جرِّب أن تدلي بدلوك في أمر من أمور المسلمين له علاقة بالإسلام، سواء كان رأيًا أو فكرًا أو إسقاطًا لأحداث ومواقف، ولسوف تنهمر عليك عبارات التقريع والاستهجان كما المطر! وقد يقولها قائلها ذامًا مستهزئًا، وقد يقولها مخلصًا ناصحًا، أو حتى محبًّا مشفقًا! إلا أنهم جميعًا يتفقون على أنك لست أهلًا للكلام في هكذا أمور، ويطلبون منك أن تتركها للفقهاء! فما هو دور الفقهاء حقيقة؟ وهل هناك حدود فاصلة بين السائل والفقيه؟

يقول الله عز وجل في سورة التوبة: «وَمَا كَانَ المؤمِنونَ لِيَنفِروا كَافَّةً ۚ فَلَولَا نَفَرَ مِن كلِّ فِرقَةٍ مِّنهم طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهوا فِي الدِّينِ وَلِينذِروا قَومَهم إِذَا رَجَعوا إِلَيهِم لَعَلَّهم يَحذَرونَ» صدق الله العظيم.

والآية الكريمة واضحة المعنى بلا لبس ولا تأويل، فهي تبين أن المؤمنين لا يجب (ولا يستطيعون في الحقيقة) أن يقوموا لأمر الفقه جميعًا ويتركوا باقي الأعمال، وإنما يناط الأمر بطائفة منهم تتخصص في هذا، ثم تقوم بدورها بنشر هذا الفقه بين باقي المسلمين إذا رجعوا إليهم.

والرجوع هنا -في قوله تعالى «إِذَا رَجَعوا إِلَيهِم»- قد يحمل أحد وجهين:

الأول: أن يكون الفعل عائدًا على الطائفة المتفقهة، بمعنى أنهم بعد تفقههم في الدين يرجعون إلى قومهم ويقومون بنشر ما علموه وفقهوه بينهم، فيحلون الحلال ويحرمون الحرام، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويوجهون الدفة بأنفسهم.

أما الثاني: فأن يكون الفعل عائدًا على قومهم (عامة المسلمين)، بمعنى أن يتوجه العامة إلى هؤلاء المتفقهين لسؤالهم عن أمور الدين فيقوم الفقهاء بالرد على التساؤلات، وتكون الدفة هنا بأيدي العامة، ويكتفي الخاصة بتصويبها.

والعقل والمنطق وطبيعة الحياة تقول بأن الأمر يحمل كلا الوجهين معًا، فيوجه الفقهاء الدفة بأنفسهم أحيانًا ويصوبون توجيه العامة لها أحيانًا أخرى. وشاهدنا هنا عن الوجه الثاني، وهو أن يتوجه العامة بالتساؤلات للخاصة.

والعامة هم عامة المسلمين الذين لا يملكون دقائق العلم الشرعي ومفرداته، فلا يستطيعون الفصل القاطع في أمور الدين؛ ولكنهم مع هذا يملكون من الفطرة وخبرة السير بالإسلام في حياتهم والتفاعل مع الوقائع والخطوب ومن بعض عقلٍ ما يمكنهم (ويعطيهم الحق في الواقع) من التفضيل والظن دون الفصل، فهم لهذا «أهل الظن».

وأما الخاصة فهم من تفرغوا للتفقه في أمور الدين، فقرأوا التراث وحفظوا الحديث بسنده والروايات بتسلسلها والتفاسير باختلافها والتاريخ بأوجهه، فمنهم من تخصص في أحد هذا ومنهم من جمع بعضه أو حتى كله، وجميعهم لا يتكلم بلسانه ولا بهواه، وإنما بما حفظ ونقل عن فلان عن فلان عن فلان، وبما أصَّل أو أضعف فلان عن فلان عن فلان، فهم لهذا أهل النقل والتأصيل أو «أهل الـ(عن عن)».

وما بين «الظن» والـ«عن عن» تقع الإشكالية كلها!

وللإشكالية ثلاثة مداخل، فإذا ما أطلت من أحدها حدثت القطيعة بين الفريقين وزال الرباط الذي يشدهما معًا، وانطلق كل منهما في طريقه بغير ضابط؛ فيوغل أهل الظن في التحرر الذي قد يفضي إلى الشطط، ويوغل أهل الـ«عن عن» في التكلس الذي يفضي قطعًا إلى الموت.

المدخل الأول: طبيعة التساؤلات

بالنسبة لطبيعة التساؤلات فأول ما تتبادر إلى الذهن هي الأمور التقليدية مثل أحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج، وكل ما يستتبعها من طهارة وحيض ونفاس، بالإضافة إلى أحكام الزواج والطلاق والمواريث وما إلى ذلك.

ولكن كل هذا على كثرته لا يشكل إلا بابًا واحدًا فقط من أبواب الإسلام وهو فقه العبادات والشعائر، وقد يتطرق بنا الأمر قليلًا إلى بعض فقه المعاملات من أحكام البيع والشراء وما إلى ذلك أيضًا. غير أن الإسلام نفسه أكبر من ذلك بكثير، فالمعاملات نفسها –على سبيل المثال– تمتد لتشمل كل علاقات المسلم مع الغير، مسلمًا كان هذا الغير أو غير مسلم، فردًا كان أو جماعة، رئيساً كان أو مرؤوسًا، مسالمًا كان أو محاربًا، وهكذا.

وكما أوضحنا في أهل الظن، فإن ظنهم هذا لا ينبع من نقل قديمٍ وتراث، وإنما من التفاعل الحي مع الحياة، وبالتالي فكل ما تحمله الحياة من أوجه ودروب يحتمل الظن، وكل ما يحتمل الظن يصلح ليكون مجالًا للتساؤل، وهنا تبدأ الإشكالية في الظهور!

فمن الجائز أن تكون مادة التساؤل سلوك اجتماعي، أو مسار سياسي، أو توجه اقتصادي، ومن الجائز أن تكون مقارنات فلسفية أو مقابلات منطقية، أو تكون أحداثًا تاريخية بإسقاطاتها المختلفة، بل ومن الجائز أيضًا أن تكون مادة التساؤل من صلب العقيدة نفسها عن الله وصفاته وقدراته؛ بل وأحقيته بالعبادة أيضًا!

وبما أن أهل الـ«عن عن» من الخلق وليسوا بدعًا من الخلق فيسري عليهم كل ما يسري على سائر الخلق من سنن التغير والتذبذب، فيتحركون من الضعف إلى القوة، ومن القوة إلى الضعف حسبما يتحرك العصر كله.

وهم في أوقات ضعفهم يركنون إلى الكسل والخمول، ولا تكون لديهم الرغبة ولا المقدرة على التفكر والتدبر وبذل الجهد، فيلجؤون إلى غلق أبواب التساؤلات بابًا وراء باب بأقفال القداسة والتحريم، ويردون طارقيها بردود التسفيه والتشكيك، وقد يَسِموهم بوسوم الشطط والإلحاد وإثارة الفتن، ولا يبقون إلا على أبواب تقليدية عتيقة، لا تأتيهم منها إلا أسئلة معلبة محفوظة فيصَدِّرون لها أجوبة معلبة محفوظة أيضًا، وهنا تحدث القطيعة!

المدخل الثاني: كيف تصاغ التساؤلات؟

وحين نتفكر قليلًا في صياغة التساؤلات، تتبادر إلى الذهن بتلقائية تلك الصورة المباشرة للسؤال بالكلمات الاستفهامية المعروفة «ما، من، متى، كيف، هل…» إلى آخره من كلمات التساؤل الصريح، يوجهها العاميّ إلى الفقيه بشكل مباشر في مجلس علم عام أو خاص، أو بشكل غير مباشر لبرامج الفتوى الإذاعية أو التلفزيونية أو الصحافية، وهكذا.

وتلك الصورة التقليدية من صور التساؤل لا غبار عليها ولا ينتج منها –غالبًا– أي إشكالية على الإطلاق، فهي تساؤل يوجهه من لا يملك الجواب إلى من يظن أنه يملكه، فيسري السؤال من الأول إلى الثاني ويعود الجواب في ذات الطريق من الثاني إلى الأول بسلاسة كانتقال التيار الكهربى بين سلكين متصلين ببعضهما البعض.

ولكن تلك الصورة المثالية يكسرها أمران: الأول هو طبيعة أهل الظن، والثاني هو ما ذكرناه في المدخل الأول من طبيعة التساؤلات نفسها.

فمما قلناه سابقًا في تعريف أهل الظن، فهم يملكون من الخبرة والقدرة ما يعطيهم الحق في التفضيل والظن –دون الفصل– في ما يواجهون من الأمور، ويترتب على هذا أنهم في البدء يجيبون بأنفسهم على أنفسهم بأجوبة ظنية تنبع من خبراتهم وتتماشى مع ميولهم وأهوائهم ورغباتهم، ثم يتوجهون إلى أهل الفقه بالتساؤل بعد ذلك. فلا يكون التساؤل هنا ممن لا يملك الجواب إلى من يملكه –كما في الصورة المثالية– وإنما يكون ممن يملك جوابًا إلى من يملك جوابًا آخر.

فيلقي العامي تساؤله ليس بقصد طلب الجواب فقط، وإنما بقصد اختبار جوابه الذي أعده مسبقًا، ويتلقى الفقيه التساؤل وهو يعلم أنه قد يقصد به اختباره أكثر مما يقصد به طلب العلم منه، فتفسد لذلك علاقة التكامل بين السائل والفقيه، وتتحول إلى علاقة الندية والتنافس!

أما بخصوص طبيعة التساؤلات نفسها، فالأمر أخطر بكثير. فمما ذكرنا من طبيعة التساؤلات نعلم أنها قد تطال كل شيء بدءًا من العبادات والشعائر، مرورًا بالمعاملات على اتساعها وشمولها، وصولًا إلى صلب العقيدة نفسها، انتهاءً بالله ذاته -جل وعلا-، وهذا التنوع المطلق في طبيعة التساؤلات يفتح أبوابًا جديدة لصياغة التساؤلات تبتعد تمامًا عما نعرفه وذكرناه من صيغ التساؤل التقليدية، وقد يكون من الأنسب ألا يطلق عليها تساؤلات من الأساس!

فقد تأتي الصياغة على هيئة تساؤل كما ذكرنا، وقد تأتي على هيئة عقد مقارنة بين وجهات نظر وآراء مختلفة في قضية ما (سياسية، اجتماعية، اخلاقية، عقدية…) مع تفضيل إحداها على الأخرى، وقد تأتي على هيئة رفض واستنكار رؤية قائمة بالفعل، أو اقتراح وطرح رؤية جديدة مغايرة لما هو موجود!

وتلك الصياغات الجديدة –والتي خرجت بالفعل من شكل التساؤل التقليدي– لا يمكن طرحها عبر قنوات التساؤل التقليدية، فهي بالأساس ليست موجهة لفقيه بعينه أو حتى لهيئة فقهية بذاتها، بل وقد تكون لا تستهدف الفقه ورجاله من الأساس، ولهذا فتلك الصياغات تقدم كأطروحات قائمة بذاتها في وسائل مقروءة كالمقالات والنشرات والكتب، أو مسموعة كالمناقشات والندوات والبرامج الإعلامية.

وهنا تكون الدفة كاملة بيد العامة لا بيد الفقيه، ويصبح لزامًا على الفقيه –كي يقوم بدوره– أن يلاحق بنفسه تلك الصياغات المختلفة أو حتى يطاردها إن دعت الحاجة، وأن يتعامل مع كل منها على أنها تساؤل موجه إليه شخصيًّا، ويصوغ رده على هذا التساؤل على شكل نقد أو تنقيح أو تصويب، وهنا يصل فساد العلاقة بين أهل الظن وأهل الـ«عن عن» إلى حد خطير، وتتحول العلاقة كليًّا ليس فقط إلى صورة الأنداد، وإنما إلى صورة الأضداد، فتقوى الإشكالية وتتجذر القطيعة!

المدخل الثالث: ماذا بعد أخذ الجواب؟

ونصل بهذا المدخل إلى فطام الإشكالية وتجسد القطيعة، فبعد أن يفرض السؤال نفسه على العامي (أو بالأحرى تفرضه ملابسات الحياة، كما في المدخل الأول)، وبعد أن يصوغ العامي سؤاله سواءً بصيغة تقليدية أو غير تقليدية (كما في المدخل الثاني)، وبعد أن يرد الفقيه بجوابه عن هذا التساؤل؛ كيف ينتهي الأمر؟

في الواقع، فإن علاقة الجواب بالسؤال لا تخرج عن ثلاثة احتمالات:

الأول: أن يتماشى جواب الفقيه مع ظن السائل، وفي هذه الحالة يحدث التوافق الكلي بينهما، وتصبح الحياة هي الدين والدين هو الحياة، وينسجم الجميع في سلام ووئام. وتلك الحالة تظهر بشكل كبير في أمور فقه العبادات والشعائر حيث جواب الفقيه لا يؤثر تقريبًا في حياة السائل ولا في معاملاته المتداخلة مع الغير، فلن يضر السائل مثلًا أن تكون صلاة الظهر أربع ركعات أو خمسة، ولن يضره أن يمسح ظاهر الخف أو باطنه، أو ينحر قبل صلاة العيد أو بعدها، وهكذا.

الثاني: ألا يتماشى جواب الفقيه مع ظن السائل، وفي هذه الحالة يختفي التوافق بينهما، ويعتبر السائل أن أمامه جوابين، أحدهما هو جواب الفقيه، والآخر هو جوابه الظني الذي أعده بنفسه مسبقًا، ويكون الخيار بيد السائل لتبنِّي أي الجوابين، فيتبنى جواب الفقيه أحيانًا (وبالأخص في أمور العبادات والشعائر)، ويتبنى رأيه الظني أحيانًا أخرى (وبالأخص في أمور المعاملات والفكر).

الثالث: أن يتعارض جواب الفقيه مع ظن السائل، وفي هذه الحالة ليس فقط يختفي التوافق، وإنما يظهر العداء بين الطرفين. ويبرز هذا الاحتمال جليًّا في أمور المعاملات والفكر والرأي (سياسة، اقتصاد، اجتماع…)، ويتبنى السائل رأيه الظني بكل قوة، ويعادي رأى الفقيه ويحاربه سواء بشكل صريح معلن، أو بشكل ضمني غير معلن.

لمن القول الفصل؟

ومن إجمالي الاحتمالات الثلاثة يتضح أن الكرة بأكملها في ملعب السائل لا في ملعب الفقيه، وأن القرار بشكله النهائي بيد السائل، فإما يأخذ برأي الفقيه، وإما يتركه، وإما يعاديه ويحاربه.

وتلك هي المحصلة النهائية التي يتهرب الكثيرون من الاعتراف بها على الرغم من ثقتهم بقدرتها على فض الإشكالية! فأهل الظن يستخرجون جوابهم من بطون الحياة ونوازلها، في حين يستخرج أهل الـ«عن عن» جوابهم من بطون الكتب وحواشيها، وبطون الحياة حية متجددة متفاعلة، أما بطون الكتب فقد تكون جامدة عفا عليها الزمن وأكلتها قرضة التغيير والتحديث.

تبقى فقط نقطة واحدة وهي التعريف الذي أطلقناه على الطرفين والذي عنونا به هذا المقال، أهل «الظن» وأهل الـ«عن عن»، والذي قد يراه البعض يحمل حسًّا فكاهيًّا غير ملائم لجدية الموضوع وخطورته! حسنًا؛ طالما وصلت إلى هذا الحد من القراءة فلك أن تغيره -إذا أحببت- إلى ما شئت من تعريفات تراها أوفق وأجدى؛ فما «أهل الظن وأهل الـ(عن عن)» في الحقيقة إلا «أهل العقل وأهل النقل»، أو «أهل الابتداع وأهل الاتباع»، أو «أهل الدراية وأهل الرواية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد