استوقفني نقد الأستاذ «وليد شرابي» لـ«هشام جنينة» رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات على صفحته قائلًا «لم أنخدع فيك يا جنينة»؛ فقلت لم يهجم عليه، والرجل قد أعلن عن فساد بـ600 مليار جنيه ونال جزاء موقفه؟ وأجاب عن استفساري معرفتي بتراجع جنينة عن موقفه في مواجهة الفساد، بل الأدهى والأمر أنه يدافع عن الرئيس، ويرجو من الشعب مساندته؛ فالرئيس – والكلام لجنينة – «قد حمل روحه على كفه»!

وحين متابعتي لكلام جنينه عرفت سر التحول الخطير، عرفت السبب الذي جعله يضحي بكل حساباته، ويهتم بحسابات أخرى، السبب الذي يمنعه من الاهتمام بالشأن العام، مضحيًا بالشأن الخاص؛ فلقد أوجعه أحد الأقارب بنصحه قائلًا «خف على نفسك وأسرتك»؛ فأعادته الكلمة لحظيرة النظام يستمحيهم عذرًا، فهل يعقل أن يكشف فسادهم؟

ولم يكن هشام جنينه وحده هو الذي فكر كذلك؛ فممدوح حمزة الذي صال وجال أيام الدكتور مرسي، وكان لا ينطق بكلمة في عهده إلا نقدًا، خرج مغردًا تغريدة الوداع؛ فقد طلب النظام منه عدم الحديث في أي شيء، والعيش على هامش الحياة؛ فرضخ ذليلًا، لا خوفًا منهم – لاسمح الله – بل كما قال هو «من أجل أبنائي».

وترك «باسم يوسف» مصر، بعد أن كان أداة لينة، ومجدية في يد العسكر؛ من أجل نفسه، ومن أجل أبنائه، ورحل «البرادعي» مخلفًا وراءه وطنًا وأد حلمه، مع جبهة كان خرابها أسرع من إنقاذها؛ خوفًا على نفسه.

أما الفرق بين جنينة، وهذه الأوراق المتساقطة، أن الشعب ظن أنه بطل مغوار. قد يكون شوكة في حلق الانقلاب، ولكن يبدو أن الرياح نسقت هذه المرة مع السفن؛ فسقط في مستنقع الخانعين، وحظ جنينه العاثر أن أذهان أغلب المصريين وقتها كانت معلقة بحذاء «الشيخ حازم» المهترىء؛ فلقد وقف الشيخ أمام المحكمة بحذاء رث أنهكه الحبس الانفرادي، وأثر فيه سجنه مع صاحبه منذ ثلاث سنوات، ولكن قدره أن يكون للشيخ حازم الذي لم يخف على نفسه وأسرته، ولو قالها أو فعلها لتركه الانقلابيون ولهللوا له، ولكنه لم يجعل حياته ثمنًا لحياة منقلبين، بل دفعها ثمنًا لآخرته، وما عند الله خير وأبقى، فلم يقلل من عزمه حذاء ممزق؛ فالحذاء في أقدام العظماء يأخذ عزته من صاحبه، وفي أوقات أخرى كثيرة يكون أغلى من صاحبه؛ فالحياة مواقف، والملمات كاشفة.

مسكين أنت يا «باسم عودة»؛ لِم لم تخف على أسرتك! أولادك، أكبرهم لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره؛ فقد عرض عليك الانقلابيون الاستمرار كوزير للتموين، ولكن البطل أبى كل الإباء أن يكون جسرًا يعبر عليه العسكر للحكم، وكان رجلًا لا يقبل الضيم، ولم يجعل الحب الخاص للأبناء يفوق عنده الحب العام لأبناء مصر؛ فكان السجن جزاؤه حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

لِم لم يوافق «الكتاتني»، رئيس برلمان 2012، على عرض السيسي يوم الانقلاب؟ ألم يكن أولى به أن يجلس معززًا مكرمًا بين المنقلبين، بدلًا من صحبة المعتقلين؟ هذه حساباتنا نحن، أما هو فقدمه في الثرى، وهمته في الثريا، فلم يؤثر الرجل جامعته ومنصبه وأولاده على قول الحق، وما فائدة الحياة إن كان الانبطاح فيها هو الحل، أو التخلي عن الحق هو المخرج:

قف دون رأيك في الحياة مجاهدًا       إن الحياة عقيدة وجهاد

البلتاجي لن يضحي خوفًا على أبنائه، فأين أبناؤه؟ لقد ماتت ابنته «أسماء» برابعة، وهي في زهرة عمرها، وولده الأصغر معتقل، والثاني مطارد، وزوجته مطاردة، وخرجت من بطشهم خارج البلاد، وتراه مبتسمًا في كل محاكماته؛ فانتصاره في ثباته؛ فنفسه حرة تصبّره:

وتقول لي: إن الحياة لغاية    أسمى من التصفيق للطغيان

والدكتور «محمد بديع» الرجل القرآني الذي عاش أكثر من ثلث حياته في السجون، بداية من عهد «عبد الناصر»، مات ابنه «عمار» في أحداث رمسيس، ونعاه بكل صبر وثبات؛ لأنه علم أن دماءه هو وأولاده ليست بغالية على كلمة الحق، ولذا قال «لم نكن نهزأ، ونحن نقول الموت في سبيل الله أسمى أمانينا».

لعل المهندس «خيرت الشاطر» أشهر مسجون في تاريخ مصر؛ فالرجل يحجز هو و14 شخصًا من عائلته مقاعد رئيسة في سجني العقرب وطرة، والظالمون يمنعون عنه الزيارات، وأصبح طموح أبنائه أن يكلمهم من وراء زجاج، لايخفي همة الأب ولا عزته.

إن الانقلابين لم يدخروا جهدًا للنيل من همة وعزيمة الأحرار الذين في سجونهم، ولكنهم إن عذبوا الجسد، فالروح في ملكوت آخر، تسبح في عالم الحرية، مستنكرة عليهم حصارها؛ ليعلن صاحبها موقفه للظالم بكل ثبات:

لن تستطيع حصار فكري ساعة   أو نزع إيماني ونور يقيني

فالنور في قلبي.. وقلبي في يدي    ربي وربي ناصري ومعيني

سأعيش معتصما بحبل عقيدتي    وأموت مبتمسا ليحيا ديني

هذه نماذج يعجز القلم عن الكتابة عنها، وكثيرون لا نعرفهم داخل سجون العسكر؛ يكفيهم أن الله يعرفهم. كل المعتقلين الثابتين يحبون أبناءهم، ويتوقون لضمهم لأحضانهم، ولكنهم لم يفضلوا الحب الخاص على الحب العام؛ فهم يفضلون التضحية من أجل الوطن، ومن أجل إعلاء كلمة الحق على حب الأبناء وحب الحياة. هؤلاء هم المضحون، لا من أجل أبنائهم فقط، بل من أجل أبناء الأمة؛ ولذا، فشعث نعل معتقل، أو مضح منهم، بملء الأرض من المنقلبين وأذنابهم.

إن العظماء وأصحاب الحق لهم قلوب رقيقة تعشق أبناءها، ولعلك وأنت تتابع سلامهم على أبنائهم أثناء المحاكمات تدرك عمق الحب ولوعة الفراق وألم الاشتياق، لكن أهم ما يميز هؤلاء العظماء أن حبهم للحق وللدين يفوق كل حب، ولو جلس كل عظيم بجوار أبنائه ما قامت دول، ولا انتصرت شعوب.

إن التاريخ لن يظلم كثيرًا هذه القمم التي تحدثنا عن ثباتها وصبرها حبًا للوطن، ولن يهضم حق نساء تحملن بكل ثبات غياب أزواجهن تضحية في سبيل الحق، ولن يغفل صبر أطفال كم تمنوا لمسة حنان من أبيهم قبل النوم مثلما الآخرين، ولن يبرأ أصحاب أنصاف المواقف من الشعب، ولن يرحم الهاربين من قطار التفويض الذي سكتوا، بعدما ألقى بهم العسكر في مزبلة التاريخ؛ فلم يكسبوا دينًا ولا دنيا، ولم يحققوا مأربًا، ولم ينفذوا حلمًا؛ فجل إنجازهم أنهم باعوا دينهم لدنيا العسكر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد