أنشئت السلطة الفلسطينية سنة 1993 بموجب اتفاق إعلان المبادئ الموقع ما بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، الهدف الأساسي من السلطة الفلسطينية هو إدارة ورعاية مصالح الفلسطينين في مناطق نفوذها، رأس السلطة الفلسطينية بطبيعة الحال هو رئيس منظمة التحرير، فبذلك تعتبر السلطة الفلسطينية امتدادًا لمنظمة التحرير غير الفاعلة حاليًا على أرض الواقع.

تمثل الحلم الفلسطيني منذ إنشائها بتحول هذه السلطة أو المؤسسات الى دولة نافذة ومستقلة بحدودها وأجهزتها المتنفذة قانونًا وواقعًا. طال وقت الانتظار وعلى ما يبدو بأن الحلم سيبقى حلمًا؛ فالخطوات الأخيرة على سلم التنفيذ السياسي بقيت غير نافذة الأجل، والمجتمع الدولي غير آبه البتة باتخاذ خطوات مؤيدة فعليًا لما أقره بالاجتماع العام بالاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة بناءً على حدود عام 1967.

ضربات متتالية

علاوةً على ذلك تلقى هذا الحلم ضربات متتالية، لعل أهمها الانقسام الفلسطيني المثير للسخرية، والذي حدث بغزة، وتشكلت حكومتان مختلفتان. لم يتوقف الأمر عند ما حصل بغزة؛ فالضفة مشمولة بضربات موجهة في عمق السلطة ومبادئها التي شكلت عليها. في شهر مارس (آذار) من عام 2017 اشتباك مسلح على بعد مئات الأمتار من مقر القيادة الفلسطينية في رام الله، لم تحرك أي من الأجهزة الأمنية التابعة للسطة ساكنة، وترك باسل ليواجه مصيره لوحده، فيقتل بعد نفاذ ذخيرته. علاوةً على ذلك يتهم بعض الشباب الفلسطيني، وخصوصًا من جهة اليسار أجهزة السلطة بالتسبب المباشر لمقتل باسل الأعرج؛ كون هذه الأجهزة هي التي ساهمت في كشف الخلية، ومن ثم اعتقال أعضائها وكشف كافة أوراقهم أمام الاحتلال الإسرائيلي.

لم تكن هذه الحادثة هي الأخيرة، فبعد مرور سنة وبالتزامن مع استشهاد عضو القسام أحمد جرار انطلقت اتهامات مباشرة لأجهزة السلطة بالمساهمة عن كشف الخلية التي كانت مسؤولة عن مقتل مستوطن إذ إن المراقبة الحثيثة لأعضاء الخلية وقيامهم بالكشف عن معلومات تخص السيارة المستخدمة ساهمت بالتعرف على أعضاء الخلية بالكامل. ثم مطاردتهم وقتلهم على حد تعبير الناشطين الفلسطينين.

أضف إلى ذلك الاتهامات التي تطلق كل حين وآخر من قبل بعض الناشطين الفلسطينين بكون كافة التحقيقات التي تجرى معهم داخل أروقة الأجهزة الأمنية الفلسطينية تتلى عليهم عند الاعتقال من قبل الشاباك الإسرائيلي، ومن هنا انتشر مصطلح (كمبيوتر-واحد) على يد أحد الناشطين الفلسطينين، والذي قتل فيما بعد إثر اشتباك مسلح في مدينة جنين.

غزة.. جرحٌ نابض

في عام 2007 قامت حماس ودون إنذار مسبق بالاستيلاء على كافة السلطات الموجودة في غزة، تنوعت تسميات ذاك اليوم المشؤوم فتارةَ تطلق عليه الحركة اسم يوم الحسم العسكري، بينما تقوم حركة فتح المتحكمة فعليًا بالسلطة بإطلاق مسمى الانقلاب. يتفق الشعب الفلسطيني على كون هذا اليوم مشؤومًا في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني، لا يعقل بكافة الأشكال أن يقوم الفلسطيني بقتل فلسطيني آخر.

