لعل الكتابة عن الأحوال في مصر اليوم تُشبه السير على حد السكين المسنون، أو الرقص على الزجاج المدبب المكسور، فالاستقطاب الحاد في مصر اليوم أصبح هو السمة الأساسية التي تطبع المجتمع بصورتها، فالتعبئة الزائدة من قبل النظام قد حولت أسلوب ولغة الخطاب بين أبناء الوطن الواحد إلى علاقات سجال بين الأطراف تؤدي إلى زيادة التطرف في المواقف، وذلك بحكم احتكاك الآراء وتصادم الاجتهادات دون الوصول إلى اتفاق أو شبه اتفاق، وذلك أمر يجمع بين الخطأ والخطر.

إن ما نمر به منذ ما قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 حتى تنحى مبارك، ثم الفترة الانتقالية بقيادة المجلس العسكري حتى وصول الإخوان المسلمين للحكم بانتخاب محمد مرسي رئيسًا للجمهورية، ثم فترة حكم الإخوان المسلمين السيئة     حتى ثورة 30 يونيو (حزيران) على حكم الإخوان، ثم الفترة الانتقالية بقيادة  عدلي منصور، ثم انتخاب  السيسي رئيسًا للجمهورية، بالإضافة للظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها المواطن المصري منذ ما قبل ثورة يناير وحتى اليوم.

وفى جو مفعم بالمخاوف والشكوك والآمال والتطلعات تعيش مصر فترة أزمة حقيقية تطال عقلها وأعصابها مشاعرها وتفكيرها. لقد مشت مصر وشعبها في طريق طويل وصعب وشاق ومرهق وعنيف.

مشهد من مشاهد الثورة المصرية

فمنذ ثورة يناير إلى اليوم أخذت التجربة الثورية مداها فإذا هي رحلة من منطقة الحلم الزاهر السعيد إلى منطقة الكابوس المفزع المرعب المخيف!

وكانت كل تلك الأحداث وضغوطها (السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية) عبئًا مضاعفًا على قلب وعقل وروح ووجدان الشعب المصري المثقل أصلًا بالأعباء، والمُحمل بحمولات من المشاق التي تهتز لوطأتها الجبال، فما بالك بالبشر، وذلك أمر يدعو إلى الحزن، ويبعث على الإحباط، ويثير الشجن إلى حد الألم.

ولعل مصر ليست الدولة الأولى التي تمر بتلك المرحلة العصيبة، ولعل المثال المشابه لما نحن فيه اليوم هو فترة الثورة الفرنسية (1789)؛ فقد عانى الفرنسيون من ظلم وقهر وعسف ملكية البوربون البغيضة، سواء على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

(1)

فالفرنسيون لاقوا ظُلمًا وقهر ملكية أسرة البوربون بقيادة لويس السادس عشر وزوجته الجميلة ماري أنطوانيت” التي ردت على مطالب فقراء الشعب الذين لا يجدون الخبز ليأكلوه، بسؤال يجمع ما بين الطرافة وعدم الإحساس بالمسئولية بقولها:

ولماذا يأكلون خبزًا، فليأكلوا جاتوه!

فقد طلب الشعب من الملك إصلاح الأوضاع، ولكن لويس كان قد أدمن سياسة القوة والبطش، فكان رد الجماهير الغاضبة على الرجعية الممثلة في الملكية وأعوانها ذلك الرد التاريخي ـ الذى ما زالت فرنسا تحتفل به عيدًا قوميًا في 14    يوليو (تموز) من كل عام ـ حين اقتحمت الجماهير الغاضبة حصن الباستيل، وكانت تلك فترة النشوة والانتصار التي مثلتها    مقولة دانتون بعد إعدام لويس:

لقد تحدانا ملوك أوروبا؛ فألقينا إليهم برأس واحد منهم!

ومرت الثورة الفرنسية كذلك بمرحلة الخوف والشك والريبة والإرهاب مع اليعاقبة وعلى رأسهم روبسير، الذي حاول أن يبرر استبداده برأيه وفرضه ذلك الرأي على الآخرين، بالتشكيك في وطينتهم، وفى مدى إخلاصهم للثورة بقوله:

يجب ألا يخلط الناس بين استبداد الحرية واستبداد الطغيان، فالشدة التي يلجأ لها الطغاة مصدرها التعنت والقسوة، أما الشدة التي تمارسها الجمهورية فمصدرها حُب الخير ونفع الشعب!

روبسير

 

وفى ذلك الجو الحافل بالشك والحنق والخوف الى حد الفزع من (المقصلة) التى صارت رمزًا لتلك المرحلة من الإرهاب الثوري، والتي قُصفت رقاب كثيرة تحتها، كانت رقبة روبسير نفسه واحدة منها! لتنطبق مقولة المفكر الإنجليزي ألدوس هكسلي:

إن العنف يُغرى بالعنف، وكل إصلاح ينهض على العنف لابد أن يذهب به العنف

وفى تلك الأجواء العاصفة بالدماء والماطرة بالرؤوس المتطايرة في الهواء ظهر الجنرال نابليون بونابرت كمنقذ للأوضاع وحامي الشعب.

المقصلة أصبحت رمزًا لمرحلة الإرهاب الثوري

 

الجنرال نابليون بونابرت السيد المطلق والقنصل الأول وإمبراطور الثورة وحاكم الجمهورية!

الجنرال نابليون بونابرت

إن حديثي عن نابليون هنا سيقتصر على سياسته الداخلية فقط فقد صار نابليون بونابرت من 11نوفمبر (تشرين الثاني) 1799 حتى 6 أبريل (نيسان) 1814) السيد المطلق في فرنسا، وكان قنصلًا مؤقتًا من 11 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 24 ديسمبر (كانون الأول) 1799 فقنصلًا أول من 25 ديسمبر (كانون الثاني) 1799 حتى 18 مايو (أيار) 1804، وإمبراطور من 18 مايو (أيار) 1804 حتى 6 أبريل (نيسان) 1814.

وقد تمكن بونابرت في عصر القنصلية من إصدار دستور السنة الثامنة عام (1799) وتنظيم حكومة البلاد الداخلية، ومن مفاخره كذلك القانون المدني الذى ضمنه أهم نتائج الثورة الاجتماعية، ولعل ذلك هو الذي حمله على القول:

إنه منفذ وصية الثورة.

والواقع أنه أيضًا منفذ وصية الملكية المستبدة؛ إذ كان دأبه دائمًا القضاء على كل حرية سياسية وحصر السلطات كلها في حكومته العسكرية تحت شعار:

كل ذلك من أجل مجد فرنسا.

كان في فرنسا في عهد الملكية المطلقة إدارة مركزية قوية، ولكنها مرتبكة وجائرة هدمت الجمعية الوطنية هذا النظام المركزي وأقامت نظامها اللا مركزي المبسط في عصر انتقالي مضطرب؛ فقامت بجانبه في باريس وبقية الأقاليم الجمعيات والأندية الثورية التي حلت بالفعل محل السلطات القانونية، واضطر المؤتمر الوطني أمام الخطر الذى يهدد سلامة الوطن إلى توطيد ديكتاتورية مركزية أشد من الحكومة الملكية التي قامت ضدها الثورة!

وجاءت حكومة الإدارة، فقام النزاع بين السلطات وساءت الأحوال الاقتصادية، وسئم الناس السياسة، وتبلدت الهمم، وقل اهتمام الناس بالشأن العام، وكانت البلاد بحاجة إلى السلم والنظام والهدوء. فلما حدث انقلاب 10 نوفمبر (تشرين الثاني) رضيت عنه؛ لأنها رأت فيه خروجًا من موقف مضطرب غامض إلى نظام حكومي ثابت تأوي إليه وترتكن عليه.كانت خطة نابليون في بناء حكومته الإدارية انتقاء خير ما اشتملت عليه الحكومات السابقة من نظم، وإشراك جميع الرجال الأكفاء من يعاقبة وملكيين في حكومة الدولة؛ حتى ينتفع بهم ويأمن جانبهم في نفس الوقت! لكن سيره بعد ذلك على خطة الديكتاتورية في الداخل، والحرب في الخارج؛ أفسد حكومة البلاد وإدارتها.

أول ما ظهرت أغراض بونابرت السياسية في دستور السنة الثامنة (1799) الذي وضعه سايس، ثم عدله بونابرت. كان سايس يهدف إلى إنشاء نظام دستوري وسط بين الملكية والديمقراطية قائم على تجزئة السلطات وإضعافها، بحيث تتوازن ولا تتمكن إحداها من الاستئثار بالأمر، فدفعه ذلك أولًا إلى إلغاء التشريع الانتخابي القديم طبقًا للمبدأ القائل بأن:

الولاية تأتي من أعلى والثقة من أسفل

فبدلًا عن أن ينتخب الشعب نوابه، صار لا يملك إلا حق الترشيح في قوائم انتخابية أطلق عليها قوائم الأعيان، وتقرر أن يكون في رياسة الحكومة ناخب أعظم مهمته تمثيل الدولة.

ولا ريب أن هذا الدستور ينم عن قلق المشرعين في فرنسا في ذلك الوقت على النظام الجمهوري ونتائج الثورة؛ فأرادوا أن يكفلوا بقاء هذا النظام، وأن تكون نقطة التوازن فيه بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، بحيث لا يهدده الاستبداد من أعلى، ولا القلاقل من أسفل.

فقد كانت السلطة منحصرة في أربع هيئات، بدلًا عن هيئة واحدة: مجلس الحكومة يقترح القوانين ويعدها، ومجلس الشورى يملك حق المعارضة وإبداء راغبات، ولكنه مجرد من السلطة الفعلية وحق البت، ومجلس التشريع أو مجلس الثلاثمائة أبكم، كما كانوا يطلقون عليه، يملك السلطة الفعلية وتحويل المشاريع.

كان بونابرت يطمع في رئاسة السلطة التنفيذية العليا، على أن تكون سلطة حقيقية، فما كان منه إلا أن دعا لجنة الدستور وأملى التعديلات التي أراد إدخالها، فقد احتفظ بونابرت بالنظام الانتخابي وقوائم الأعيان ونظام السلطة التشريعية، وتقرر أن يحل محل الناخب الأعظم قنصل أول مهيمنًا على الدولة، وإلى جانبه قنصلان صوريان رأيهما استشاري؛ حتى لا تفزع الروح الجمهورية من انحصار السلطة في رجل واحد.

ومن يومها صار القنصل الأول يُسيطر على شئون السلم والحرب، ويملك وحده حق اقتراح القوانين التي يعهد بها إلى مجلس الحكومة وتعيين القضاة والوزراء والإدارة والجيش والسياسة، وبذلك يخضع لنفوذه جميع موظفي الحكومة، وبذلك تحكم نابليون في السلطة التشريعية في حين إن السلطة التنفيذية اجتمعت كلها في شخص بونابرت، وقد قال نابليون عن ذلك:

لا عجب في ذلك، فإن سايس (واضع الدستور) لم يوجد في الدستور إلا ظلالًا، فجعل من السلطة التشريعية ظلًا، ومن الحكومة ظلًا، ومن السلطة القضائية ظلًا، وكان لا بد من مادة في الدستور تجمع كل تلك الظلال، وقد وضعتها!

ومن هذه المادة أنشئت الحكومة الاستبدادية المطلقة التي حلت محل الحكومة النيابية، وقضت على الحرية السياسية الممثلة للثورة ومبادئها، وقضت في الوقت نفسه على حرية الصحافة، ومبدأ المساواة أمام القانون.

وقد قامت حكومة بونابرت على قاعدة:

أن التفكير من شأن الجماعة، والعمل من شأن الفرد

ولذلك عنى باختيار أعوانه من كل الأحزاب، وكان من أعوانه في الوزارة لوسيان بونابرت في الداخلية، وفوشيه في البوليس، وكارنو في الحربية، وتاليران في الخارجية.

ولعل تاليران نموذج يُظهر فكر وأسلوب نابليون في اختيار رجاله:

فتاليران كان وزير خارجية لويس السادس عشر قبل الثورة الفرنسية، ثم أصبح وزيرًا لخارجية نابليون بونابرت بعد الثورة، ثم انتهى وزيرًا لعصر ثالث عندما سقطت الثورة، وعاد البوربون مرة أخرى إلى قصر التويلرى على عهد لويس الثامن عشر، واستحق تاليران بالتالي لقب: رجل لكل العصور!

تاليران

 

لقد اهتم نابليون ببسط سلطته على كافة مناحي الدولة وعلى كل السلطات، وعلى رأسها السلطة القضائية:

فألغى مبدأ انتخاب القضاة، إلا فيما يتعلق بقُضاة محكمة الثورة؛ لأنه واثق فيهم؛ لأنهم من العسكريين.

ومن مفاخر نابليون أنه عنى بتجميع شتات القوانين بعد مراجعاتها وترتيبها في مجموعة واحدة تتمثل فيها وحدة التشريع، والتي كانت من أهم مطالب الثورة. وكذلك تضمنت مجموعة القوانين المدنية أهم نتائج الثورة، فقد كان يريد أن تكون هذه القوانين متفقة مع مبادئها بمقدار انطباقها على الحياة الاجتماعية، وكان يقول:

يجب أن تكون تلك القوانين ملائمة للحقائق الراهنة، لا للخيالات والأوهام، فإن الفلسفة شيء، والحكومة شيء آخر

واستطاع بونابرت كذلك أن يُدجن السلطة الدينية ممثلة في الكنيسة، بعد أن كانت تلك الكنيسة منفصلة تمامًا عن الحكومة، وتمكن من السيطرة على العالم الديني والسياسي.

ولم يرض الكثيرون من رجال الثورة عن المحالفة بين بونابرت ورجال الدين الذين يمثلون الحركة الرجعية من الناحية الاجتماعية، ولكن القنصل الأول نابليون كان يسير منذ البداية على خطة رسمها لنفسه بدقة تجُر الأنصار، فابتدع ما سماه وسام فرقة الشرف لرجال الجيش خاصة، والممتازين من خُدام الدولة، وقد عارض ذلك أقلية قوية في المجالس الثلاثة؛ لأنه لا يتفق مع مبدأ المساواة، أحد مبادئ الثورة؛ فرد نابليون يبرر مسلكه في مجلس الحكومة بقوله:

لتكن هذه الأوسمة كما يقولون: لعبًا يغتر بها البعض، أليس باللعب يُقاد الرجال؟
إنى لا أعتقد أن الفرنسيين يميلون إلى الحرية والمساواة؛ لأن عشرة أعوام ثورة لم تغيرهم، ولا بد من ألقاب فخرية وامتيازات

نابليون يصنع طبقته الجديدة

بالإضافة إلى ذلك فقد أصدر نابليون نظام الأرستقراطية الإمبراطورية، وكان عمود الأرسقراطية الجديدة رجال  الجيش والموظفون الكبار، وكانوا درجات في النبالة بحكم المناصب: فقد كان كبار رجال البلاط أمراء، وكان الوزراء والشيوخ ورؤساء الأكيلروس وأعضاء مجلس الحكومة كونتات، ورؤساء المحاكم والبلديات في المدن الكبرى بارونات، وحاملوا فرسان الشرف المذكور عاليه فرسانًا، وكان هدف نابليون الأساسي خلق طبقة جديدة تدين للإمبراطور بجاهها ورفعتها؛ فتصبح سندًا له، وتحل محل طبقة الأشراف القديمة التي كانت سند الملكية.

وكانت رعاية نابليون تشمل الجيش بوجه خاص وتُميز العنصر العسكري على المدني، وقد قام نابليون بتوزيع مساحات شاسعة على كبار ضباطه، كأملاك ثابتة لهم، وازدات مساحة هذه الأملاك، وأخذ الموظفون منها بنصيب، ولكن رجال الجيش استولوا على أكثرها، وكان إيراد بعض القادة والجنرالات أكثر من مليون فرنك في العام.

وعلى الجانب الآخر قام نابليون بفرض ضرائب على عامة الشعب الفقراء، ففرض ضرائب على المشروبات، وورق اللعب، والملح، والدخان، وكل ما يخطر أو لا يخطر على البال.

حتى التعليم قام نابليون بالسيطرة عليه، فقد قام بتنظيمه بطريقة تمكنه من الهيمنة على الآراء السياسية والاجتماعية:

فأنشأ الجامعة الإمبراطورية بمرسوم في 17 مارس (أذار) 1808 حتى يكفل توحيد التعليم على نمط واحد، وينشئ للدولة وطنيين متعلقين بدينهم وأميرهم ووطنهم وأسرتهم، ويجد وقاية ضد النظريات الآثمة الفاسدة في النظام الاجتماعي. إن مهمة الجامعة في رأي نابليون هي:

تعليم الطاعة للإمبراطور والملكية الإمبراطورية التي هي مصدر هناء الشعب

كانت سياسة بونابرت في الداخل العمل على تدعيم سلطته، والتمهيد للقنصلية الدائمة، فقرر السيطرة على الثقافة والفكر:

ففي 17 يناير (كانون الثاني) 1800 أصدر نابليون أمرًا قنصليًا بإلغاء جميع الصحف السياسية، ما عدا ثلاث عشرة صحيفة تؤيد الحكومة، وأنشئت في سنة (1810) إدارة عامة في وزارة الداخلية للإشراف على المكاتب والمطابع وبسط الرقابة على كل ما يظهر في عالم الكتابة والنشر، وكانت لا تُمنح الرخص إلا لعدد معين من أصحاب المطابع؛ لأن المطبعة في رأي نابليون:

مخزن أسلحة لا يصح أن يؤتمن عليه كل الناس، إلا أولئك الذين تضع الحكومة فيهم ثقتها

وقد منعت الرقابة نشر ترجمة كتاب مزامير داوود؛ لأن فيها تنبؤات بالنزاع الذي بدأ يحدث بين البابا ونابليون.

وكانت الرقابة قد أذنت بطبع كتاب مدام ستايل عن ألمانيا بعد ما حذفت منه جملًا كثيرة، مثل قولها:

إن باريس هي البلد الوحيد الذى يسهل على الإنسان فيه أن يستغنى عن النعيم؛ خشية أن يكون فيه تلميح إلى أن الفرنسيين كانوا في شقاء!

وارتفع شأن وزارة البوليس، وكان فوشيه وزير البوليس ينشر الجواسيس الذين يأتون له بالأخبار ومراقبة الوطنيين الأحرار أمثال باير الذي كان عضوًا في لجنة إنقاظ الوطن! ولم تجد المعارضة منفذًا لها، إلا في طريقين: طريق المعارضة القانونية المحدود في مجلس الشورى، وطريق المؤامرات.

ومع ذلك كان نابليون يتظاهر بكراهية الاستبداد، ويقول لفوشيه:

لا أريد أن يكون الفرنسيون عبيدًا يا فوشيه

وبالرغم من ذلك لم يحتمل القنصل بونابرت المعارضة من الناحيتين:

  • فبدأ بالأولى (المعارضة القانونية) بالتخلص من الأقلية المعارضة في المجلس، ثم تخلص من المجلس نفسه بعد ذلك!
  • واستفاد من الثانية (طريق المؤامرات) في التخلص من الحزب المعارض، من اليعاقبة والملكيين، وبلوغ القنصلية الدائمة والإمبراطورية بعد ذلك.

وكان بونابرت لا يحتمل أقل معارضة، وقد عرض نابليون على مجلس الشورى قانونًا يقضى بتحديد الزمن الذي تُعرض فيه القوانين على مجلس الشورى بحجة أن هناك قوانين عاجلة. فخشيت المعارضة من ذلك، وعلى رأسها بنيامين كونستان، أن تأخذ الحكومة المجلس على غرة، فلا تترك لها المهلة الكافية لبحث القوانين الخطيرة الخاصة بحياة المواطنين وحريتهم وشرفهم، خصوصًا أن القوانين العاجلة كانت أصل جرائم الثورة وكوارثها، وقد رد بنجامين على قانون نابليون قائلًا:

يجب المحافظة على استقلال مجلس الشورى؛ لأنه نقطة توازن السلطات العامة في الجمهورية، فإذا فقد هذا الاستقلال اختل التوازن وذهب الدستور ولم يبق إلا العبودية والسكون

فهاجت ثائرة القنصل نابليون بالرغم من موافقة الأغلبية على قانونه، وكان بنجامين صديق مدام ستايل، الكاتبة الحرة التي كان يذهب إلى ناديها صفوة الرجال، فلم تلبث أن دعاها فوشيه وزير البوليس وبلغها أن القنصل الأول يعتقد أنها محرضة بنجامين، ونصحها بترك المدينة والذهاب إلى الريف، أو بعبارة أخرى: نفاها، وكان ذلك فاتحة الاضطهادات والمظالم التي وقعت على فُضليات النساء اللواتي اشتهرن بالجمال والآدب والفطنة، أمثال مدام ستايل ومدام شفيرز.

وعندما اشتدت المعارضة داخل مجلس الشورى ضد قوانين القنصل، قرر نابليون التخلص من المعارضة الجُزئية بحجة:

أن أعضاء المعارضة لا يجرون وراء الوظائف والمال فحسب، بل إن فريقًا منهم يريد العودة إلى حكومة الأندية، وفريقًا آخر يُريد العودة إلى العهد القديم

وهكذا لم يبق أمام نابليون بعد القنصلية الدائمة وخنق المعارضة إلا الملكية الوراثية، وسرعان ما اقترح فوشيه على مجلس الشيوخ :

أن يرجوا الرجل العظيم العمل على إتمام البناء وتخليده!

ثم قام أحد أعضاء مجلس الشورى وطلب بصراحة (إعلان نابليون بونابرت إمبراطور الفرنسيين) وجعل الإمبراطورية وراثية في أسرته، فلم يجرؤ أحد على المعارضة، إلا كارنو.

وعلى ذلك أصدر مجلس الشيوخ في 18 مايو (أيار) 1804 مرسومًا (يكل حكومة الجمهورية إلى الإمبراطور نابليون)، وجرى استفتاء عام؛ فوافق الشعب على ذلك التغيير الجديد بنسبة قاربت (98%)!

بونابرت إمبراطورًا!

وهكذا فى واقعة تجمع بين سخرية القدر ومآسى التاريخ، فإن    الثورة الفرنسية التي قامت ضد ملكية البوربون ورفعت لواء (الحرية والإخاء والمساواة) انتهت بتنصيب الجنرال نابليون إمبراطورًا للجمهورية الفرنسية، وبموافقة شعبية تخطت(98%)! وتم ذلك بادعاء الحفاظ على مكتسبات الثورة وحماية أهدافها! وكانت خاتمة ذلك المشهد الغريب والعجيب والمثير أيضًا:

في حفل تنصيب الإمبراطور، حدث أن قام الجنرال الإمبراطور نابليون بونابرت بوضع التاج على رأسه بنفسه، كإشارة للجميع بأنه ليس مدينًا لأحد بما حصل عليه من رفعة المقام وعلو القامة وانتصاب الهامة، إلا لنفسه وعقله ومجهوده.

(2)

حُكم على أولئك الذين لم يقرأوا التاريخ أن يكرروا التاريخ ذاته! تشرشل

مما لا شك فيه أننا فى مصر اليوم نعيش مناخ أزمة، فأزمة نظام الحكم في مصر اليوم صنعها هو بنفسه لنفسه، فدولة 30 يونيو (حزيران) جاءت وسط تأييد جماهيري غير مسبوق، سرعان ما بدأت تفقده بمرور الوقت، باستمرارها فى اتباع سياسات إفقار الفقراء لصالح الأغنياء من خلال تعويم العملة، ورفع الأسعار، وفرض المزيد من الضرائب، وتضييق المجال العام، والتوسع في الاعتقالات خاصة وسط الشباب، واتباع سياسات خارجية تجرح الكبرياء الوطني في أكثر من ملف، وخاصة في قضيتي تيران وصنافير وسد النهضة والعلاقات المصرية الإسرائلية.

ولعلي أضيف أني عندما أسمع الرئيس السيسي يتحدث عن مساوئ الماضي وعن التضحية بالحاضر من أجل المستقبل؛ أتذكر مقولة يفجينى بريماكوف رئيس الوزراء الروسي، حينما سمع جورباتشوف في خطاب له بعد أن أصبح رئيسًا، قال:

لقد حدثنا عن الماضي الأسود وآلامه، وقال لنا: إن المستقبل سيكون جيدًا، ولكنه لم يذكر لنا شيئًا عن حاضرنا الذى نعيشه، وكأنه ليس موجودًا!

ويمكن تلخيص الوضع المصري اليوم في الآتي:

فالمظاهرات: الغاضبة المعترضة يتم منعها بقوة وغلظة.

والإعلام: أصبح مثل كل المؤسسات في مصر مهجنًا لا يقول إلا ما تريده السلطة، ولا ينتقد إلا من تريد الأجهزة الأمنية انتقاده.

والبرلمان: قد تم هندسته على المقاس المطلوب، ليصبح برلمان موافقين كما كان قبل ثورة يناير، ولعل البرلمان المصري اليوم ورئيسه على عبد العال ينطبق عليهم قول الشاعر الذي أراد أن يمتدح أحد الحكام فقال له: إنه لم يقُل لا إلا في تشهده)!

أما الأحزاب: التي تتواجد في حياتنا السياسية فلا نسمع لها حس ولا خبر، كل ما تفعله هو:

  • إصدار بيانات التأييد (طمعًا في منصب تُمني نفسها به).
  • أو الشجب للنظام وللحكومة (لتقدم لنفسها مبررًا عن فشلها في أي عمل حقيقي في الشارع)، ولا تحلم بتداول السلطة، بل لا تسعى إليه أصلًا.

أي أن نظام الرئيس السيسي ماضٍ في تحرير الاقتصاد وتأميم السياسة، وذلك أمر لا تستقيم معه الأمور!

وقد يقول قائل ويرد راد:

  • ألا ترون بأعينكم ما يجرى من أحداث حولنا ومن مؤامرات علينا؟
  • ثم ألم يحدث مثل هذا التضييق الذي تتحدثون عنه في العهد الناصري تحديدًا؟

وأجيب: ربما حدث ذلك في أوقات معينة في العهد الناصري، ولكن في العصر الناصري كان يستطيع الزعيم جمال عبد الناصر أن يقف دون أن يتكلم أو يتعلثم، فقط يُشير إلى مكتسبات الشعب من ثورة يوليو المجيدة من تملك العمال للمصانع، وتملك الفلاحين للأراضي، من تعليم مجانى لكافة أفراد الشعب، من وظائف متاحة لجميع الفئات،من رعاية اجتماعية حقيقية لكافة أفراد الشعب، من سلع وخدمات في متناول يد الفقراء، من مشروع نهضوي يشارك في بنائه ويعمل على صنعه كافة أفراد الشعب دون تمييز بين أبيض وأسود وغنى وفقير ومتعلم وجاهل ورجل وامرأة ومسلم ومسيحي.

ويقول، أي عبد الناصر: أفعل ذلك حماية لكل مكتسبات الشعب التي يراها بعينه ويلمسها بيده ويستشعرها بحواسه، أفعل ذلك حماية لكل تلك المكتسبات من قوى الثورة المضادة التي قمنا بالثورة ضدها.

ناصر الفقراء باقى فى قلوب المصريين بالرغم من مرور السنين

 

  • ولكن اليوم ماذا عسى الرئيس السيسي أن يقول، وكيف يستطيع أن يُبرر؟
  • هل يقول الرئيس مثلًا أننى أفعل ذلك حفاظًا على الأسعار؟ وهوالذى ارتفعت الأسعار في عهده أضعاف مضاعفة حتى وصل طعام فقراء الشعب المصري لأرقام فلكية، فالعدس والزيت والسكر والشاى وصلوا لأسعار خيالية.
  • هل يقول الرئيس مثلًا: إننى أفعل ذلك من أجل الحفاظ على سعر الجنية أمام الدولار؟ وهو الذي وصل في عهده إلى (20جنية) في وقت من الأوقات.
  • أم تراه يقول: إننى أفعل ذلك من أجل الحفاظ على الأوضاع الاجتماعية الممتازة التى وصلنا إليها؟! ولكن لسوء الحظ فإن الأوضاع الاجتماعية لا تسُر عدو ولا حبيب، فمصر تحتل الآن المركز الثامن بين أسوأ 15 دولة في العالم في توزيع الثروة، كما كشف تقرير أصدره بنك كريدي سويس، حيث يسيطر  10 % من المصريين على 73 % تقريبًا من ثروة البلاد، و1% من الأغنياء يسيطرون على 48.5% تقريبًا من هذه الثروة. ويحصل 5% من الموظفين على 40% من إجمالي الأجور و 95% منهم يحصلون على الـ 60 % الباقية!
  • هل يقول الرئيس مثلًا: إننى أقصي كل الأصوات المعارضة لي ولسياساتي خوفًا على الجبهة الداخلية من العدو الصهيوني الذي خُضنا ضده حروبًا، وسالت على أيديه دماء مصرية كثيرة؟! وهو الذي ذهب في لقاء سرى كُشف عنه مؤخرًا من إعلام الاحتلال مع كل من رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو وملك الأردن الشريف! عبد الله بن الحسين ومعهم جون كيري.
  • هل يقول الرئيس السيسي: إنى أفعل ذلك من أجل الحفاظ على النهضة التي نعيشها اليوم؟! ولكن بكل أسف فإن تلك النهضة التي لا يراها ولا يتحدث عنها سوى إعلاميين النظام (كل نظام) أمثال أحمد موسى، ومصطفى بكرى وغيرهم، هؤلاء الإعلاميون الذين يشبهون ذلك الشاعر الذي دخل على أحد الحكام في العهد المملوكي وكانت مصر وقتها قد أصيبت بزلزال عنيف، فقال ذلك الشاعر مادحًا:

ما زُلزلت مصر من كيدٍ أريد بها .. لكنها رقصت من عدلكُم طربًا!

  • هل يقول الرئيس مثلًا: إنى أفعل ذلك من أجل حماية الثورة من عناصر الثورة المضادة التي تُريد أن تنقض على الثورة الأصيلة وتغتالها في وضح النهار بالغدر؟! وهو الذى استعان بتلك العناصر (البوربون المصريين) وفتح لهم الباب من أجل أن يعودوا من جديد مرتدين ثياب الأطهار ممتطين حصانًا أبيض كالفرسان لذبح الثورة الأصيلة بسكين بارد.

وقد يرُد البعض بقوله:

إن الرئيس صاحب القلب الرقيق، والمشاعر السامية حتمًا يشعر بأزمة الشعب، ألم تسمعوه وهو يقول إنه متأزم لأزمتهم ومتألم لآلامهم، آلم تشاهدوا دموعه وهي تنساب وعبراته تترقرق.

وأقول:

بأنه مما لا شك فيه أن استشعار الرئيس لمواجع الشعب شيء رائع، وتأزم الرئيس لأزمة الناس أمر عظيم، وترقرُق دموعه لأمر جلل يُشكر حتمًا عليه الرئيس، ولكن الفقراء لن يأكلوا أو يُطعموا أبناءهم من تأزم الرئيس، ولن يدفعوا إيجارات منازلهم باستشعاره لمشاكلهم، ولن يصرفوا على أبنائهم بدموعه.

ولعل التاريخ يخبرنا بأن طريق الانتقال من العبودية للحرية، ومن التبعية للاستقلال هو طريق طويل شديد الوعورة بكتل من الصخور، وقد تكون بعض مسالكه مخضبة ببقع من الدماء، وعلى طول ذلك الطريق الثوري سنواجه أزمات ونخوض معارك، ستقوم أحلام، وتسقط أوهام، وتقوم طبقات لتحل محل طبقات، وتتبدل قيم بقيم، وسنرى فوضى لا تنظمها قاعدة، وعبث لا يحكمه قانون.

ولا زال السؤال مطروحًا: هل يكون المشير عبد الفتاح السيسي هو الجنرال نابليون بونابرت المصري؟!

وفى يوم من الأيام قال ماركس:

بأن التاريخ لايعيد نفسه،فإذا فعل، فهو في المرة الأولى صانع دراما كبيرة، وهو فى المرة الثانية صانع مهزلة عظيمة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تاريخ أوروبا الحديث
عرض التعليقات
تحميل المزيد