أكثر من خمس سنوات مضت على انقلاب 30 يونيو (حزيران) و3 يوليو (تموز) 2013 على التجربة الديمقراطية في مصر، خمس سنوات تغيرت خلالها معادلة الداخل والخارج الإقليمي والدولي تمامًا، تعرت فيها كل الأنظمة والمنظمات والطوائف والأحزاب وسقطت الإيديولوجيات وانكشفت دول رقصت جهرًا، ونزعت عنها ورقة التوت، وأخرى ارتفع غطاء خداعها وتدليسها عبر قرن من الزمان.

وقد صاحب الانقلاب على التجربة الديمقراطية عدة عوامل أدت إلى انكشاف الغطاء والغمامة عن عيون الشعب عن كثير مما كان خاف عنه نجملها فى تلك الفقرات.

1- سقوط العمائم

فقد سقط وانكشف شيوخ دين كان لهم وقار واحترام لدى الجمهور مثل أحمد الطيب شيخ الأزهر والذي أساء بموقفه ووقوفه إلى جانب الانقلاب إلى تاريخ الأزهر الحصن الأول للمصريين في مقاومة الطغاة وتدنى البعض منهم ليتحول إلى مهرج أمثال على جمعة وكريمة وميزو ومختار جمعة، حتى افتقدوا احترامهم لدى الجماهير التي اهتزت لديها صورة الشيخ والعالم المعمم، والذي كان يحظى عبر التاريخ الإسلامى كله بالاحترام والوقار والتبجيل.

2- انهيار الأيديولوجيات وسقوط الوطنية

عادت إلى الحياة عقب ثورة يناير مباشرة التنظيمات الأيديولوجية التي كانت سائدة وحاضرة بقوة في التاريخ المصري إبان الفترة الليبرالية منذ العشرينات وحتى انقلاب يوليو 1952 ممثلة للقوى الوطنية التي تم مطاردتها وسجنها ووأدها في الفترة الناصرية وتهميشها فترة السادات والتضييق على عملها وتفكيكها فترة مبارك.

عادت تلك الأيديولوجيات بقوة لتضخ دماء جديدة كما كان متوقعًا في الحركة الوطنية المصرية فشاهدنا نشوء العديد من الأحزاب بمختلف أيديولوجياتها ليبرالية ويسارية وإسلامية ومئات الائتلافات الشبابية.

جميعها سقط في أول اختبار ديمقراطي، وفي فترة وجيزة دبت بينها الخلافات الإقصائية، وليست الخلافات السياسية المقبولة وسادت بينها الفرقة فتحول ذلك الشلال الهادر من منبع لإثراء الحياة السياسية وبعث نهضة جديدة لمصر إلى محرقة ألقت الوطن في أتون نيران لن يخمد أوارها قبل فترة بعيدة وانشقت الحركة الوطنية الثرية ذات الأفرع والأغصان المتعددة إلى فريقين وعدوين لدودين قادهما الصراع إلى حتفهما معا وإلقاء مصر وشعبها في أتون نار محرقة لم تحدث له في التاريخ من قبل وانقلبت الطوائف الليبرالية والعلمانية على التجربة الديمقراطية والتي أبهرت العالم بغباء منقطع النظير كان لتعاونها مع قوى معادية، مثل أمريكا وأوربا وإسرائيل تضمر كل الشر لمصر دورًا كبيرًا في الإطاحة بالحكم الديمقراطي وتجربته الفريدة وإسقاط البلاد في فخ العسكر، وإعادتها إلى الذل والتبعية والجوع والفقر والجهل والمرض.

 3-  انكشاف الإسلاميين

أ – السلفية الوهابية

سقوط كبير للإسلاميين بجناحيهم: وهابيين، وإخوان، عقب ثورة يناير والانقلاب عليها وقد كان السقوط الأكبر والمدوي للسلفية الوهابية والتي وقفت بقوة وعداء لمعاداة الجناح الإخواني والمشروع الإسلامى وجندت كل مشايخها بتمويل سعودي لإسقاط  الإخوان والتآمر مع كل شياطين الأرض على دحر الإخوان وإسقاطهم من الحكم واستخدام كل منابرهم الإعلامية أمثال حسان ويعقوب والحويني والمقدم ورسلاني والرضوان للطعن في الإخوان ومنهاجهم ووضع العراقيل أمامهم.

وكشفت السلفية الوهابية  أن عداءهم للإخوان يعلو على الدين نفسه وعلى المشروع الإسلامي حيث استخدموا كل أدوات الكذب والنفاق والمداهنة والخداع؛ مما ليس من الإسلام في شيء لوأد التجربة الديمقراطية والانقلاب على المشروع الإسلامى في مهده مع افتراضية أن يكونوا هم الداعم الأكبر لهذا المشروع، ولكن انقلابهم كشف مشايخهم وخداعهم، وإنهم يقولون ما لا يفعلون ويغدرون ويطعنون في الظهر ويمالئون أعداء التيار الإسلامى بلا حرج ما أصاب حتى بقية التيار السلفي المعتدل من رزاز نفاقهم وكذبهم وخداعهم وآثار تشكك الجمهور وطعنه في كل من ينتمي للتيار السلفي.

ب – الإخوان

كان لجماعة الإخوان النصيب الأكبر من السقوط حيث سقطوا سريعًا في اختبار الحكم واتبعه سقوط مدو في مواجهة الانقلاب كشف أن الجماعة لا تملك الحد الأدنى من الحرفية السياسة مما يعرفه رجل الشارع العادي، ومما يندرج تحت الفطرة الطبيعية، وكشف أن 70 عامًا من بعد وفاة المؤسس الأول للجماعة الإمام حسن البنا لم تسفر إلا عن أصفار متراصة بجانب بعضها ففي غمار طمع الجماعة في الاستحواذ على الحكم عقب ثورة يناير بما حازته من ثقة كبيرة  من الشعب المصري وتعاطف مع تاريخها المجاهد ضد الظلم والطغيان لم تنظر للأوضاع نظرة متعقلة وسارعت بما كان لها من نفوذ شعبي وجماهيري ضاغط بفرض تكوين أحزاب وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وشورى ومهنيين وكتابة الدستور لتتشرذم وتتفتت الكتلة الوطنية إلى عداءات بعد أن كان مشهد يناير التاريخي يضم كل الكتل المصرية ليبرالية وعلمانية ويسارية وإسلامية ومسيحية وشباب غير مؤدلج  كان يجب أن يتقاسم كل هؤلاء الذين شاركوا في الثورة الحكم لمدة 10 سنوات لوضع بذرة الديمقراطية وتبادل الحكم بالاتفاق بين كافة الكتل الوطنية، وخلال تلك الفترة يتم تدشين الأحزاب وتنميتها لتقام انتخابات حزبية برلمانية ورئاسية، عقب العشر سنوات تكون الأحزاب قد استعدت تمامًا، ويكون الشعب نفسه قد هضم المسار الديمقراطي، ولكن الرغبة المتسرعة الجامحة في الاستحواذ على الحكم لتطبيق المشروع الإسلامى  بعد 90 عامًا أوقعت الجماعة وجرت معها مصر كلها إلى السقوط في أكبر مستنقع تقع فيه مصر في تاريخها فتآمرت عليها كافة الأحزاب والطوائف والأيديولوجيات، ليبراليين، ويساريين، وإسلاميين، وشباب ما دفعهم إلى ارتكاب خطيئة لا تغتفر في المشاركة في الانقلاب على المسار الديمقراطي وجريمة كبرى في تأييد مذابح الإخوان في رابعة والنهضة وغيرها من المجازر التي جرت بحق الإخوان ما يستبعد معه عودة اللحمة الوطنية لوقت بعيد.

وعقب الانقلاب وإلقاء القبض على قيادات الجماعة من الصف الأول والثاني والثالث فقدت الجماعة اتزانها وفضحت هشاشة كبيرة في التعامل مع الانقلاب سياسيًا وحركيًا ما يوحي بعدم تجهيز أي كوادر سياسية أو تربية خارج النطاق الدعوى ما كان مفاجأة حتى لصف الشباب الإخوانى الذي انقسم على نفسه في أكبر انقسام يشهده الإخوان في تاريخهم، وصراع بين التقليدية التاريخية، وبين الرؤى المستقبلية للشباب، وبعض كوادر الصفوف الثانية ممن هم خارج السجون.

4- سقوط النخبة

كان أكثر سقوط شعبي هو سقوط النخبة المصرية من مثقفين أدباء ومفكرين  وفنانين ورياضيين وإعلاميين وقضاة ورجال أعمال، وكان هو السقوط المفاجئ والصادم لجماهير الشعب المصري والتي ظلت عدة عقود وهي تكن لهؤلاء الاحترام والتبجيل وتمنحهم الحب والشهرة والتأييد الحماسي.

ففوجئت بخيانة النخبة وانقلابها على  كل مآلاتها وبيع كل تاريخها ورصيدها من حب وتقدير الجماهير وشراء رضاء الانقلابين والوقوف بمواجهة الشعب المصري وتعييره بفقره ووجوب صبره على الجوع والفقر ودعوات إما بالقبول بالذل أو الهجرة من البلد في مشهد صادم لم يحدث من قبل في تاريخ مصر حتى من أعتى الخونة والذين كانوا يتسترون، ولكن النخبة الحالية كانت تفاخر بجهرها بمصادمة الشعب المصري في عاداته وتقاليده وطعنه حتى في مسلمات وثوابت دينه والجهر بذلك.

5-  افتضاح الخليج

لم يكن انكشاف عداء ومؤامرات الأنظمة الخليجية على الربيع العربي وطوائف الإسلام السني بأقل من صدمة الجماهير في النخبة فقد كانت جماهير الشعب المصري غالبًا ما تكن  للخلايجة نظرة حب ومودة وترى فيهم طيبة وبراءة نتجت من التاريخ القريب والتلميع الإعلامى من جانب أجهزة عبد الناصر والسادات ومبارك الإعلامية والمودة الخاصة التي تكنها جماهير الشعب للملك فيصل والشيخ زايد لمواقفهما إبان حرب أكتوبر (تشرين الأول) هذا عدا العلاقات التاريخية التي كانت تربط المصريين بدول الخليج حينما كانت مصر ترسل المساعدات المالية والمادية وتبعث معلميها في بعثات لتعليم أبناء الخليج، ثم  نزوح عدد كبير من المصريين للعمل في دول الخليج عقب الانتعاش الاقتصادي لدول الخليج بعد حرب أكتوبر منتصف السبعينات.

ولكن سقط كل هذا عقب وقوف الأنظمة الخليجية بقيادة السعودية والإمارات بشراسة متناهية ضد  الدول التي دهمها الربيع العربي السني ومولت وظاهرت على إجهاض الثورات العربية السنية ضد أنظمة الحكم الفاشية في الدول العربية، والتي طالما أذاقت الشعوب الويلات وحرمتها من أبسط مظاهر العيش الكريم رثتها الفقر والجهل والمرض مع ما تملكه هذه الدول من ثروات هائلة تكفي لأن تعيش حياة كريمة، وهو ما تطلعت إليه الشعوب وقامت من أجله  ثورات الربيع العربي، ولكن وقفت أنظمة الخليج ضد الشعوب ما وضع بذرة شقاق كبيرة بين الشعوب العربية والإسلامية لأول مرة في التاريخ العربي الإسلامي، وجعل شعوب الربيع العربي تحلم بإزالة الأنظمة الخليجية، وتجلى هذا بوضوح في قضية الصحافي السعودي خاشقجي وابن سلمان والتطبيع الخليجي العلني مع إسرائيل.

6– سقوط الوهابية

مثلما كان سقوط الفرع الوهابي السلفي في مصر مدويًا عبر حزب النور وأبواقه من مشايخ الوهابية المصريين.

كان سقوط آخر مدويًا ينتظر المنبع الاساسى  للوهابية في مكانها في المملكة السعودية فقد ظهر مشايخ الوهابية الكبار على حقيقتهم القبيحة والبشعة في موالاة الحكام على حساب الدين واستخدام الدين وتطويعه لنيل رضا الحكام والسلاطين في مشهد عبثي هزلي وإجرامي جسد كل آيات النفاق التي ذكرها رب العزة في قرآنه الكريم والاستهتار بحياة الشعوب، وبأحكام الشرع  ولي عنق النصوص الدينية والتلبيس على الشعوب، دون اى حرج أو حمرة خجل ما قضى تمامًا على اى احترام لمشايخ السعودية ومنهاجهم الوهابي، إلا من شراذم تربت على هذا المنهج من داخله إما مستفيدة أو غافلة أو جاهلة.

7- الوجه القبيح للغرب

جاءت  ثورة يناير لتضع مصداقية الدول الغربية أوربا وأمريكا على المحك، ثم جاء انقلاب يوليو 2013 وأعقبه مذابح رابعة والنهضة لتسقط ورقة التوت عن الأنظمة الغربية تمامًا، والتي ظلت تتستر بها طوال 70 عامًا من بعد الحرب العالمية الثانية من خلال منظماتها المتعددة التي تعالج قضايا الحريات وحقوق الإنسان ونشر الديمقراطية  ومبادئ الحرية والمساواة.

وكان السقوط وانكشاف عورة تلك الدول بمساندتها للانقلاب تدريجيًا والتغاضي عن أكبر مذبحة في التاريخ المعاصر، ثم دعمها للانقلاب وتثبيته بدعمه بالمال عقب توجيهات لدول الخليج وبأدوات التصدي للشعب وأدوات التعذيب والتآمر على الدول التي تقف ضد الانقلاب مثل تدبير الانقلاب ضد تركيا ومحاولة الإطاحة بالنظام القطري والضغط على حزب النهضة التونسي وتهديده بمصير الإخوان المصريين إن قفز إلى سدة الحكم ونفذ مشروعه الإسلامي وإفشال كل المسارات لمحاولات التقارب بين الفرقاء في ليبيا ودعم الفريقين بالسلاح لتخريب ليبيا وإطالة أمد المعارك  وإفشال كل المؤتمرات التي تدعو للتصالح حتى تتحول ليبيا إلى دولة فاشلة  وتكليف السعودية بشن حرب بالوكالة عن الغرب ضد اليمن بدعوى محاربة الحيثيين الشيعة والذين دعمتهم السعودية لإسقاط حكم الإصلاحيين الإخوان المسلمون وتخريب اليمن وتدمير بنيته الأساسية.

كل حيل الغرب القديمة انكشفت وأصبح رجل الشارع العادي يتفهم كل خدعهم، ويتنبأ مقدمًا بمسارات قراراتهم في القضايا السياسية الساخنة.

كل تلك المتغيرات مثلت درجة عالية من الوعي  تشكلت لدى رجل الشارع خلال خمس سنوات وهي نسبة قياسية في تلك الفترة الزمنية الضئيلة، مثل: القهر، والظلم، من الداخل والخارج، بوتقة صهرت الجميع في المعاناة والشعور بالقهر؛ ما ينبئ ببشائر قريبة تشي بتغيرات كبيرة في منطقة الشرق الأوسط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد