أين تذهب ثروات العراق الذي يعوم على بحر من النفط؟ وأين تصرف ميزانيات العراق ذات الأرقام الخيالية والهائلة؟ بلاد الرافدين الغنية والفقيرة في الوقت ذاته، كما هي الحال في بلدان عديدة تنعم بالثروات وشعوبها تكاد أن تكون معدومة.

ينتج العراق نحو 4 ملايين و400 ألف برميل من النفط كل يوم، إذا ضربناها في 66 دولارًا ثمنًا للبرميل الواحد سيكون عائد العراق 264 مليون دولار كل يوم، وهذه وحدها تكفي لإعادة بناء العراق كله على مستوى عالٍ في فترة وجيزة.

كيف إذن في بلد يحتل المركز الثاني عالميًّا من حيث تصدير النفط، ويحتفظ بنحو عشر مخزون العالم كله منه أن يخاطر شعبه بحياته من أجل وظيفة، ومن أجل أبسط الخدمات التي يحتاجها أي مواطن.

ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة تمثل عائدات النفط نحو 90% من الناتج القومي، وتصرف هذه على ميزانيات الأمن والدفاع ورواتب موظفي الحكومة والقطاع العام، وعلى مشروعات البنية التحتية والخدمات التي تكاد أن تكون معدومة، لكن جانبًا كبيرًا من هذه المخصصات يتبخر هكذا يتبخر في دهاليز الفساد وحيتانه من المسئولين الكبار، فكل وزارة تُعد مصدر دخل ثابت للحزب الذي يكون حصته من الغنائم هذه الوزارة، نعود أيضًا إلى كبرى مشاكل الفساد، ألا وهي المحاصصة الطائفية والحزبية، التي أصبحت وبالًا على العراق والعراقيين.

إن الفساد في حقيقة الأمر أصبح ثقافة عامة في المجتمع العراقي، من المسؤول الصغير، إلى قمة الهرم؛ فإذا ذهبت هذه الطبقة السياسية الفاسدة، فكيف بمجتمع كامل تعلم على ثقافة الرشى والمحسوبية والمنسوبية، حتى في أبسط التعاملات اليومية.

أريد أن أضع بين يدي القارئ الكريم بعض المعلومات التي قد يجهلها الكثير من الأشخاص، وهي حقائق مثبتة وذات دلائل عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في العراق، وبحسب تقارير الأمم المتحدة حول العراق، إذ تضاعف عدد سكان العراق بحسب الأمم المتحدة بين عامي 1970 و2007 ويبلغ العدد حاليًا 34 مليونًا، بينهم 5 ملايين في إقليم كردستان، ويعيش 71% من العراقيين في مناطق حضرية، ويقطن منازل 13% من هؤلاء أكثر من 10 أشخاص، والعراق من أكثر الدول شبابًا؛ إذ إن نحو 50% من الشباب تحت 19 عامًا.

يرى 75% من العراقيين أن الحاجة إلى تقليص الفقر أولوية قصوى، أما بالنسبة للفساد، فقد دفع 12% من العراقيين الرشى لمزودي الخدمات المدنية، ولم يبلغ عن 95% من حالات الرشى، أما عن العمالة فقد بلغ معدل البطالة 11% على الصعيد الوطني، وحوالي 44% من العراقيين في القوى العاملة، فيما ارتفع معدل الولادات في العراق من 55% عام 1999 إلى 89% عام 2006.

أما عن موارد العراق وثرواته يشكل النفط %99 من الصادرات، ويملك العراق 143 بليون برميل احتياطي من النفط، و2000 بليون برميل يمكن استخراجها، ويملك العراق 100.3 بليون متر مكعب من الغاز الاحتياطي.

بين كل هذا وذاك، وما ذكرته، يعاني الفرد العراقي من الفقر والعوز والبطالة، فكل يوم نرى في شاشات التلفاز وعلى مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لا تصدق لأحد الفقراء ينادي ويناشد، لكن لا حياة لمن ينادي، صم بكم عمي فهم في مدن محصنة، لا يعرفون ماذا يجري، وحتى لو كانوا يعلمون، فتلك مصيبة أكبر، ماذا يفعل المواطن العراقي؟ هل يبقى ساكتًا أم يثور على الحكومة؟ وإذا فعل هذا هل يتحمل العراق المزيد من الأزمات والحروب والموت الذي لا يفارق أبناءه، ولا يرضى سواه فريسة.

أذا تغيرت الحكومة، وشكلت غيرها كما نراه اليوم، هل سيتحسن الواقع العراقي؟ أم سيكون أسوأ من ذلك؟ هذا هو حال العراق الذي تضيع أمواله، بل حتى أبنائه وثرواته الطائلة، ما بين دهاليز الفساد وحيتانه، وهكذا يكون حال البلدان والشعوب عندما يحكمها الفاسدون ودخلاء الوطن والسياسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات