أزعم أن جيلنا قد أذهلته صدمات الواقع كثيرًا؛ ذلك النفق الذي وصلنا إليه، اعتبره بعضنا نهاية الدنيا «the end». صارت مواقع التواصل تعج بـ«نوستاليجا» محبطة وتعليقات بائسة، مثل قولهم: «ذلك الضوء الذي تراه في نهاية النفق، ليس نهايته، بل قطارًا قادمًا»!

والبعض الآخر لا زال لديه بقية أمل، فبدأ يغوص في عالم الكتب؛ يقرأ ويقرأ ويقرأ؛ يود أن يفهم واقعنا، ويحاول أن يدرك «لماذا وصلنا إلى هنا؟» و«كيف نخرج من ذلك النفق؟»، لكن الكثير – من ذلك البعض الآخر – بدا عليه الانبهار بـ«كل» ما هو جديد، وصار يراه حلًا ومخرجًا لما نحن فيه، وبدأ ينسلخ من «كل» قديم، ويراه «سببًا أوحدًا» لما وصلنا إليه.

حنانيك يا صديق! ليس كل جديد صحيح لأنه جديد، وليس كل قديم كان خطأ لأنه قديم! وليس كل ما قرأته يحلل واقعنا يعتبر صائبًا؛ لأنه قد أصبح مشهورًا، أو لأنه «من أكثر الكتب مبيعًا»، وحقق «rating» مرتفعًا في «goodreads»!

ليس معنى أن الكاتب، أو «المحاضر» يحشد معلومات ووقائع تؤكد فكرته، أن استنتاجه سيكون صائبًا بالضرورة!

عندما بدأت تقرأ، كنت قد قررت أن تحترم عقلك، فلماذا نحيته جانبًا، وتقبلت كل ما يكتب، أو «يقال» على أنه مسلم به؟

قد يكون القديم قد فشل على أرض الواقع، ليس لأنه خطأ، بل ربما لأنه لم يطبق بشكل صائب، أو لأن من طبقه استعجل الثمرة، وتخطى المراحل، ولم يحرث الأرض، فلم تنبت البذور، وأصبحت الأرض بورًا، وربما كان فشل القديم، لأنه خطأ بالفعل، لا لكونه قديمًا، بل لأن الفكرة كانت تحمل سر فشلها، ولم نره حينها، وقد يكون الجديد صائبًا بالفعل، وربما لا يكون كذلك، ربما يكون انبهارنا به لأنه ما زال في عالم التنظير، ولم يسقط على أرض الواقع بعد.

********

وفي عالم الأفكار؛ يحدث «خمسة» أنواع من التغيرات الفكرية عبر الزمن:

1) الجمود الفكري:

والمشركون هم أسوأ من مارس الجمود الفكري حين رفضوا القرآن، وعادوا الإسلام؛ فقط لأنه جديد!

قالوا: «ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين»، وحاربوا من أجل أوثانهم: «أن امشوا واصبروا على آلهتكم»،. واستمسكوا بها قائلين: «إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون» ؛ فقط لأنها تمثل القديم، دون أن يُعملوا عقولهم، ويقارنوا بين ذلك الجديد، وبين ما كانوا يعتقدون، فكانت عاقبتهم أنهم موقوفون غدًا على النار يتحسرون: «لو كنا نسمع أو نعقل»!

والجمود الفكري يسمونه بالدوجماتية Dogmatism، وهو عكس المرونة، والدوجماتي منغلق ذهنيًا، ليس لديه قدرة على إيجاد أو ابتكار أفكار وآراء؛ من أجل معالجة قضية، أو حل مشكلة ما، يقتنع ببعض الأفكار إلى حد الاعتقاد، يؤمن بها، ولا يعترف بأية فكرة جديدة، أية فكرة مهما كانت! فـ«ليس في الإمكان أبدع مما كان»، ومع أول حوار يأتيك رفضه السريع لأي دليل، لا يمكنه أن يميّز بين العقائد والأفكار التي يرفضها؛ فكلها عنده في سلّة واحدة، هي سلّة الخطأ والضلال، دون أن يكلّف نفسه بالبحث في نقاط التقاء أو تقارب مع أيٍّّ منها!


2) الانقلاب الفكري:

و يحدث عادة مع الانقلابات السياسية، ففي روسيا، بعد الثورة على دولة القياصرة، قامت نظم سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة، وبدأ الفكر الروسي رحلة القطيعة مع الماضي، وتبنى فكرًا ثوريًا عميقًا، ولم يبق من الأدب الروسي القديم ما يستحق التقدير في نظر روسيا «البلشفية»، سوى آثار المفكرين والكتاب الأحرار والثوريين، مثل «ترجينيف» و«دوستويفسكي» و«تولستوي» و«البرنس كروباتكن»!

وعلى العكس، في انقلاب أتاتورك على دولة الخلافة، بدأ الفكر يتجه نحو غرس النزعة القومية، وقاموا بتغيير قواعد اللغة التركية، وألفاظها، فاستبعدوا منها الألفاظ المشتقة من لغة أخرى، وانتشرت أفكار لا أصل لها، تقول «إن الحضارة التركية هي أساس الحضارة البشرية، واللغة التركية القديمة هي مصدر اللغات البشرية»!

وفي الثورة «الفاشستية» سادت أفكار تمجد العبودية؛ لأنها أصبحت أسيرة الطغيان، وتمجد الحرب؛ إذ جردت من المثل الإنسانية الخالصة!

3) التقلب الفكري:

والمتقلب لا يستقر على حال؛ يعتنق الفكرة، ثم يهاجمها بعد قليل، يعيش حالة من «المراهقة الفكرية» أو «التذبذب الفكري»، كلما قرأ كتابًا، أو رأى محاضرة لأحدهم، تبنى فكرته؛ لأنها جديدة، دونما تمحيص، ودونما إعمال عقلٍ؛ فقط لأنها جديدة!

وقد لا تكون جديدة أصلًا، بل ربما تكون قد قتلت بحثًا منذ عقود، لكنها جديدة «بالنسبة له»؛ لأنه لم يكن قد سمع بها من قبل!

ومن المؤسف أن التقلب الفكري سيزيد مع الزمن، حتى نصل إلى ذلك الزمان: حيث (يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي الرجل مؤمنًا، ويصبح كافرًا»!


4) التطور الفكري:

وإن كنت من هؤلاء فيا لهنائك؛ دائمًا ما يكون معيار قبولك أو رفضك لفكرةٍ ما – سواءً كانت وليدة الأمس، أو كان عمرها ألف ألف سنة – هو الفكرة ذاتها، ليس كونها قديمة أو حديثة، وليس كون صاحبها فلان أو فلان؛ فـ«كلٌ يؤخذ من كلامه ويرد، إلا صاحب هذا القبر- يقصد النبي صلى الله عليه وسلم» .. فربما يكون «بعض» الفكرة صائبًا، تنتفع به، تودع ما لم يستسغه عقلك منها، وربما تحمل الفكرة الجديدة الزاهية سمومًا بين طياتها.

وكما يقول الكاتب «محمد الرطيان»: «عندما تقرأ في الفكر والفلسفة: اقرأ بنصف عقلك، وحاكم ما تقرأ بالنصف الآخر»

* * * * *

أعرف أنك تود أن تسأل: وماذا عن النوع الخامس؟

هي حالة لا وصف لها، سمها «فراغًا فكريًا»، «انحطاطًا فكريًا»! حالة من اللا فكر، يحياها أولئك الذين ألغوا عقولهم، ولم يحاولوا مرةً أن يستخدموها.

ينتظرون غيرهم؛ ليفكر لهم! أخبرنا عنهم علي ـ رضي الله عنه ـ يوم قال: «الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، و(همج رعاع غوغاء أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق)».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد