لا أدري هل يحق لي كطالبٍ يدرس الهندسةَ أن يتحدثَ في اللغةِ العربية وأصولِها؟
هل يحق لي أن أفخرَ باللغوي الفذ ابن جني، الذي لا يعرفُ الناسُ قدرَه لا في زمانِه ولا في زمانِنا؟ فقد كان صديقًا للمتنبي، حتى قال عنه المتنبي «هذا رجلٌ لا يعرف قدرَه كثيرٌ من الناس».

ولكنني سأتجرأ جرأةً تليق بمجال دراستي وسأعطي لنفسي حقَ الحديث عن ابن جني من منظورٍ هندسي؛ إذ أراد هذا اللغويُ النحريرُ أن يعقلنَ اللغةَ العربيةَ وبَحَثَ في أصولِها وجذورِها، أراد أن يجد الروابط بين الجذور وبين أصول الكلمات؛ وهذه العقلنةُ اللغويةُ، سأسمح لنفسي أن أسميَها «هندسةً لغوية».

بَحَثَ ابنُ جني في هندسةِ اللغة، أما أنا فأبحث في هندسة الأجسام والأبنية. وأريد أن أستعيرَ قاعدتَه بشيءٍ من الاختلاس المحمود بين الأستاذ وتلميذه لأقول: إن اشتراكَ الجامعة والجامع في جذرٍ لغويٍ واحد لهو أمرٌ قد يشير إلى اشتراكٍ بينهما في المعنى.

ولا تقف العلاقةُ بين الجامعة والجامع في الجذر اللغوي وفقط، بل لربما في الهدف أيضًا؛ فالجامعُ قبلةُ العبادة، والجامعة قبلةُ العلم. الجامعةُ لها حرمٌ، والجامعُ له حرم.

الجامعُ محرابُ الصلاة، والجامعةُ محراب الدراسة، وليأذن لي الفاروقُ أن أستعيرَ وصفَه، حين كان يتذاكرُ العلمَ مع أبي موسى الأشعري -رضوان الله عليهما- في ظلمات الليل، ومن شدة انغماسهما في العلم نسيا صلاةَ القيام، فذكّر أبو موسى الأشعريُ عمرَ بن الخطاب قائلًا: الصلاة يا أمير المؤمنين. فقال له عمر: يا أبا موسى إنما نحن في صلاة.

فلو اعتبرنا الدراسةَ صلاةً – كما وصفها الفاروق عمر -، فأليس من حقنا أن نقول: إن الجامعةَ والجامعَ كليهما محرابٌ للصلاة؟ وبهذا فقد اشتركا في الأصل والجذر اللغوي، واشتركا في الغرض والهدف.

أقول: لا يقف التشابه بين الجامعة والجامع في هذا كلِّه، بل إن اللهَ ﷻ من أحد أسمائه (الجامع).

وإنني حين أقارنُ بين الجامعةِ والجامع فإنني لا أقارن بين مكانٍ ومكان، ولكنني أقارن بين رمزٍ ورمز. بين الجامعِ كرمزٍ للعبادة، وبين الجامعة ِكرمزٍ للعلم.

وإلا فالعلمُ يُمكن أن يُطلب في الجامعة أو في غيرها، والعبادةُ يمكن أن تُؤدىٰ في الجامع أو في غيره، فكوكب الأرض كله جامعٌ كبيرٌ للمسلمين، فهو القائل ﷺ: «وجُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا».
لذلك أقول: إنني حين أقارنُ بين الجامع والجامعة، فإنني أقارن بين رمزٍ للعبادة ورمزٍ للعلم.

وأريد أن أجيبَ عن هذا السؤال الذي يتبادرُ إلى أذهان البعض مستنكرين: إذا كنتَ قد اعتبرتَ العلمَ عبادةً – كما وصفه عمر – فما وجه المقارنة إذن بين الجامع والجامعة إذا كان الهدفُ واحدًا؛ فكلاهما في النهاية يؤديان غرضًا واحدًا وهو العبادة؟

أقول: نعم، قد يبدو هذا السؤال وجيهًا، وإنني لَأعترف أنّ كليهما يشتركان في نفس الغاية، ولكنني أذهبُ إلى أبعد من هذا لأجعلَ الجامعةَ أفضل من الجامع وأعلى شأنًا ومنزلةً منه.

وقبل أن يظن بي الناسُ الظنونَ – وإن بعض الظن إثم – أجيبُ فأقول: إن الجامعةَ كرمزٍ للعلم، هي ما أوصلتنا إلى العبادة، فما عرفنا العبادةَ إلا بالعلم، وما تعرّفنا إلى اللهِ وعرفناه إلا بالعلم، وما تبيّن لنا صدقُ نبيه وصحةُ دينه إلا بالعلم. فلولا العلم ابتداءً لكنا نعبد الأوثان والأصنام، أو ربما لم نكن لنعبد شيئًا، فالجامعة هي ما دلتنا على الجامع، وبدون الجامعة فلن يكون للجامع ذِكرًا ووجودًا.

فمَن شَهِدَ للهِ بوحدانيته كانوا هم العلماء ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾
وما عرفنا صحةَ الإسلام إلا بالعلم ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحقَّ ويهدي إلى صراط العزيز الحميد﴾. وما كان تتلمذُ نبي الله موسى – وهو كليم الله – على يد العبدِ الصالح إلا أنه أكثر علمًا منه، ولهذا قال له موسى ﴿هل أتبعك على أن تُعلمن﴾؟

فبدون العلم ما عرفنا اللهَ، وبدون العلم ما عرفنا دينَه، وبدون العلم ما عرفنا نبيَه، وبدون العلم ما فهمنا كتابَه، وبدون العلم ما عقِلنا كيف نصلي في الجامع.

فالجامعة أقدس، والجامعة أشرف، والجامعة هي الطريق الوحيد والأوحد للدين.

بل إنني أجعل العلمَ أفضل حتى من الجهاد؛ لأن الجهاد لا تتضح شروطُه وأحكامُه إلا بعلم، ولا يتبين الجهاد المشروع من القتال غير المشروع إلا بالعلم، ولا يتبين الفرض فيه من النفل إلا بالعلم، ولا يتبين فرض الكفاية فيه من فرض العين إلا بالعلم.

لذلك فلا عجب أن يكون لومُ الله للكافرين أنهم كفروا عن جهلٍ وبدون علم، وكأنه ﷻ يقول: لو كفرتم عن علم لكان من الممكن أن أسامحَكم وأعفوَ عنكم، ولكنه يقول موبخًا لهؤلاء: ﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علمٍ إن كنتم صادقين﴾.

وكأن الله ﷻ كان سيقبل منهم كفرَهم، إن كان كفرُهم عن علم وعن سلطان بيّن. ﴿لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن﴾.

لهذا كان ولا بُدّ أن تكون الجامعةُ مقدَمةً على الجامع، فلا سبيل للجامع إلا بالجامعة، بل إن الطالب في الجامعة أفضل من العابد في الجامع؛ ذلك أن أكثر شعائر الدين لا ينتفع بها إلا الفرد نفسه، فالمُصلّي والصائم والحاجّ والمُعتمر والمُسبّح والمُهلل والقائم الليل.. كل هذه العبادات – على عظمتها وأجرها الجزيل – لا تفيد أحدًا إلا صاحبها وحده. أما العلم فنفعه متعدٍ، يفيد المشتغلَ به ويعود نفعُه على الناسِ من حوله، حتى وإن طالت بينهم المسافات والقارات بل الأزمان؛ فالعبادةُ تنقطع وينتهي أجرها بانتهاء مدتها، أما العلم فلا ينتهي أجره بانتهاء زمنه، فهو باقٍ ما بقي في الناس مَن ينتفع به.

ويجدر بي أن أترحمَ على عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين لأنه – فيما أعلم – أول مصري تخرج جنازته من حرم جامعة القاهرة ابتداءً، ثم اتجهت بعد ذلك إلى المسجد للصلاة، وإلى المقابر؛ حيث وارى جسدَه التراب. أترحم على هذا الرجل الذي كان أول مصري يحصل على درجة الدكتوراه من أول جامعة مصرية، وأول عميد للأدب العربي في جامعة مصرية، وأول مصري يحصل على درجة الليسانس من جامعة السوربون في فرنسا، وأول مصري تُشيع جنازتُه من داخل حرم الجامعة. فكأنما تملّكته الجامعةُ، بل إن شئت قل – على طريقة طه حسين نفسه – تملّك هو الجامعةَ.

فخروج جثمانه الشريف من الجامعة أولًا، ثم بعد ذلك إلى الجامع، لهو دليل على تقديم الجامعة على الجامع، سواءً في الحياة أم في الممات، فهي المبتدأ وهي المنتهى.

وهل بدأ رسول الله أول ما بدأ بإنشاء جامع أم بإنشاء جامعة؟ هل كانت دار الأرقم بن أبي الأرقم جامعًا أم كانت جامعة؟ وكيف تكون دار الأرقم جامعًا إذا كان المسلمون يتدارسون فيها العلم قبل فرض الصلاة؟

كان المسلمون يختلفون إليها ليجتمعوا برسول الله سرًا يتدارسون هذا الدين على يد النبي الكريم قبل أن يُفرض في الإسلام فرضٌ واحدٌ من عبادة، وقبل أن تُفرض ركعةٌ واحدةٌ من صلاة، فما كانت إلا للتعلم والتفكر والمُدَراسة.

وما أجمل ما قاله الأستاذ والمفكر والبرلماني المغربي أبو زيد الإدريسي في تفسيره لأهمية فعل «اقرأ» كأول ما نزل من القرآن؛ فقد أشار إلى أن ما يكمن وراء الابتداء بفعل «القراءة» مقدمًا على باقي الأفعال التي كانت الأمة بأمس الحاجة إليها في بداية عهدها الجديد فتساءل قائلًا: لماذا كان «اقرأ» أول فعل نزل للبشرية؟

كانت الجزيرة العربية آنذاك تغرق في الشرك فلعلها أحوج إلى أن يكونَ أول ما نزل هو «وحّد»، وكانت تغرق آنذاك في الكفر ولعلها أحوج أن يكون أول ما نزل إلى «آمن»، وكانت تعيش ظلمًا اجتماعيًا كبيرًا فلعلها أحوج إلى كلمة «اعدل»، وكان في قريش من عتاة وصناديد الملأ المكي ما يمثل الطاغوت ليصد الناسَ عن دينِ الله فعلّها أحوج إلى كلمة «جاهد»، وكانت الأمةُ غافلةَ عن الحق فلعل أحوج ما تحتاج إليه هو «ادعُ».. ولكن لم ينزل أول ما نزل لا «آمن» على أمة كافرة، ولا «وحّد» على أمة مشركة، ولا «صدّق» على أمة مكذبة، ولا «اعدل» على أمة ظالمة، ولا «ادع» على أمة غافلة، ولا «جاهد» على أمة مكابرة، ولا «أصلح» على أمة مفسدة.. بل نزلت «اقرأ»، وهذا ما ينبغي التركيز على مركزيته في التصور القرآني، لقد نزلت «اقرأ» على أمة أميّة لم تكن قط تحتاج إلى «اقرأ»، وإنما إلى كثير من أفعال الأمر الحضارية الكبرى ذات الأولوية والمركزية العظمى ولكن تقدم فعل الأمر «اقرأ» عليها جميعًا يحتاج إلى وقفة وإلى تفسير.

والأقرب عندي إلى التفسير الصحيح هو أن كل هذه الأفعال لا بد من تأسيسها على الفعل «اقرأ» باعتباره فعل المعرفة السليمة؛ ذلك أن الإيمان بلا «اقرأ» سيصبح خرافة، وأن الدعوة بلا «اقرأ» ستصبح تنفيرًا، وأن العبادة بلا «اقرأ» ستصبح بدعةً، وأن الجهاد بلا «اقرأ» سيصبح إرهابًا.

وإنني أُقدّم الجامعةَ على الجامعِ كما قدّم أسيادي من المعتزلة العقلَ على النقلِ، قائلين: إننا ما عرفنا النقلَ إلا بالعقل، فالعقلُ هو الطريق الأوحد للإيمان بالنقل ولفهم النقل.

أقول: فليسمح لي سادتي من المعتزلة أن أقدّم الجامعةَ على الجامع، كما قدّموا هم العقلَ على النقل؛ فبدون العقل ما عرفنا النقل، وبدون الجامعة ما عرفنا الجامع، وأعني بالجامع هنا المسجد، والجامع الله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد