقي العلل التي قد تُصيب الجسد، مثل آلام المعدة، أو ألم الصداع المزمن، أو حتى آلام المفاصل؟

حينما أخبرك أنني مُصاب بالصداع للحد الذي يجعلني عاجزًا عن النوم، فإنك ستتأثر جدًا لأنك تعلم ألم الصداع، وأنك قد تكون مررت بتلك التجربة من قبل، ولكن ماذا سيكون رد فعلك حينما أخبرك أنني مُصنف كمريض اكتئاب حاد/سريري من قبل الطبيب النفسي؟

غالبًا سيكون رد فعلك، إما أن تندهش من قولي، وتتوارد في ذهنك صورة المخبول المختل العقلي، وإما ستكتم ضحكاتك، وتتهمني بالمبالغة في الأمر، وكأنك تشعر بأن ما أعانيه بسيط وهين.

 

في الحقيقة إن ردة الفعل تلك تكون قاسية جدًا على مريض الاكتئاب، فحينما أحدثك وأنا مريض اكتئاب فأنا أكون قد وصلت إلى مرحلة لا تُحتمل من كتمان مشاعري وألمي الخاص، أحاول أن أهرب إليك من سجني الخاص وأفكاري السوداوية، ولكن حينما يصفعني رد فعل غير مناسب كالاستهتار أو التهاون في الأمر، فإن هذا يؤثر بالسلب للحد الذي يجعلني ألجم لساني وأفكر ألف مرة قبل الحديث مع أي شخص في هذا الشأن.

 

هذا ما يحدث بالضبط، وهذه هي المشكلة، العُزلة تأتي من تلك البداية.. أنت تتألم وتُصارع كافة المشاعر المُحبطة والمؤلمة – بسبب أو بدون – تُعاني من أشياء عدّة، وتُسأل عن سبب تغير حالك هكذا، من شخص عادي إلى شخص حزين أو مضطرب، أو مصنف كمريض اكتئاب، وحينما تملك نفسك الشجاعة والبوح بما بك تجد الاستهزاء والسهولة في ردة الفعل، ويتحول الأمر إلى اتهام في الانغماس في الحزن والتهاون ويبدأ سيل النصائح – التي في الغالب لا تُعالج ولا تمت لقولك بأية صلة – التي تبدأ باهتم بصحتك ونفسك ودعك من تلك التحليلات التافهة بشأن الحزن، وتنتهي باقترب من الله تجد ضالتك.

 

هل يمكن القول إن البعد عن الله قد يكون سببًا في الاكتئاب؟

بالنسبة لي قد يكون هذا مجرد مُحفزًا للاكتئاب، لميل فطرة الوجود في التعبد لله وطاعته دون الركض خلف الشهوات والمال والأشياء الأخرى، ولكن غريزة البقاء الفطرية الموجودة فينا من المفترض أن تؤدي إلى الركض في الاتجاه المضاد للفطرة الأولى، فنجد إن الانجراف وراء المال في عصر الرأسمالية هو السبيل الوحيد للبقاء حيًا، الشهوات – الجنسية وغيرها – هو أيضًا محاولة للسعي والحفاظ على النوع والوجود.

فتتحول الحياة رويدًا رويدًا من رحلة قصيرة قد لا يطول البقاء بها لـ100 عام مثلًا، إلى أصلها كعقاب الله الذي أنزل على آدم للبقاء في الأرض وتعميرها.. ومن ثم إلی الميل والعدول عن السبب الفطري الأول وهو عبادة الله وطاعته.. فيدوم الصراع في النفس، ويتحول هذا إلی مُحفز أولي للاكتئاب.

 

الهروب إلى العُزلة.. لماذا العُزلة والانطواء؟

طبيعة الكثيرين من البشر تميل إلی الناس والتجمعات وبناء العلاقات وتكوين الصداقات – حتی لو على المدى القصير – لم يُخلق الإنسان للبقاء وحيدًا، ولكن بعض الناس قد يولدون بميل فطري للوحدة والانطواء. هم أولئك القابعون في الصفوف الدراسية الأولى وحيدون لا يبادرون بمحادثة أحد، أو التواصل مع زملائهم، قد يستمر الأمر حتی المرحلة الثانوية، ثم ينتهي مع بداية فترة المراهقة التي غالبًا ما تكون مليئة بعنفوان الشباب، وقد يفشل البعض أو لا يحاولون من الأساس في الخروج من انطوائهم ووحدتهم الدائمة، مما قد يُصيب أكثرهم بالاكتئاب، وقد يكون الأمر بالتبعية حيث الإصابة بالاكتئاب – لأي سبب ما قد ذكرناه سلفًا – قد تؤدي لهروب البعض من التجمعات والانطواء والهروب من الناس والقرار منهم، ولكن هل العُزلة والانطواء هما الحل؟

 

السؤال هنا قد لا أحمل إجابته، فعُزلة بعض الأشخاص – وخاصة المبدعين – قد تؤتي ثمارها بالإبداع والفن رغم قسوتها، حياة الإنسان في الوحدة تُشبه أن تكون كآخر بشري على الكوكب؛ قد تمتلك كل شيء، ولكنك تعجز عن إيجاد من يُشبهك ويتفق معك ليشاركك، مزيج مؤلم من المشاعر ما بين الشفقة على حالك أو الرفق بنفسك لأنك بالكاد تتقبل الحياة هكذا، وبين رفض القبول في الانخراط في علاقات قد تستهلك منك الكثير دون جدوى ودون بقاء أو فائدة أو إيجاد ما تفقده.. إن الانطواء والعُزلة قد يكونان أقبح ما في الاكتئاب، أن تكون كجندي ضمن مئات الجنود – الناس – وتصاب ثم تختار بنفسك أن تموت – تنعزل – وحيدًا بكبرياء وشرف دون أن يلحظ أحدهم وجعك أو يرى دموع الألم بمُقلتيك، والأقبح أن تستنتج أن كل هؤلاء قد لا يهمهم أي شيء سوی استكمال المسير قدمًا حتی لو بدونك.

إنها قسوة الاكتئاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علم نفس
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!