معركة الوعي

إشكالية اليوم أكبر من أن تكون الفساد والنهب الذي قام ويقوم به من تقلد وسرق أو اشترى المناصب والمسؤوليات في هذا الوطن (لست أبرر للفساد)، بل الكراهية التي عمت وانتشرت بين قلوب الناس والتي خرجت من رحم الاستبداد، الكراهية التي جنينا منها سنوات من الجمر والنار والدماء، الكراهية التي دفعت بشباب اليوم لترك الوطن والمخاطرة، الكراهية التي استوردت نفايات العصور الوسطى من أوروبا، الكراهية التي منحت العقارب الدفء للعيش طويلًا ولدغ الأبرياء، الكراهية التي منحت البراءة للأفعى… إلخ.

إن الاستبداد وبكل أنواعه هو ما زرع الكراهية في المجتمع وتحول إلى أخطبوط مدمر لقيم المحبة والوئام الاجتماعي، وفي حين حرصت ثقافة الاستبداد على الترويج لثقافة السلبيَّة والخُنوع لدى المواطن، وتعطيل التفكير في المقاومة السلمية للفساد والاستبداد، فتراكمت الاحتقانات مولدة بركان الكراهية والغضب الذي قد ينفجر في مظاهر منفلتة، مدخلة المجتمع في دوامة ودوائر من الصراعات المغلقة يسودها الانتقام والأخذ بالثأر في أجواء يستباح فيها كل شيء.

لست بالمتفائل المفرط ولا المتشائم القانط لكني على يقين أن أي انزلاق وانفلات أمني قد يخرج السيوف من أغمادها ولن تعود. المشاهد تتكرر ولا أحد يعتبر ومعركة الوعي تؤجل كل مرة لأسباب وظروف مختلفة وإن كان معركة الوعي تبدأ بمحاصرة ثقافة الاستبداد لاستئصال ثقافة الكراهية، وإرساء معالم الحرية والشورى والمواطنة المتساوية بين جميع أبناء الوطن، دون امتيازات خاصة، وبالتالي فإن ذلك سيؤدي إلى إشاعة ثقافة الحب والوئام وترسيخ الاتحاد والترابط بين أبناء المجتمع الواحد متحدين سلطة الفساد.

إن معركة الوعي تحتاج بلا شك إلى نخبة من المجتمع تنهض به وتحمل كل ذلك الثقل، فالنخبة في خطاباتها وفيما تكتب وتؤلف وتقدم من إنتاج ثقافي تشكل وعي المجتمع وتصوغ أفكاره، لذلك كانت هي المعوّل عليها دائمًا في النهوض وإحداث التغيير. ورغم ما نملكه من ثقة في سعة الاطلاع والمعارف وطول الباع إلا أنه يجب أن ندرك أن من يطلع على ما نظهره من تفكير -عقولا نيرة- تفكر مثل تفكيرنا أو أكثر من تفكيرنا رغم هذا لا يجب أن نغالي في بخس حقنا ولا نستكين، وإلا كنا كالبعوض بين جماعة من العري لا نعرف من أين نبدأ.

وهناك من يكتب ويتكلم وله الرغبة في كسب عداء القراء والسامعين وهو ذلك الذي يلمح على تفوقه على جميع الناس، فالتواضع الملتزم بغير تكلف وهو أفضل وسيلة للفت انتباه الناس، وهو كفيل بغرس الثقة فيك وبمن حولك من جمهور. وجب أن نكون متوضعين غير معتذرين فيأتي الحب من الجميع، نتكلم بصدق منفعلين مع الحشود في جميع قضايها نتبين السبل لكل المشاكل.

كونفوشيوس هو أول فيلسوف صيني أقام مذهبًا قائمًا على التقاليد الصينية من سلوك اجتماعي وأخلاقي، في أوج صراعات الجنس الأصفر حيث نالت منهم الكراهية والاستبداد والانقسام فكانت فلسفته قائمة على القيم الأخلاقية الشخصية وعلى أن تكون هناك حكومة تخدم الشعب تطبيقًا لمثل أخلاقي أعلى، ولقد كانت تعاليمه وفلسفته ذات تأثير عميق في الفكر والحياة الصينية والكورية واليابانية والتايوانية والفيتنامية فخلقت فردًا محبًا متضامنًا متعايشًا ومتعاطفًا ومجتمعًا متماسكًا. كونفوشيوس لم يحاول اختلاب افئدة الناس بمعرفته المتجاوزة أبعد الحدود، بل تجلى شغفه في تنوير الناس برقته وتعاطفه اللامحدود مع جميع فئات الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

_الجزائر
عرض التعليقات
تحميل المزيد