وقبل أن أدلِفَ لبيانِ ما أنا بصدده، أجدُه لِزامًا عليّ أنْ أصقلَ صدأَ ما عساه قد لحِقَ بي وبالقارئ الكريم من مُذهِباتِ عقل الحليم في هذا الحين من الزمان، فأقول إن أنت رأيتَ مني اعوجاجا عن الطريق وليًّا لعنق الكلام وأخذًا بتلابيبه إلى غيرِ موضعِهِ، فقوِّم ما عساه قد اعوجّ وحاد عن الحقِّ، واجهر به، ولا خير فيك إن لم تقُلْه، ولا خير فينا إن لم نقبلْه.

عاش الإنسانُ منذ القِدم في صراعٍ بين الماديّة وتحكمات السلطة والحكومات من جهة، وبين الروحية والحُرية والثورية والإيثار من جهة أخرى. وجميعُ الشرائع والأنظمة المتواترة فيما أعلم كانت تُغلِّب أحد الجانبين على الآخر فعاشت أممٌ على مدى ردحٍ من الزمان تحت وطأة الثيوقراطية أو حكم رجال الكنيسة تارة، وتحت وطأة البيروقراطية والديكتاتورية وحكم الفرد تارات أخرى.
ولو أردتُ أنْ أُمثِّلَ بمثالٍ على مقالتي تلك بعصر ما قبل صدر الإسلام أو ما اُصطُلح عليه بالعصر الجاهلي، فأقولُ بأنّ الإنسانَ العربيّ هو مِن أول مَن ثار على التقليد والمادية وسلطة القبيلة. والصعاليك أو ما اُصطُلح على تسميتهم بالصعاليك هم خيرُ مثالٍ على ذلك، وإلّا فما الذي يعنيه أنْ يخرجَ جماعةٌ من الناس على سلطة القبيلة تأبّيًا على حكمٍ أو عادةٍ لزِمتْها واعتادت عليها القبيلة لمدةٍ من الزمن اتفقت أو تشعبت الأسبابُ الداعيةُ إلى ذلك.

فأحدُهُم وهو عروةُ بنُ الورد وهو السيدُ وابنُ السيد في قومه يتنصَّلُ من قومه ويهَبُ حياته للغزو في سبيل إعانة الفقراء والمحتاجين، ولمّا عيّرهُ أحدهم بشحوب وجهه ردّه وقال أبياتًا غايةً في الكرم والإيثار ونبذِ المادية التي يحيا الإنسانُ فيها لنفسه وحسب.

أتهزأُ مني أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوبَ الحقِّ، والحقُّ جاهدُ
أُقسّمُ جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء، والماءُ باردُ

والشنفرى أبى أن يُضيِّقَ عليه قومُه فضاءَ الدنيا الرحب فخرجَ إلى الصحراء ينعم بالحرية ويأنس بالذئاب والضباع.
لَعَمْرُكَ، ما بالأرض ضيقٌ علـى امـرئٍ سَرَى راغبًا أو راهبًا، وهـو يعقِـلُ

وعنترةُ بنُ شداد الثائرُ المحبُّ، وهو وإنْ لم يخرجْ على قومه فقد عاش عفيفًا مترفعًا عن المادية، ناقمًا على الطبقية التي أورثته إياها أعرافُ القوم آنذاك.

هلّا سألتِ الخيلَ يابنةَ مالكٍ إن كنتِ جاهلةً بما لم تعلمي
يُخبرْكِ من شهد الوقيعةَ أنني أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنمِ
وقوله: «فأرى مغانمَ لو أشاء حويتُها فيصدُّني عنها كثيرُ تحشُّمي»

فهؤلاء وغيرهم من أمثال السليك بن السلكة، وتأبط شرا مذهبٌ من مذاهب الثورة على أعراف القبيلة، ونبذ المادية، والطبقية وإيثار الفضيلة، والحرية.

فإذا انتقلنا إلى العصر الذي يليه، وهو عصر صدر الإسلام لمّا هاجر المسلمون إلى المدينة وآخى الرسولُ صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار وكان من جملة ذلك أن آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فعرض الثاني على الأول أن يشاطره في أهله وماله، فقال له عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك، (ولكن دُلّني على السوق) وحين وقعت هذه الجملة على أذني لم أستقبلها هذه المرة بوجوب الكدِّ والجدِّ في طلب الرزق والعمل، بل بطلبِ الحرية في العمل وابتغاء الرزق وإلّا صارت حياةُ الناس إلى ما سارت بنا إليه الرأسمالية المتعفنة من خلقِ تلال من رؤوس الأموال، وخلقِ رمال من الأموال تُداس وتُوطأ متى رأى أصحابُ التلال ذلك إبقاءً على رفاهيتهم ورغدِ عيشهم، ولتذهب طبقةُ الكادحين أو البروليتاريا إلى الجحيم بعد ذلك.

وفي حديث سيدنا عمر بن الخطاب عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتعود بطانا».

وحديثي هنا ليس على وجوب التوكل على الله والثقة في أن الرزق من عند الله ووجوب السعي والأخذ بالأسباب وحسب، فهذا لا ينكره أيُّ أحد، ولكني -ودعني أسأل ولا أثبت هنا- أسأل لماذا الطيرُ على وجه الخصوص؟

هل لأنَّ الطائرَ هو أقرب المخلوقات والكائنات إلى الحرية منه إلى أي كائن آخر، أم لأنّ الطائرَ أبعدُ الكائنات عن الأرض وأقربُها إلى السماء فاتصل بسببٍ منها فكان خير مثال على «وفي السماء رزقكم وما توعدون»؟!

هذا وعندي أنَّ الفلاح الذي يفلحُ قيراطًا واحدًا من أرضه أكثرُ فضيلةً من الموظف الذي يتقاضى لقاء عملٍ مُسيّرٍ له عشرات الآلاف من الجنيهات، والفضيلة التي أرمي إليها ليست ما ضد الرزيلة ولكن فضيلةُ الحرية التي يفضُلُ بها الإنسانُ غيرَه من الكائنات.

وعلى ذلك إن شئتَ فقُلْ (ما بين المادية، والطبقية والحرية ) إذِ الفضيلةُ هي الحُرية.

الفضيلةُ هي الحُرية.

الفضيلةُ هي الحُرية.

الفضيلةُ هي الحُرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المادية
عرض التعليقات
تحميل المزيد