وعلى الفور قام رئيس السلطة الفلسطينية بإقالة الحكومة الشرعية والمنتخبة التابعة لحركة حماس واعتقال كافة أفرادها في الضفة. ومن هنا بدأت معاناة القطاع، إغلاق كامل لكافة المعابر والحدود البرية. حصار جوي وبحري وبري للقطاع المنكوب.

بالإضافة للحروب المدمرة التي شنت على القطاع ساهم الحصار المحكم بإفقار البنية التحتية داخل هذه البقعة المنكوبة. انقطاع للكهرباء وتدني مستوى الخدمات الصحية. مليونا فلسطيني يعانون يوميًا داخل القطاع. أكثر من نصفهم يعتمد على المساعدات الدولية بالأخص المساعدات التي تقدم من طرف الأونروا.

الأزمة الأخيرة وانتفاض الضفة الغربية

ولتشدد معاناة سكان القطاع قامت السلطة الفلسطينية بإيقاف دعم القطاع ماليًا، كان هذا الدعم متمثلًا بدفع رواتب بعض الموظفين الذين ينتمون لحركة فتح بالإضافة للمساعدات الإجتماعية من مخصصات وزارة الشؤون الإجتماعية. ومن هذا المنطلق تدخل السلطة الفلسطينية في حزام الحصار غير الإنساني المفروض على قطاع غزة.

من منطلق هذه الرؤية واشتداد المطالبات الشعبية في غزة بالتدخل لوقف المعاناة، انطلق نشاط شبابيون في مطالبات واسعة بوقف انتهاكات القطاع، مظاهرات ضخمة نظمت في مدينة رام الله ومختلف مدن الضفة الغربية، أبرزها كان خلال شهر رمضان.

قوبلت هذه المظاهرات بقمع مخيف من قبل أجهزة السلطة تمثلت بإطلاق الغاز المسيل للدموع والضرب العنيف للمتظاهرين، إضافةً إلى سحلهم على الشوراع. لم تمنع المجابهة العنيفة المتظاهرين من العودة مرةً أخرى للشارع وإسقاط حجج الحكومة الفلسطينية بكون هذه التظاهرات مسببًا للإزعاج العام وتعكير صفو الأجواء قبيل موعد عيد الفطر.

وبناءً عليه يبدو بأن السلطة الفلسطينية فقدت حاضنتها الشعبية في الضفة فالأصوات اليوم لا تطالب فقط برفع المعاناة، بل اشتملت على مطالبات بوقف نظام الحكم القمعي في السلطة وتغيير جذري بأجندتها ومراكزها القيادية. أضف إلى ذلك قيام المتظاهرين بطرد كل من هتف وأيد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

سلطة شرعية أم نظام بلطجي

المراهنات على نظام السلطة الفلسطينية سقطت حتى في أقوى حاضنتها (مدينة رام الله) ومعظم أطياف الشعب الفلسطيني لا ترى في السلطة نظامًا شرعيًا ممثلًا عنه. عدا كون الأغلبية العظمى من الشعب الفلسطيني لاتراهن على بقاء السلطة في نظام الحكم.

اجتمعت مسببات ذلك بدايةً من عجز السلطة عن حماية الناشطين الفلسطيني، والقمع المتكرر للرأي الشعبي نهايةً إلى المشاركة في الحصار المفروض على القطاع كونه خرج عن سيطرتها.

أجندة السلطة الفلسطينية الحالية خرجت عن أبسط المبادئ التي أنشئت عليها، ألا وهو حماية مصالح الشعب الفلسطيني لتساهم وبشكل مباشر في معاناته اليومية. فيبقى المستقبل مفتوحًا أمام نظام حكم جديد للفلسطينين أم ضياع آخر للقضية الفلسطينية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حصار, غزة, فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد